رؤى متضاربة حول مستقبل السلطة في الجزائر

تتعامل باريس وواشنطن برؤى متضاربة حول مستقبل الوضع السياسي في الرئاسة الجزائرية، بسبب الغياب المستمر للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عن المشهد، وباكتفائه بنشاطات محدودة جدا، حيث تتوقع فرنسا استمرار الاستقرار في هرم السلطة الجزائرية، بسبب غياب الضغط الشعبي ولا تستبعد ترشح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وعلى النقيض تتوجس واشنطن خيفة من انفجار الوضع بين السرايا المتصارعة على خلافة بوتفليقة، في ظل غياب التوافق على شخصية معينة من النظام.
السبت 2017/08/05
مستقبل غامض

الجزائر - يطرح محللون ومراقبون للشأن الجزائري العديد من السيناريوهات لمستقبل رأس السلطة في البلاد في ظل الغموض التي يلف المشهد السياسي وضرورة الاستعداد للانتخابات الرئاسية المنتظرة في ربيع العام 2019. يأتي على رأس المقترحات خلافة الشقيق الأصغر والمستشار الشخصي سعيد بوتفليقة، لشقيقه في قصر المرادية، فيما تذهب تصوّرات أخرى إلى القول بترشح الرئيس المقعد لولاية خامسة. وأحدث من تحدث عن هذا السيناريو هو مجلس الشيوخ الفرنسي.

عرض على مجلس الشيوخ الفرنسي في 27 يوليو 2017، تقرير أعده السيناتور سيمون سوتور، نائب رئيس لجنة الشؤون الأوروبية في مجلس الشيوخ الفرنسي، ضمن أعمال لجنة الشؤون الأوروبية المهتمة بالشأن المتوسطي وسياسة الجوار الأوروبي.

يشير سوتور، الذي زار الجزائر من 6 إلى 9 يوليو 2017 ضمن وفد فرنسي، إلى أن احتمال ولاية خامسة للرئيس الجزائري الذي يحكم البلاد منذ سنة 1999، أمر غير مستبعد رغم الوضع الصحي السيء للرئيس البالغ من العمر 80 سنة.

ويأتي التقرير حول الوضع السياسي في الجزائر ومستقبل السلطة لدى المستعمرة القديمة، قبل عام ونصف العام من موعد الانتخابات الرئاسية، التي يشوبها الكثير من الغموض، في ظل الوضع الصحي لبوتفليقة وعدم اتضاح الرؤية حول مرشح السلطة القادم. وذكر الوفد أنه “لاحظ أنه لا يوجد في البلاد ضغط شعبي حقيقي يدفع النظام إلى التطور أو التغيير، على الرغم من التصلب البادي على السلطة”.

شبح العشرية السوداء

وصل عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة السلطة في الجزائر منتصف عام 1999، وحكم البلاد 4 فترات انتخابية، أي قرابة 18 عاما، حقق خلالها أبرز إنجاز يحفظه له الجزائريون وهو الخروج من مأزق العشرية السوداء ووضع حد لسفك الدماء على أيدي المتطرفين.

وتعرّض الرئيس الجزائري لسكتة دماغية سنة 2013 أضعفت قدرته على التحرك والحديث. وأصبح ظهوره العام نادرا، في أكثر الأوقات حرجا في تاريخ البلاد المستقلة عن فرنسا سنة 1962.

وأثرت أزمة أسعار النفط بشكل كبير على اقتصاد البلاد التي شهدت في خضم الأزمة الاقتصادية تصعيدا مذهبيا في المناطق الجنوبية وارتفاع أصوات معارضة الشارع لكثير من الممارسات السياسية وضعف الأحزاب، حتى المعارضة منها.

وأشهر الحركات التي أطلقت في ضوء الربيع العربي حركة بركات (يكفي). برزت هذه الحركة الاحتجاجية ضد ترشح بوتفليقة لولاية رابعة في انتخابات 2014. وأغلب المنتمين إلى هذه الحركة من الجيل الشاب الذي ولد بعد حرب التحرير (الثلاثينات). وقد حققت الحركة نجاحا إعلاميا على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن، وفي كل مرة تصل فيها الأزمة إلى ذروتها تطل ذكرى العشرية السوداء لتخمد أي تصعيد. ويذكر التقرير الفرنسي ذلك مشيرا إلى أن “الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يتمتَع بشرعية حقيقية اكتسبها في أعقاب العشرية السوداء”، وهي ذات الأحداث التي أوقفت مد الربيع العربي إلى الجزائر؛ فرغم الاحتجاجات والمظاهرات التي عرفتها البلاد في فترة 2011 و2012، إلا أن شبح أحداث العشرية السوداء حال دون تطور الأمر.

