رؤى الصغير توجه رسائل لإنقاذ الأنثى المقموعة

الاثنين 2015/02/09
رؤى الصغير: الهزيمة قدر أولئك المعذبين مهما اشتدت آلامهم فلا خلاص

دمشق - في روايتها الأولى الموسومة بـ”ذاكرة الرصيف”، الصادرة عن “دار الساقي للنشر”، ببيروت (2015)، تقدم الكاتبة التونسية، المقيمة في بيروت، رؤى الصّغير سيرة حياة البطل الرومانسي محمد وقصة هيامه بأسيل ورحلة العذابات التي مرّ بها كلاهما لتنتهي بخلاص أسيل وانهيار محمد.

الهزيمة قدر أولئك المعذبين، مهما اشتدّت آلامهم فلا خلاص، النهاية حتمية إذ تتضافر ضدّهم كل القوى في سبيل سحقهم، لتبقى قصصهم هامشية ولوعتهم ليست أكثر من أنين ضعيف في ظل ضجيج الحياة وعجلتها الدائرة.

تحكي رواية “ذاكرة الرصيف” قصة محمد والفتاة التي ولِه بحبها “أسيل”، صفحات كثيرة تمرّ قبل أن ندرك كيف تمّ اللقاء بينهما وطبيعة علاقتهما، إذ نرى محمد يكتب لها عددا من الرسائل على مدار تسع سنوات.


عذابات ميلودرامية


في هذه الرسائل يتحدث عن طفولته المعذبة وعلاقته مع أمّه ووالده الذي هجرها، ما اضطرّ أمه إلى الزواج من عمه الذي رماه في الميتم، لتستمرّ بعدها معاناته في الميتم إلى حين يبلغ الثامنة عشرة، فجأة يعود والده إلى تونس محمّلا بالأموال بعد تحوّله إلى عجوز يعشق المراهقات، ولينتقل محمد إلى السكن في منزله الفخم. بسرد مواز يتدخل صوت الراوية التي تحكي سيرة أسيل وأمها وكيف انتقلت من تشيكوسلوفاكيا إلى تونس، وكذلك تحوّل أبيها إلى غول مخمور بالذكورة والتعصب الديني، حيث طغت التقاليد الدينية والشهوة المحرّمة على سلوكه في التعامل معها، لينتهي الأمر بأن يلتقي محمد بأسيل صدفة ويقع في حبها، ليعمل إثر ذلك على سفرها إلى الخارج بعد أن سرق نقود أبيه، باقيا بعدها نشوان بهيامها لمدة عشرين عام إلى حين موته متسولا في الشارع، ذلك بُعيد أن يراها مارّة بجانبه دون أن تتعرف عليه، ودون أن يتيقن من هويتها.

محمد هو البطل الرومانسي المهزوم دائما؛ طفولته معذبة مليئة بالأحداث الدامية والمؤلمة، حتى حياته في الميتم نراها تتكلل بالخسارة، فصديقه أسعد يسجن للتورط مع الإسلاميين كحالة والده الذي سجن من قبل، في حين يرفض محمد الانصياع لكلمات الشيخ عبدالغفور وتعاليمه الدينية، وعند خروجه من الميتم تموت أمه ويفقد التواصل مع أختيه، وحتى إثر انتقاله إلى منزل أبيه الفخم تبقى روحه معذبة، فيبث كل عذاباتها في رسائله إلى أسيل، لقد شارك في المظاهرات إلا أنه تمكن من النجاة بسبب سلطة أبيه، إذ لا توجد جدوى لحياته، فهو هائم دائما وولهان في بحثه عن معنى لوجوده الشخصي.

"ذاكرة الرصيف" رواية هزيمة البطل الرومانسي

طفولة أسيل ليست بالمشرقة أيضا، فهي لأب تونسي وأم أجنبية، وبعد أن عادت من بيت جدتها في تشيكوسلوفاكيا نتيجة غزو الألمان تفاجأ بطبيعة المجتمع التونسي والتعصب الديني، وأعين الجميع التي ترى فيها عاهرة أجنبية كأمّها، ففي طفولتها تتكثف كل العذابات التي من الممكن أن تواجه الأنثى، إذ تتعرض للقمع وتضرب من قبل أبيها ثم تتعرض للاغتصاب من قبل بواب مدرستها الابتدائية، وحين ذهبت إلى الشرطة لتخبر عن الواقعة تُنعت بالعاهرة، لكن هناك تلتقي بمحمد.


صدفة متأخرة


حدث اللقاء بين محمد وأسيل متأخرا جدا في السرد، إذ تغرق الرواية بتفاصيل وتواريخ الشخصيتين دون أن تتم الإحالة إلى الحدث الذي يمثل الإرهاص، أو بذرة السرد التي تبرر الحدث الأول المتمثل في إمساك محمد لكاحل فتاة تمرّ بجانبه في الشارع فهي إما أسيل أو لا.

حيث نقرأ مطولا عن لوعة محمد للقاء وحياد أسيل وصمتها الدائم ونحن في شوق لمعرفة الذي جرى بينهما، لنرى أن قصة حبهما كلها لا تتعدّى المصادفة، ما يجعل الرواية تغرق في الإطالة بعيدا عن الحبكة المتماسكة، فاستعادة الماضي لا تتملك أيّة قيمة في دفع الحدث المستقبلي، نحن أمام زمن ثابت، ولا نعلم إن كان محمد يقرأ الرسائل أو يكتبها على مدى السنوات العشرين التي انتظر فيها أسيل، بالإضافة إلى كثرة المصادفات التي تحويها الرواية والتي تجعل بعض الأمور لا منطقية، فمن اللقاء بين أسيل ومحمد في مخفر الشرطة، إلى حادث الاغتصاب، وكذلك محاولة أسيل قتل أبيها وهي في عمر الثالثة عشرة.

يلاحظ القارئ صوت الكاتبة النسوي يعلو عند الحديث عن طفولة أسيل وموقفها من الدين والذكَر والبلوغ، إذ تروي ما يحدث في حياة أسيل وتطلق الأحكام على لسانها، وهذا لا يتناسب مع منطق فتاة في عمر الثالثة عشرة، لتبدو شخصية أسيل قاسية متحجرة، لا تفكّر بل تسيّرها آراء الراوية وموقفها ممّا يدور من أحداث، ما يجعل منطق سير الحدث أحيانا غير منطقي وغير متناسب مع بنية الشخصية.

اللامنطق السابق يمكن أن يعزى إلى الرومانسية في حدّ ذاتها، فهي لا تقدّم نماذج إنسانية واقعية، بل نرى أنفسنا أمام تكثيف عاطفي هائل، يبتعد عن الواقع وقد يُتهم أحيانا بالبلاهة أو الابتعاد عن المحاكمة المنطقية، إذ لا يمكن التماهي مع الشخصيات وتصديق ما يحدث، وقد تتحوّل الشفقة على مصير الشخصيات إلى شعور بالحنق نتيجة الانصياع التام للعواطف والابتعاد عن المنطق، وهذا ما حاولت الصغيّر أن تبرزه، فنقيض محمد العاطفي هو أسيل العقلانية جدا، التي تفاجئ القارئ بموقفها من محمد، وتبدو كأنها استغلته لتصل إلى ما تريد، وهو الهروب من تونس بعيدا عن كل شيء.

14