رؤى الظلام والتكبيل والتكفير في فكر حزب التحرير

الاثنين 2014/10/20
تقوم أفكار حزب التحرير على أوهام الخلافة التي تتجاوز القوميات

تجذب مقولات حزب التحرير الإسلامي المتناقضة تماما مع منطق الحرية والأنظمة الإنسانية التي ابتكرها البشر للعيش وفق صيغ المشترك الإنساني أنظار الباحثين في الإسلام السياسي خاصة في الآونة الأخيرة. فهذا الحزب الذي يصنف في أقصى يمين أحزاب الإسلام السياسي، لا يعترف أساسا أن للإنسان المسلم قدرة على التحرر واختيار حكامه والمشاركة في المعارضة والاحتجاج. وهذا ما عرضه الباحث اللبناني في الجماعات الإسلامية صالح زهر الدين، والذي أضاء مستويات عديدة في طريقة فهم حزب التحرير للدولة والمجتمع والنظام، معرجا على حياة المؤسس تقي الدين النبهاني، وكيف أنه تبنى العديد من مقولاته النظرية والتطبيقية من الإخوان المسلمين في بداية القرن العشرين.

من خلال الاطلاع على المنطلقات الفكرية والسياسية لحزب التحرير الإسلامي، كما على نظريته في الحكم وعقيدته وفق ما يسمى “دولة الخلافة” التي يؤسس لها، فإن رؤية هذا الحزب للآخر الحزبي والسياسي ترتكز على “عدم الاعتراف والإقصاء التام على قاعدة التكفير”. فكل الأحزاب التي تنشط في المحيط السياسي برمتها “كافرة”.

فالأحزاب العلمانية (والتي سوف نتطرق إليها في جزء آخر) التي تسمى وطنية أو قومية هي أحزاب خارجة عن دائرة تفكير التحريريين، بمعنى أنها ذوات سياسية وفردية “كافرة” وغير معترفة بالشريعة الإلهية وبالتالي لا نقاش في محاربتها.


رؤية التحرير لباقي الإسلاميين


لا ينظر حزب التحرير إلى الحركات والأحزاب الإسلامية الأخرى على أنها موجودة كبنى سياسية تتفاعل مع المحيط الاجتماعي والبشري الذي من حولها، ولكنه يرى أفراد تلك الأحزاب ويتصل بهم على أنهم “ذوات بشرية مسلمة”.

يرتكز الخطاب السياسي لحزب التحرير على تكفير كل الأحزاب السياسية بما في ذلك الأحزاب الإسلامية

وقد اشتدت المنافسة بين التحريريين والإخوان المسلمين حول هذا المحور الفكري الذي تتأسس عليه أغلب أحزاب الإسلام السياسي، إلى درجة أن الإخوان المسلمين الناشطين في الأردن وفلسطين وسوريا يطردون أي عضو منهم له اتصال أو علاقة ما بحزب التحرير. لكن في المقابل، كان أغلب قيادات التحرير ومن بينهم المؤسس تقي الدين النبهاني معجبين بفكر الإخوان المسلمين ويستلهمون مما كتبه حسن البنا، حتى أن النبهاني ذاته أثنى على حسن البنا في إحدى لقاءاته بإخوان فلسطين ذاكرا لقاء الرجلين (النبهاني والبنا) في مصر وحواراتهما معا.

ونظرا لسطوة تقي الدين النبهاني باعتباره المؤسس والأب لحزب التحرير، فإن نظرته للإخوان المسلمين انسحبت على باقي أعضاء وقيادات الحزب في فترة بداية انتشاره في أربعينات القرن الماضي.

ويرتكز نقذ النبهاني لفكر حسن البنا (وسيد قطب بعد ذلك) إلى ما يسميه صالح زهر الدين “ضبابية عودة الإسلام إلى الحكم”. إذ يعتبر التحريريون أن مراحل وصول الإسلاميين في نظر الإخوان تعترضها صعوبات “التمكين” والمرحلية التي تأخذ وقتا عميقا في الزمن للاستيلاء على السلطة. فالأمر عند حزب التحرير يرتكز إلى “الجهاد” بطرق مختلفة للوصول إلى الحكم وهذا الأمر واضح بالنسبة لحزب التحرير، عكس الإخوان الذين يعتمدون أساليب “ملتوية وفيها الكثير من المناورة بين السياسة والعنف”.

