رؤوس وأبدان

في رواية "هنا بدن" إجابة عن سؤال: من أين يأتي "المواطنون الشرفاء"؟ حيث يجري التقاط من مأوى لها، ممن يطلق عليهم "أطفال الشوارع"، وإيداعهم في معسكرات مغلقة بحجة إعادة تأهيلهم، فيفاجأون بقسوة نظام حديدي يحظر عليهم حتى النطق بأسمائهم.
الأحد 2018/12/16
رواية تسجل ملامح عالم غريب وكابوسي

تتسق دراسات الدكتورة بسمة عبدالعزيز ومواقفها وأعمالها الأدبية، فيفضي كلّ إلى الآخر، ويكاد يذهب بالسرد إلى منطقة «الالتزام». هي كاتبة مقلّة، تتحرى الدقة، وتتقصى جذور الظواهر، ولا تستعجل النشر ربما باستثناء روايتها الأخيرة «هنا بدن» التي دعتني، بعد الانتهاء من قراءتها، إلى مراجعة كتابها «إغراء السلطة المطلقة.. مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ»، وقد تصادف صدوره عام 2011 مع زهو الثورة بنجاحها في خلع حسني مبارك، وكسر صلف الشرطة وإجبارها على التعامل الآدمي مع الشعب.

وقلت لنفسي آنذاك: وداعا لإغراء السلطة المطلقة، ممارسة وكتابا ظننته سيلقى مصير دراسات عن دول انفرط عقدها، الاتحاد السوفييتي مثلا، فيصير الكتاب وموضوعه تاريخا، مجرّد ماض نقرأ عنه للتدبر، ولن نعيد إنتاجه فلا نفرق بين مأساة وملهاة. ولا أحسب المؤلفة تغضب من التضحية بحياة متجددة لكتابها، لو نجحت ثورة 25 يناير التي منحتنا وعدا بالحرية، وتابعنا قدرتها على تحويل دلالة كلمتي «المواطنين الشرفاء»، من الشرف إلى سباب يرى هؤلاء «المواطنين» بلطجية، أرباب إجرام مدربين على مهام يتعفف جهاز الشرطة أحيانا عن تلويث يديه بها. وتخيل الناس أن الثورة اكتشفت المصطلح بمفارقته، ولكن كتاب بسمة عبدالعزيز المتخصصة في الطب النفسي أرجع مصطلح «المواطن الشريف» إلى نهاية الثمانينات، على لسان وزير الداخلية سليط اللسان زكي بدر. ويحتفظ له يوتيوب بجلسة برلمانية، يسبّ فيها سياسيين بألفاظ خادشة، يرددها أمثال وجدي غنيم. وفي تلك الجلسة وقعت اشتباكات، وانتهت بإعلان رئيس البرلمان رفعت المحجوب تجديد الثقة في وزير الداخلية.

في رواية «هنا بدن» وقوف على بداية هذا الخيط، وإجابة عن سؤال: من أين يأتي «المواطنون الشرفاء»؟ حيث يجري التقاط من مأوى لها، ممن يطلق عليهم «أطفال الشوارع»، وإيداعهم في معسكرات مغلقة بحجة إعادة تأهيلهم، فيفاجأون بقسوة نظام حديدي يحظر عليهم حتى النطق بأسمائهم، فكل صبي مجرد «بدن»، يسمع إملاءات «رؤوس» المعسكر وإكراهاتهم، وتتحول الأبدان إلى «جزء من النظام» كما يقول الصبي يوسف لصديقه ربيع. وتغسل أدمغتهم؛ فلا يترددون في تنفيذ عمليات التخريب، وإحداث فوضى تدعو الشرطة للدفاع عن أفرادها وحماية منشآت سيقت الأبدان إلى مهاجتمها. ويكتشف بعض الصبية هذه الحقيقة، ويتهامسون «هم لا يهذبوننا… بل يدفعوننا لمهاجمة من يريدون… نحن الآن أذرعهم الطيّعة». في مشهد دال يغضب يوسف من صديقه القديم ربيع، ويرجوه ألا يناديه «يا بدن»؛ خوفا من نسيان اسمه، فيطلعه ربيع على سرّ، إذ تعاهد مع زميليه سعد وعثمان على أن ينادي أحدهم صاحبيه باسمه، واسم أبيه لو أمكن، كلما كان الظرف آمنا، وينضم يوسف إلى خلية رباعية سرية طموحها حفظ أسماء أعضائها.

رواية من 500 صفحة تسجل ملامح عالم غريب وكابوسي، في شقين يتوازيان، وتتناوب الفصول بين هذه المعسكرات وتصعيد شهده اعتصام ميدان رابعة بالقاهرة، ولا يلتقي الطرفان إلا في صفحة 396، حين يوقظون الصبية في الرابعة فجرا، ويدفعونهم إلى المشاركة في فض الاعتصام، ويتلقى يوسف من «الرأس علام» أمرا بإطلاق النار، فيتردد الصبي ويفشل في التصويب، ويراقب القائد تراخيه في القتل، فيمتعض ويصوّب إلى رأسه رصاصة. ووسط سحب الدخان يراه صديقه ربيع، فيعضّ شفتيه ليمنع نفسه من النحيب، ويسيل دم ربيع من فمه، فيبتلعه لكي لا يكتشفه القائد. وبعد هدوء الغبار، سيفاجأون وهم في المعسكر بصورة يوسف في التلفزيون، والمذيعة تردد الاسم مرتين «شهيد ضابط عابد وجدي».

يصعب، فنيا، تشابه وجهيْ صبي وضابط، وربما تسببت العجلة في ذلك، وجعلت البشر شياطين وملائكة، وفاتت السرد إشارة تودوروف في كتابه «مفهوم الأدب» إلى أن الرواية «لا تحاكي الواقع، إنها تخلقه»، وقد شكلت المحاكاة أحيانا عبئا، وخصوصا في حوارات مطولة تتقارب فيها مستويات الوعي بين صبي أميّ ومدرّسة وطبيب وشيخ وضابط، حوارات تُخبر ولا تصوّر، على عكس القاعدة الدرامية «أرني ولا تخبرني» (Show, don’t tell). ويشفع لهذا كله حماسة الكاتبة في التزامها الأخلاقي، وانطلاقها من براءة واختبار للآدمية يجعلان الرواية نفثة مصدور.

13