رؤية الشيخ محمد بن زايد: تعليم عصري عالمي يواكب طموح الإمارات

إنجازات هامة في رصيد الإمارات العربية المتحدة في مجال التعليم لرهان القيادة الإماراتية على قدرته في تطوير الشعوب وتحقيق نجاحات العالم المتقدم وهو ما تعيشه الإمارات اليوم التي باتت نموذجا حضاريا وفكريا واقتصاديا ناجحا يقتدى به ويؤكد تقدمها نحو المستقبل بخطى ثابتة للريادة العالمية باعتمادها التعليم وفق رؤية استراتيجية شاملة دعا إليها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان كقاعدة أساسية صلبة للمجتمع الإماراتي في مرحلة ما بعد النفط.
السبت 2017/01/14
المستقبل يمر عبر منظومة التعليم

أبوظبي – أدرك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان منذ السنة الأولى لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية التعليم كرافد رئيسي وسلاح أساسي لتحقيق تقدم الدولة الفتية وحمايتها، وأن التعليم هو اللبنة الأولى لبناء الإنسان الإماراتي والاستثمار فيه، فهناك يكمن سر قوة المجتمع.

بنيت المدارس ومراكز التعليم في مختلف مناطق دولة الإمارات، وتم استقدام المدرسين من الدول العربية مثل مصر وسوريا والأردن وبريطانيا. وخلال سنوات بنيت الجامعات والكليات المتخصصة وتطورت المدارس وتطورت معها المناهج التعليمية وتمت تنقيتها من بعض الروافد السلبية والأفكار التي لحقتها في السنوات الأولى وترسخت في أذهان البعض من خلال المعلمين.

واليوم، وبعد أن قطعت الإمارات أشواطا في مجال تطوير التعليم بمختلف مراحله وقطاعيه الخاص والعام، وأضحت الدولة مركزا هاما يستقطب الطلاب والدارسين في جامعاته الدولية، أضحى لزاما أن تُراجع بعض النقائص ومتابعة التحديات التي يمكن أن تؤثر على هذا المجال الذي تتكون فيه اللبنة الرئيسية للمواطن الإماراتي.

وتتنزل في هذا السياق رؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي كانت محور ندوة نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيّة، تحت عنوان “الشيخ محمد بن زايد والتعليم”، شارك فيها نخبة من المسؤولين والخبراء والمتخصّصين بمجال التربية والتعليم.

وأكد جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أهمية هذه الندوة التي تحمل الرؤية الثاقبة للشيخ محمد بن زايد التي تأتي لتستكمل مسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي قال “ما فائدة المال والثروة إن لن تسخر لبناء الإنسان وتعليمه”. وعملا بهذه الوصية، يؤكد الشيخ محمد بن زايد بقوله إن “رهان دولة الإمارات العربية المتحدة سيكون في السنوات المقبلة هو الاستثمار في التعليم؛ لأنه القاعدة الصلبة للانطلاق في مرحلة ما بعد النفط”.

وتعد رؤية الشيخ محمد بن زايد استثنائية للتعليم وحجر الأساس الذي قامت عليه قصة نجاح التجربة الإماراتية الحديثة، لإيمانه بأن التعليم المتطوّر المستقى من أحدث الممارسات والتجارب العالمية وأنجحها، هو بوابة العبور الآمن إلى المستقبل لا سيما في مرحلة ما بعد النفط.

من أهداف التعليم وغاياته القريبة والبعيدة في فكر ولي عهد أبوظبي أن يتحول الوطن كله إلى واحة إبداع، وأن ينتقل هذا الوطن من الاستهلاك إلى الإثراء العالمي والإسهام في التقدم البشري

رؤية شاملة

تعكس الرؤية مدى إدراكه لحاجة الإمارات العربية المتحدة في المرحلة الراهنة إلى بناء كوادر مواطنة تملك مهارات خاصة، ومتسلحة بالعلم والمعرفة، وقادرة على إرساء أسس نظام اقتصاديّ مستدام؛ ما يفسر حرصه على منح قضية التعليم بأبعادها المختلفة أهمية محورية، وإطلاقه المبادرات النوعية لتطوير التعليم، التي من شأنها دعم وصقل جهود الدولة الهادفة إلى توفير البيئة المواتية لعملية تعليميّة تأخذ بأرقى المعايير العالمية، وذلك بما يواكب “رؤية الإمارات 2021” و”خطة أبوظبي 2030”.