وتحدث سيمون سوتور في ملخص الجولة عن “التحفظ الشديد من جانب النظام بالجزائر بشأن الربيع العربي، الذي تتعامل معه السلطة على أنه رمز للخراب وانعدام الاستقرار، وتأكيده باستمرار على المخاطر المترتبة عنه، وذلك عن طريق التذكير بالحرب الأهلية التي ضربت البلاد في سنوات التسعينات من القرن الماضي وكبدت البلاد 200 ألف ضحية و20 ألف مفقود”.

ويرى مراقبون في الجزائر أن تقرير وفد مجلس الشيوخ وتثمين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعلاقات بلاده مع الجوائز في عدة مناسبات أحدثها رده على رسالة التهنئة التي وصلته من نظيره الجزائري بمناسبة العيد الوطني لفرنسا، يعززان رهان باريس على استقرار السلطة في قصر المرادي، وتواصل الشراكة المؤسسة بين بوتفليقة والرؤساء الفرنسيين منذ العام 2002.

وتكشف المواقف الفرنسية أن باريس لا تحمل توجسا من الغموض السائد في الجزائر حول المسألة، ورفض المعارضة السياسية وناشطين من المجتمع المدني لحالة الانسداد مع تداعيات الأزمة الاقتصادية.

وينتظر أن يقوم الرئيس الفرنسي بزيارة دولة إلى الجزائر لم يعلن عن توقيتها لحد الآن، لتكون بذلك الثانية من نوعها بعد تلك التي قام بها في فبراير الماضي، في ثوب المرشح للانتخابات الرئاسية، حيث التقى بعدة شخصيات سامية في الدولة ووزراء في الحكومة، وطرح لأول مرة مسألة تسوية الملف التاريخي والذاكرة المشتركة بين البلدين.

لكن، على النقيض من ذلك، ذكر خبير الشؤون السياسية والاستراتيجية إسماعيل معراف، أن تقارير أميركية حديثة عبّرت عن قلقها من الوضع الغامض في هرم السلطة الجزائرية، بسبب الغياب المستمر لبوتفليقة عن الشأن العام، وغياب توافق داخلي حول شخصية معيّنة لخلافته.

السيناريو الكوبي

قال معراف، في تصريحات لـ”العرب”، إن “تحييد الجزائر للربيع العربي، لا يعود إلى عبقرية السلطة، وإنما إلى حاجة الأطراف المحركة للانتفاضات العربية، إلى استقرار الجزائر، حفاظا على مصالح دولهم في مجالات الطاقة وتسويق منتوجاتهم، ومنع تدفق المهاجرين”.

تقارير أميركية حديثة عبّرت عن قلقها من الوضع الغامض في هرم السلطة الجزائرية، بسبب الغياب المستمر لبوتفليقة عن الشأن العام

وأضاف أن “الصراع الدائر بين السرايا حول خلافة بوتفليقة لا يخفى على مصادر القرار الأميركي ومراكزه الاستراتيجية، وهناك خشية لدى واشنطن من حدوث أي انزلاق من أجل التفرد بالسلطة لا سيما في ظل غياب التوافق الداخلي، فلحد الآن لم تحسم عائلة بوتفليقة والقبائل والشرق مسألة من يكون الخليفة في قصر المرادية”. وطرح معراف في مقاربته للوضع السيناريو الكوبي كخيار متوقع لمستقبل هرم السلطة في الجزائر، في ظل غموض المشهد السياسي واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المنتظرة في 2019، إذ ينتظر أن تجد السلطة إخراجا دراميا يكفل التمرير الشعبي والسياسي لمشروع خلافة سعيد بوتفليقة لشقيقه.

وقال إن “الحراك الدائر في هرم السلطة خلال هذه الأسابيع هو تمهيد للخروج التدريجي للشقيق الأصغر والمستشار الشخصي من ظل الكواليس وخلف الستار إلى الأضواء مقابل لعب الحكومة على أوتار حساسة لإنقاذ شعبية السلطة المتهاوية وتحضير الرأي العام المحلي والدولي لقبول المشروع بعدما تراجع عنه خلال السنوات الماضية، تحت ضغط موجة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدة دول عربية”.

