رؤيا عيسى: الإرهاب الفكري أسوأ عدو للفن

الأربعاء 2014/11/05
لوحات رؤيا عيسى تراكم مبهم لتجارب مؤلمة

تونس - الفنانة التشكيلية السورية رؤيا عيسى، مبدعة تعيش خارج الديار، تعيش اليوم في ألمانيا، عيسى هربت من نظام الأسد ومن جرائمه. هي تؤمن بأن العمل الفني هو آلة خلق مقابل آلة الدمار والموت، تعمل على إيصال هذا النتاج بأرقى أشكاله وقيمه التعبيرية لعلها توصل رسالة ما إلى العالم.

في بداية حديثها لـ”العرب” تعرضت الفنانة التشكيلية السورية رؤيا عيسى إلى واقع الفن التشكيل العربي اليوم، تقول: “يعاني الفنان في الوطن العربي عموما من مشاكل عدة منها محدودية الانتشار، وصعوبة عرض أعماله والوصول إلى الصالات الفنية التي هي أصلا مرتهنة لأسماء معينة”.

هذا علاوة، على عدم وجود مؤسسات ثقافية عريقة ترعى الفنانين وتروج لمنتجهم الإبداعي، والأهم مما سبق العمل تحت ضغط ديكتاتورية السلطات التي تحدّ من الإبداع، فأسوأ عدوّ للعملية الفنية وخروجها إلى الضوء هو الإرهاب الفكري.

وتتابع عيسى قولها: “في ما يتعلق بفن الغرافيتي -والذي أنا معجبة به- فإنه يترجم الواقع بشفافية ويشير إلى الأخطاء بأسلوب صادم أحيانا، وهو تهديد للتابوهات التي قيّدت المجتمع عبر تاريخه، وهو فن متحرك يتململ دائما وينتقد، ليس حكرا على صالة عرض، ويفترض أن يكون متاحا للجميع على جدران المدينة”.

عن دور المثقف بصفة عامة في الحراك السياسي، تبيّن: “لم أدّع يوما أنني من الشريحة المثقفة، لكنني قارئة جيدة ومتذوقة للفنون عامة. إن عمل المثقف والفنان التشكيلي والمبدع هو إنتاج كلمة، لوحة، موسيقى، مقابل الرصاصة التي تحوّلت إلى برميل متفجر، وقد تفاعل جزء كبير من الفنانين والمثقفين السوريين مع الثورة فعملوا على نشرها وكتابة بياناتها، وتدوينها”.

رؤيا عيسى: النظام حول ثورة الشعب السوري السلمية إلى ثورة معسكرة

وتؤكد رؤيا عيسى أنّ ما نراه الآن من نتاج يخص الثورة، هو بناء قديم متراكم حدّ التعب ساهمت الثورة وبطريقة تفاعلية في تطويره من جهة، وفي ظهور فنانين من الشارع من جهة أخرى، استطاعوا التواصل مع المثقفين، وهذا النتاج ردم صنم الاسم والتقديس الشخصاني لمثقفين وفنانين بأعينهم، وأصبحنا نرى نوعا جديدا غير نخبوي متماه مع الشارع.

وتتابع قولها: “عانى المثقفون قبل الثورة -باستثناء مثقفي البلاط- من المنع والرقابة الصارمة على إنتاجاتهم، مع الإشارة إلى أن الهامش الذي سمحت به السلطة للتنفيس فقط. وفي الماضي دفع بعض المثقفين السوريين حيواتهم في المعتقلات لإيمانهم بقضيتهم واعتناقها بنزاهة، بينما تسلق البعض الآخر من خلال علاقته مع السلطة سلم النجاة والرفاهية”.

تعيش الفنانة التشكيلية السورية رؤيا عيسى، اليوم، خارج حدود الوطن، وتحديدا في ألمانيا، عن هذا الشعور بالبعد عن سوريا، وهل هو اختياري أم اضطراري، تقول: “البعد عن سوريا كان قسريا، فقد هربت كمعظم السوريين من الجحيم اليومي المتمثل بالموت القريب، المترافق مع إحساس مطلق بالعجز الذي حاصر الكثيرين، أمام النظام الدموي والتطرف والخوف وغياب المنطق عن كل شيء. سوريا كانت ومازالت حلبة للسوريالية”.

وتضيف قائلة: “ولأكون صريحة أعتقد أن اعترافا يتحتم أن يشاركني الإقرار به مئات الفنانين الذين غادروا سوريا بسبب المأساة اليومية، قد احتضنوا في أوروبا مما أتاح لي ولهم فرص الإبداع والعطاء والانتشار الفني”.

النظام السوري متهم اليوم بأنه المسؤول الرئيسي، فهل هو السبب الأساسي في ما آلت إليه سوريا؟ عن الأوضاع في سوريا من دمار وخراب وتقتيل، عن هذه المسألة توضّح رؤيا عيسى: “طبعا النظام السوري هو المسؤول الرئيسي عن الدمار والخراب السوري، لقد حوّل ثورة الشعب السوري السلمية والمطالبة بالكرامة والحرية إلى ثورة معسكرة تحت أنظار المجتمع الدولي”.

النظام جعل الشعب يدفع دماءه ثمنا للحرية التي حلم بها والتي أصبحت هدفا بعيدا دونه الحياة

وتضيف قولها: “هو نظام ديكتاتوري دموي ارتكب أبشع الجرائم والمجازر التي يندى لها جبين البشرية، في مواجهة الاحتجاجات الأولى منذ أشعل أطفال درعا الأبطال فتيل الاحتجاجات، وكان الحل الأمني غير الحكيم والغبي للغاية هو ما غيّر مجرى الأحداث وتسبّب في المأساة الكبرى التي ما زال يعيشها الشعب السوري”.

عمل النظام مدعوما بحلفائه الظاهرين والمستترين بشكل مستميت على تعزيز سلطته فحسب، وكما وعد منذ البداية، فلقد جعل الشعب يدفع دماءه ثمنا للحرية التي حلم بها والتي أصبحت هدفا بعيدا دونه الحياة.

وتختم رؤيا عيسى بالحديث عن تجربتها الإبداعية، فتقول: “نتاجي الفني هو تراكم لتجربتي الحياتية والمعرفية بكل بساطة، والتي هي في كثير من الأحيان تراكم مبهم ومؤلم يخرج إلى النور في شكل لوحة أو “اسكتش”، وحاليا هو منفذي الوحيد حين ينتابني الإحساس بالعجز أمام ما يجري من دمار وقسوة منقطعة النظير، يتعرض لها السوريون والعالم يشاهد ويراقب دائما”.

16