تناولت الندوة أربعة محاور رئيسية. واهتم المحور الأول برؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التي تحدث عنها حسين الحمادي، وزير التربية والتعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة قائلا “إن دعمنا للمسيرة التعليمية نابع من استشرافنا لمستقبل الوطن، فيها تتحقق الأهداف والأماني التي نسعى من خلالها لتحقيق المكانة العالية لوطننا العزيز وأبنائه، وإن مثل هذه الملتقيات التربوية والتي تعتبر روافد إشعاع ومنارات لأبنائها، وهو ما نقدره، بجانب الجهود الأخرى التي تبذلها الوزارة، ما هو إلا ترسيخ لقيم ومبادئ الخير للأجيال”.

وأكد وزير التربية والتعليم، أن اهتمام الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بالتعليم يعود إلى معايشته الأب والقائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والنهل من مدرسته الإنسانية التي كان لها عظيم الأثر في صقل شخصيته، وفي حرصه على تطوير منظومة التعليم في الدولة.

وأشار حسين الحمادي إلى أن رؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للتعليم تتميز بسمات عدة، فهي أولا إنسانية تنطلق من أن التعليم حق سامٍ لجميع البشر، ومن هذا المنطلق عملت دولة الإمارات العربية المتحدة على تطوير التعليم والارتقاء به.

وثانيا تتسم بمراهنته على أن التعليم يمثل الحل الأمثل لمواجهة التحديات الفكرية والثقافية والتصدي للتيارات الظلامية التي تهدد المنطقة والعالم، إذ أن الطالب المنفتح والمزود بمهارات التحليل والنقاش والنقد، لا خوف عليه من الأفكار السامّة التي تبثّها هذه التيارات. وثالثها التأكيد على أن التعليم حق للجميع، إذ تكفل دولة الإمارات العربية التعليم للجميع وتضمن جودته في جميع أنحاء الدولة، وهذا هو جوهر شعار “البيت متوحد”.

ورابعها الاستثمار في رعاية الشباب وتنمية مهارات الجيل الجديد بفكر جديد ومتطور. ويراهن المحور الخامس على أن تطوير التعليم ينهض على تهيئة المجتمع، ويواكب مسيرة التطور في مختلف القطاعات والمجالات التنموية.

ولهذا، عندما أطلق الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مشروعا ضخما يتعلق بالطاقة النووية، فإنه أعطى الأولوية لإعداد الموارد البشرية والمواطنة المؤهلة في مجالات الطاقة النظيفة. وهو ما يؤكد أن رؤية الشيخ محمد بن زايد الطموحة للتعليم تربط بين مخرجات العملية التعليمية ومتطلبات التنمية الشاملة والمستدامة، من خلال العمل على تحقيق التكامل بين المؤسسات التعليمية واقتصاد الدولة.

ويعتمد الركن السادس وفق رؤية الشيخ محمد بن زايد على تطوير التعليم الفني، والاهتمام بالمعلم بوصفه المحور الرئيسي في تطوير العملية التعليمية.

ويشمل المحور السابع الاهتمام بالأخلاق باعتبارها مكملة للعملية التعليمية، ولهذا أطلق الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مبادرة التربية الأخلاقية التي تستهدف ترسيخ القيم الإيجابية في صفوف الطلاب، وتنشئتهم على قيم الولاء والانتماء إلى الوطن.

الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: رهان دولة الإمارات العربية المتحدة سيكون في السنوات المقبلة هو الاستثمار في التعليم، لأنه القاعدة الصلبة للانطلاق في مرحلة ما بعد النفط

وتطرق علي بن راشد النعيمي مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم، في المحور الثاني للندوة إلى جهود ومبادرات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لتطوير التعليم، مشيرا إلى أن التربية والتعليم يتربعان على رأس أولويات اهتمام الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، سواء كان التعليم العام أو التعليم الخاص؛ وذلك للوصول إلى مصاف المقاييس العالمية. غير أن الشيخ يؤكد أنه في خضم هذا الإقبال على تطوير التعليم وتحديثه، تقاس ديمومة الدول بمدى محافظتها على القيم والمبادئ، وهذا ما حدا به إلى أن يوعز بإطلاق مادة “التربية الأخلاقية” في المناهج والمقررات الدراسية، حيث يؤمن بأهمية دور المعلم في تطوير منظومة التعليم، فلا يمكن لأي استراتيجية أو رؤية حول التعليم أن تحقق النجاح من دون وجود معلم متميز مدرك لأهمية دوره.

وأكد النعيمي على أن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يملك رؤية استراتيجية شاملة بعيدة المدى لتطوير التعليم وتعظيم دوره في خدمة التنمية في الإمارات، فأحياناً يطرح أفكاراً ورؤى في بعض المنتديات، إلا أنها تعبر عن استراتيجيات بعيدة المدى، فحينما طرح قبل سنوات موضوع الطاقة النووية، وأهمية تدشين مشروع نووي سلمي للمساهمة في توفير احتياجات الإمارات من الطاقة على المدى البعيد، سارت العديد من دول المنطقة على هذا النهج بعد ذلك، وبدأت بالاهتمام بالطاقة النووية، وأضحى المثال الإماراتي تجربة يقتدي بها الجميع.

الابتكار ومستقبل التعليم

نوه النعيمي إلى أن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هو صاحب الكلمة التي أضحت شعارا لمجلس أبوظبي للتعليم، وهي “التعليم أولاً”، حيث يشدد دائماً على ضرورة تنمية الموارد البشرية من خلال التعليم المتطور والهادف.

وأسس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الحاضنة التي ينطلق منها التعليم وتطوير الموارد البشرية، وفقاً للمعايير والمستويات العالمية، لإدراكه مدى أهمية الاستفادة من تجارب الآخرين من أجل تطوير الأنظمة التعليمية،ومثال ذلك افتتاح فرع لكل من جامعة السوربون وجامعة نيويورك في أبو ظبي لإيمانه بأن الحراك الثقافي والإنساني يؤثر استراتيجياً في مجتمعنا على المدى البعيد.

تناول المحور الثالث من الندوة موضوع “الابتكار ومستقبل التعليم”، حيث ركز عبداللطيف الشامسي، مدير مجتمع كليات التقنية العليا، على رؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للتعليم ودوره في تطوير الموارد البشرية، التي أفصح عنها في كلمته التي ألقاها أمام القمة الحكومية 2015.

وقال الشامسي “إن كليات التقنية العليا تفاعلت بشكل وثيق مع توجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حيث أطلقت النسخة الثانية من كليات التقنية كنوع من التطوير الجذري في هذه المؤسسة التعليمية”.

وختم عبداللطيف الشامسي حديثه بالقول إنه “إذا استطعنا الابتكار في المنظومة التعليمية، وخلق منظومة حديثة تواكب آليات العصر التقني، فإننا سنحتفل بالفعل عند تصدير آخر برميل بعد 50 عاماً، كما قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة”.

وأوضح في المحور نفسه عارف سلطان الحمادي، مدير جامعة خليفة، أن الإمارات عملت وفق رؤية ولي عهد أبوظبي على استقطاب الجامعات العالمية.

وأشار إلى حرصه على رفع أعداد الطلبة الملتحقين ببرامج الدراسات العليا في المعهد البترولي وجامعة خليفة ومعهد مصدر، ومن هنا كانت مبادرة “بحوث” التي تضمنت برامج الماجستير والدكتوراه، حيث وصل عدد الملتحقين بالبرنامجين إلى 999 طالباً وطالبة، كما نوه بجائزة الشيخ محمد بن زايد للروبوت، كجائزة عالمية مرموقة تشهد مشاركات عالمية طموحة.

ولفت مدير عام مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني إلى جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في دعم وتطوير التعليم لوضعه خطة طريق واضحة المعالم ليس فقط للتعليم، ولكن تشمل جميع مؤسسات الدولة؛ وكان دائماً يقول للطلاب والطالبات عند لقائهم “الرهان عليكم أنتم”.