وتوقع معراف خروج سعيد بوتفليقة للأضواء وفق أجندة معينة حسب ما تمليه الحسابات السياسية ونتائج جس النبض. وفي هذا الإطار، بدأ بالمشاركة الشخصية للرجل في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها عشرات المثقفين والأكاديميين والإعلاميين مع الكاتب والروائي رشيد بوجدرة عقب الإهانة التي تعرض لها في برنامج تلفزيوني ساخر، خلال شهر رمضان الماضي.

وبات خروج شقيق الرئيس بوتفليقة للأضواء لافتا للانتباه، فقد كان أبرز الوجوه في الحضور الذي رافق رئيس الحكومة السابق رضا مالك إلى مثواه الأخير بمقبرة العالية في العاصمة، وإلى جانب الأحاديث التي جمعته بكل من رئيس منتدى رؤساء المؤسسات رجل الأعمال علي حداد ورئيس النقابة المركزية عبدالمجيد سيدي سعيد، كان سعيد بوتفليقة “نجم” الجنازة، بتوزيع التحايا والابتسامات والتقاط صور السيلفي وهو ما لم يكن يتميز به الرجل المعروف بهوايته للكواليس ومناطق الظل.

وباتت جنائز الشخصيات الرسمية فضاء مفضلا لأشقاء الرئيس بوتفليقة والشخصيات الرسمية في الدولة لتمرير الرسائل السياسية التي لا تجد طريقها في القنوات الرسمية، كما هو الشأن بالنسبة للخلاف المحتدم في الآونة الأخيرة بين رئيس الوزراء عبدالمجيد تبون من جهة ورجل الأعمال علي حداد، ورئيس النقابة عبدالمجيد سيدي سعيد حول التزاوج بين المال والسياسة والفساد.

وقال إسماعيل معراف “من خلال معرفتي بالفاعلين في المشهد السياسي ورجال الخفاء يمكن القول إن الحراك الأخير أو ما يروّج له أنه خلاف بين الحكومة والبعض من رجال الأعمال ليس بصراع أو خلافات حول برامج وأفكار وتصوّرات معيّنة، بل هي مصالح ضيقة تتعرض من حين إلى آخر للمضايقة أو التهديد، مما يؤدي إلى ردود فعل تلبس ثوب الجدل السياسي والإعلامي”.

وأضاف أن “الفساد هو العنوان البارز لحكم بوتفليقة، ففي عهده تم إنفاق 1000 مليار دولار، بلا حسيب ولا رقيب، ولم ير لها جدوى أو نتائج ميدانية. وساهم غياب العقلانية والحكم الراشد في تضيع فرصة لا تتكرر على الجزائر لتتحوّل إلى قوة تنموية واقتصادية وسياسية”.

واعتبر معراف أن “السلطة تعمل على توظيف ورقة الفساد، من أجل استمالة الرأي العام تحسّبا للاستحقاقات السياسية القادمة، وتمهيد الشارع لقبول الخيارات التي تطرح له، حتى ولو كانت منافية لأصول ومبادئ الدولة الديمقراطية، فانتقال السلطة بالتوريث الذي كان خلال السنوات الماضية في حكم المستحيل، بسبب الخوف من امتداد عدوى الربيع العربي، يجري التحضير له الآن بمختلف الوسائل”.

ظهور تدريجي لسعيد بوتفليقة من الظل تمهيدا لخلافة شقيقه

نجاح لا يطمئن

تقول تقارير دولية إن السلطات تمكّنت حتى الآن من إدارة الاستياء الشعبي المتنامي بإتباع سياسة العصا والجزرة، التي حافظت على سلم هش دون أن تعالج القضايا الكامنة وراءه، قبل عملية إيجاد خليفة لرئيس البلاد. ويفسر إسماعيل معراف صمود النظام الجزائري أمام رياح التغييرات رغم حالة الانسداد التي تهيمن على البلاد بأن “عائدات النفط وظفت في شراء السلم الاجتماعي بمشروعات السكن وتشغيل الشباب والقروض الميسرة. وبإحكام القبضة على وسائل الإعلام وتكريس تعددية سياسية وإعلامية شكلية لدرجة مقايضة حكام قطر بصفقة بمليارات الدولارات في مصنع الألمنيوم بمنطقة بلارة (شرق البلاد)، مقابل ضمان سكوت قناة الجزيرة عن تناول الشأن الجزائري”.