رؤية التحرير للحرية والديمقراطية

حزب التحرير بقي يكفر من يقاوم ضد احتلال أرضه”، في الحين الذي يحمل فيه أفراد من هذا الحزب السلاح ضد المسلمين أنفسهم في أمكنة أخرى من الوطن العربي

إن من يطلع على مؤلفات قادة حزب التحرير ومنشوراته وأقلام المتعاطفين معه، يجد أن مصطلح التكفير هو الأكثر حضورا في هذه الكتابات، وقلما نجت منظمة أو جمعية أو حركة إسلامية أو حزب إسلامي من تكفير التحريريين، فضلا عن الأحزاب العلمانية الوطنية والقومية (طبعا الماركسية كافرة وتعتبر عدوا بالغ الخطورة).

وكما لم تنج كل هذه الوحدات السياسية من التكفير، فإن النظام الديمقراطي والحريات العامة والخاصة كانت محل “اشمئزاز” كل من انتمى أو تبنى أفكار حزب التحرير. فقد عمد مثلا الرئيس الثاني لحزب التحرير عبدالقديم زلوم إلى إصدار كتاب حمل عنوان “الديمقراطية نظام كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها”. وقد بدأ زلوم مقدمة كتابه بكلمة قال فيها “الديمقراطية التي سوق لها الغرب الكافر إلى بلاد المسلمين هي نظام كفر، ولا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد”.

وقد أكد عديد المفكرين في الشأن الإسلامي وجماعات الإسلام السياسي عموما، أن تكفير حزب التحرير للديمقراطية على أساس أنها “نظام غربي” يثبت الاعتقاد أن الغرب فعلا (أوروبا وأميركا) يحتكر الديمقراطية، وكأن الصورة المثلى لهذا النظام أخذت شكلها لدى الغرب فقط، وهذا أمر غير سليم، فهناك أنساق فكرية وأيديلولجية أخرى لها تصور آخر للديمقراطية أولها بعض التيارات الإسلامية الحديثة والمعتدلة والتي تؤمن قطعا بالتعددية والتداول السلمي على السلطة والمعارضة والاحتجاج والتنظم داخل برلمانات. ومن المستغرب في كل الحقب والدول التي وجد فيها حزب التحرير أن بعض فروعه تشارك في الانتخابات وتعترف بالرخص القانونية للسلطات للنشاط والتعبئة. وهذا جوهر التناقض لدى هذا الصنف من الإسلاميين.


رؤية التحرير للوطنية والقومية


من الطبيعي أن نجد بعض المنتسبين إلى فكر حزب التحرير يحملون السلاح في بقاع مختلفة من العالم وفي الوطن العربي لقتال المسلمين ذاتهم وتنصيب أنفسهم في سدة السلطة ممثلين الله على الأرض في إطار ما يسمونه “الخلافة”.

بعض المنتسبين إلى فكر حزب التحرير يحملون السلاح في بقاع مختلفة من العالم وفي الوطن العربي لقتل المسلمين ذاتهم

فمثلما كفرت قيادات التحرير وكتابه الديمقراطية والرأسمالية والشيوعية باعتبارها أنظمة مبتكرة في الغرب “الكافر”، فإن التكفير نفسه وبالدرجة نفسها ينسحب على الفكرة الوطنية والقومية العربية (أو أي فكر قومي في العالم). إذ لا بديل في نظرهم عن الخلافة الإسلامية والتي لم تتضح أساسا في كتاباتهم ولم يتمكن أي منهم تفسير كيفية الانتقال إلى عالم الخلافة الغامض.

وبناء على أن كل الوطنيين أو القوميين هم كفار لدى حزب التحرير، فإن غياب هؤلاء الإسلاميين عن الحركات الوطنية والعربية للتحرير والثورة يعتبر أمرا عاديا ومفهوما وفق مرجعية التحرير. وفي نفس السياق، يدلل الباحث في الجماعات الإسلامية سعيد حمودة على هذا الأمر بتناوله موقف حزب التحرير من القضية الفلسطينية. فقد أكد الباحث أن تعاطي التحرير مع المسألة الفلسطينية لم يتجاوز التعاطي النظري في الكتب والمقالات والتنظيرات واستقطاب القواعد، دون أي مشاركة تذكر في حركة المقاومة الشعبية أو حركات التحرر الوطنية ولم يؤسس أي جناح مسلح، “بل إن الأدهى من ذلك أن هذا الحزب بقي يكفر من يقاوم ضد احتلال أرضه”، في الحين الذي يحمل فيه أفراد من هذا الحزب السلاح ضد المسلمين أنفسهم في أمكنة أخرى من الوطن العربي. ويعود صالح زهر الدين بعد الاستشهاد بسعيد محمود إلى التأكيد على أن “الجهاد بالنسبة إلى التحريريين هو محاولة الوصول إلى السلطة بأي ثمن وليس تحقيق أهداف التحرر والتقدم والازدهار”.

13