وأوضح أن التعليم الفني والتقني في الدولة بدأ في السبعينات من القرن الماضي، وقد مر بمراحل عدة، لكن نقطة التحول كانت في عام 2005 بقرار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بإنشاء معهد التكنولوجيا التطبيقية، وجاء التغيير الجذري مع إنشاء معهد أبوظبي للتعليم والتدريب المهني في عام 2007، حيث أتاح فرصة التعليم لجميع أبناء وبنات الدولة.

كما لفت مبارك الشامسي إلى اهتمام ولي عهد أبوظبي المباشر بتوظيف المزيد من الإماراتيات المتخصصات في مجالات الرعاية الصحية، وذلك بفعل توجيهاته حيث وظفت قرابة ألف متخصصة في هذا المجال.

الابتكار في المنظومة التعليمية

التعليم وتطور المجتمع

تناول المحور الرابع “التعليم وتطور المجتمع والدولة في فكر الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”، فتحدث فيه فاروق حمادة مدير جامعة محمد الخامس – أبوظبي، والمستشار الديني في ديوان ولي عهد أبوظبي، حيث أشار إلى أن فكر الشيخ محمد بن زايد، في التعليم ورؤيته له يقومان على سبعة أسس، أولها ارتباطه بالمجتمع وتطوره، وثانيها التكامل والتوازن، وذلك بتوزيع التعليم والاختصاصات بدءاً من الدراسات النظرية والإنسانية، ثم الدراسات الاجتماعية والقانونية، ثم الدراسات العملية والتطبيقية كالطب والصيدلة والزراعة وغيرها، فمعاهد المعرفة في حلقاتها المتتابعة متكاملة متوازنة لاجتناب الأخطاء التي وقعت فيها بعض البلدان أو يمكن أن تقع فيها. ويقوم الأساس الثالث على تقوية البناء الاجتماعي، فالتعليم يجب أن يلبي حاجات المجتمع والوطن وتطلعاته ويغطي حاجة سوق العمل في الدولة، فضلاً عن الحفاظ على الهوية الوطنية.

ويشمل رابعها خلاصة الخبرة الإنسانية واختصار الزمن، فلم يبخل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بحجم الثمن المكلف ليأخذ الوطن خلاصة الخبرة الإنسانية، ويختصر الزمن، وفي ذلك توفير لطاقات الأجيال الشابة واختصار للجهد وتوفير للمال على المدى البعيد. وكان ذلك في استقدام جامعات عريقة لتقدم تجربتها التي بنتها بعقود من السنين بل بقرون، في الإمارات وإرسال البعثات التعليمية إلى مراكز منتقاة، محفوفين بعناية خاصة لأخذ تجارب الشعوب المختلفة في ميدان التعليم، وعند تلاقيهم على أرض الوطن، ستنشأ عقلية وطنية بنظرة عالمية جديدة.

أما خامسها فيرتكز أساسا على أن التعليم يمثل القيم والأخلاق، وسادسها الإبداع وإنتاج المعرفة، فمن أهداف التعليم وغاياته القريبة والبعيدة في فكر ولي عهد أبوظبي أن يتحول الوطن كله إلى واحة إبداع تتخطى وادي السيليكون في كاليفورنيا، وأن ينتقل هذا الوطن من الاستهلاك إلى الإثراء العالمي والإسهام في التقدم البشري. ويهتم محورها السابع بأن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يرى حاضر الإمارات في مرحلة متطورة سائرة إلى المستقبل، والتعليم هو الذي يصنع هذا المستقبل، ورهانه الحقيقي هو الاستثمار في التعليم ومخرجاته لإنتاج كوادر بشرية قادرة على قيادة المستقبل متمكنة منه وراسخة في قيادتها، والتي تستطيع توفير نظام تعليميّ رفيع المستوى يربط الطالب بمجتمع المعرفة، ويبني في الوقت ذاته قاعدة من الكوادر المواطنة المتخصصة المبتكرة في المجالات النوعية الدقيقة، والقادرة على التعامل مع التطوّرات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم في مجال التكنولوجيا وثورة المعلومات، وتطويعها لخدمة اقتصاد المعرفة.

6