يشوب عملية إيجاد خليفة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بدورها انعدام اليقين، وبالنظر إلى التبعات المؤلمة لتدني أسعار النفط، بات على الجزائر أن تمضي أبعد من معالجة الأعراض، وتبادر بمعالجة عيوب ونواقص الحوكمة وإشراك سكان المناطق النائية في عملية صنع القرار السياسي. وينبغي أن تتخذ هذه الخطوات في الوقت الراهن، حيث التحديات لا تزال من الممكن إدارتها بدلا من السماح لها بالتفاقم وحمل تبعاتها الخطرة إلى عملية الانتقال السياسي القادمة.

لكن تحقيق ذلك يبدو صعبا في نظر معراف في ظل استمرار ممارسات التضييق و”إقصاء وتهميش النخبة المثقفة والأكاديمية لتحييدها عن أداء دورها التنوير”.

ورسم مشهدا يائسا لدور النخبة والمجتمع المدني في إحداث التغيير المنشود بسبب ما أسماه بـ”صناعة السلطة للجمعيات الأهلية، وتحويلها إلى أذرع للدفاع عنها وتمرير رسائلها، بفضل سياسة شراء الذمم والدعم المشبوه، عكس المجتمع المدني في الدول الديمقراطية، التي تتكفل فيها الجمعيات بتمويل نفسها بنفسها، ولا تأخذ فلسا واحدا من الخزينة، من أجل الحفاظ على استقلاليتها والدفاع عن برامجها ومشاريعها”.

وقال إن “السلطة استطاعت بطريقة ذكية تحييد دور النخبة بتطبيق مختلف الآليات والوسائل، سواء بالتفكيك الداخلي للتنظيمات المهنية والنقابات المستقلة، وسياسة الاستقطاب بالإغراء أو بالإقصاء والتضييق وحتى بالتحكم في قوى المعارضة”.

كما تحدث عن أسباب أخرى لصمود الجزائر أمام رياح الربيع العربي واحتوائها السريع لحالات التململ المتجددة، مشيرا إلى أن ما يتم الترويج له أمن واستقرار البلاد ليس نتاج عبقرية السلطة، إنما “يعود لرغبة الأطراف المحركة للانتفاضات الشعبية العربية في تونس وليبيا ومصر، في الإبقاء على الجزائر مستقرة، حماية لمصالح دولها”.

وأضاف أن “المصالح الغربية ترى في الجزائر سوق استهلاك واستثمارات وطاقة وثروات وسلطة موالية لدوائر القرار في الغرب، ولذلك تم تحييد الدبلوماسي رمطان العمامرة من منصب الشؤون الخارجية في الحكومة الأخيرة، لأنه استطاع استقطاب أضواء داخلية وخارجية، ولذلك صار مزعجا لهم وتمت الإطاحة به بإيعاز من باريس”.

أحجم الجزائريون عن القيام بثورة اجتماعية واسعة بسبب تجربة عشرية العنف والدرس المستخلص مما حدث في سوريا وليبيا، لكن الوضع لم يتحسن ولم تعمل السلطة على الاستفادة من التجربة لإجراء إصلاحات تمنع بشكل قاطع وعلى المدى البعيد شبح أي فوضى يمكن أن يطل.

لذلك، ومع استمرار الاحتقان، قد يسعى جيل جديد إلى البحث عن طرق لاستعادة دولته التي يبدو حالها كحال رئيسها. لا أحد يعرف ماذا سيحدث لاحقا، ولا ماذا تشعر جماهير الشباب الجزائري العاطل عن العمل والتائه بأنها مدفوعة للقيام به لكن الأكيد أن هذا الغموض، وكما يخلص معراف في حدبثه لـ”العرب”، يجعل “العواصم الكبرى متوجسة من غموض الوضع في الجزائر، وتحدثت تقارير أميركية عن مخاوف في مرحلة ما بعد بوتفليقة، بسبب غياب البديل المتوافق عليه، والتكتلات القائمة في الظرف الراهن داخل سرايا السلطة، بين ما يعرف بجناح تلمسان (عائلة بوتفليقة) والقبائل بوسط البلاد (مسؤولون سامون ورجال أعمال) وجناح عنابة بشرق البلاد (قائد أركان الجيش الجنرال قايد صالح).

كاتب جزائري

6