رؤية المستحيل؟

الحقيقة أننا، نحن العرب، رأينا الأخضر واليابس والحامض والحلو، وكافة الاحتمالات، لكننا لم نجرّب المستحيل بعد. ترى ما هو طعم المستحيل؟ وكيف سيكون شكله؟ وما هو ملمسه؟
الجمعة 2021/06/25
هل بدأنا نرى المستحيل؟

لا يمرّ يوم من دون أن تتقدّم لغة أولئك المهتمين بالشأن العلمي، كالفيزياء والرياضيات والكيمياء والهندسة وغيرها، خطوات وخطوات على لغة أهل الأدب والثقافة والصحافة وما شابهها.

مناسبة هذا الكلام خبرٌ جديد عن مجاهر طوّرها العلماء لتُمكّنهم من رؤية أشياء غاية في الصغر، لكن عنوان الخبر كان “مجهر يمكنه رؤية المستحيل”.

وتقول التفاصيل إن أفضل المجاهر الضوئية كانت قد اصطدمت بكون أشعة الليزر المستخدمة لرؤية الأنظمة البيولوجية الهشة، يمكن أن تُدمّرها أثناء محاولة النظر فيها، فهي لن تتحمّل الكثير من الوقت خلال التعرّض لتلك الأشعة.

الجديد أن فريقًا من الباحثين الألمان والأستراليين أكد عبر بحث نشره في مجلة “نيتشر” الشهيرة خلال النصف الأول من يونيو الجاري، أنه ابتكر مجهرًا كمّيًا يمكّنه من مراقبة الهياكل البيولوجية التي كان من “المستحيل” رؤيتها من قبل.

إذًا بدأنا نرى المستحيل؟

الحقيقة أننا، نحن العرب، رأينا الأخضر واليابس والحامض والحلو، وكافة الاحتمالات، لكننا لم نجرّب المستحيل بعد. ترى ما هو طعم المستحيل؟ وكيف سيكون شكله؟ وما هو ملمسه؟

لكن ما المشكلة؟ ما دامت هناك موجودات لم نكن نقدر على رؤيتها من قبل، وها نحن نراها. هذا يعني أنه ما زالت بانتظارنا مفاجآت.

باختصار، إذا كان المستحيل يعني “كلّ ما يرفضه العقل” فهذا لا يثبت أن المستحيل ليس موجودًا، فقد تكون المشكلة في العقل الذي يرفض، لا في المستحيل ذاته.

يقولون لك إن هناك نوعيْن من المستحيلات؛ مستحيل “عادي”، ومستحيل “عقلي”. ولكن لماذا سمّوا الصنف الأول عاديًّا؟ برّروا ذلك بأن هذا النوع يمكن أن يتحقق! ولكن لماذا أسموه مستحيلاً إذًا؟ أم هو مجرّد تعجيز وتثبيط لعقول الناس؟

مربط الفرس يا عزيزي في الصنف الثاني، فقد قال عنه المفكّرون ورجال الدين وأهل السلطات كلها إنه المستحيل القائم على التناقض، الذي لا تفكّر حتى مجرّد التفكير بأنه يمكن أن يتحقق. ولعل اللعبة هنا، فالمستحيل الذي لم يمكّنونا من رؤيته في الماضي إنما هو هذا؛ أن لا يسمح لك أحدٌ باللحاق بمعادلات التناقض إلى آخرها، والتناقض هو سيّد التحوّلات ومفترق طرقها وركيزتها الأولى. أن تتناقض أي أن ترفض وتعلن تمرّدك على واقعك وجهلك وتعاستك وكآبتك ويأسك.

والممتع والمنعش دومًا هو أن نتذكر أن كل ما نعيشه الآن من رفاهية كان قبل قليل فقط من سابع المستحيلات، لا طيران ولا اتصالات ولا نقل صورة عبر الأسلاك وبلا أسلاك ولا طب ولا أدوية ولا غيرها، ولا داعي لتعداد ما قدّمته لك الحضارة، فقط لتعلم أنك يمكن أن ترى ذات يوم ذلك المستحيل الذي يسكن رأسك.

24