رؤية للوضع السوري في ضوء الاتفاق النووي مع إيران

الثلاثاء 2013/11/26

منذ زمن بعيد حذرت من خطر توافق إيراني- غربي حول الملف النووي الإيراني، تستخدم فيه الثورة السورية كورقة للمساومة، ويبدو أن ما كنت أخشاه بالأمس أصبح واقعا اليوم.

فقد تم توقيع اتفاق مع إيران بشان ملفها النووي، يرجح أن تكون الدول الغربية- التي تدعي صداقة الشعب السوري- قد ضحت فيه بالثورة السورية على مذبح هذه التسوية، وقدمت الملف السوري لإيران ثمنا لتنازلها عن برنامجها النووي، ما يعني احتمال بقاء نظام الأسد في الحكم بشكل أو بآخر، وبذلك تكون الدول الغربية قد تراجعت عن مواقفها السياسية المعلنة بدعم المعارضة السورية ممثلة في الائتلاف الوطني والحكومة المنبثقــة عنه.

بالطبع هناك من سيقول بأن هذا الاتفاق ربما يكون صفقة تتضمن تخلي إيران عن دعمها لبشار الأسد شخصيا، وبالتالي فتح الباب أمام حل سياسي في جنيف2 يؤدي إلى إنهاء دور الأسد، لكنني أرى أن هذا الاحتمال ضعيف جدا بسبب موازين القوى على الساحة السورية الذي ينحاز إلى جانب قوى النظام وحلفائه، وفي هذا المجال فإن تخاذل الإدارة الأميركية عن دعم المعارضة الديمقراطية السورية والجيش الحر، واكتفائها بالنصر الدبلوماسي الذي حققته بانتزاع ما يسمى «بالسلاح الكيميائي للنظام» لا يوحي بأن التخلي عن الأسد وارد بهذه الطريقة، وإنما يؤكد في تقديري- احتمال أن يكون هذا الاتفاق صفقة على ظهر الشعب السوري وثورته بشكل أو بآخر.

إننا مع حق كل الدول في استخدام كل أنواع الطاقة- بما في ذلك الطاقة النووية- للأغراض السلمية وبما يحقق لشعوبها التطور والازدهار، شريطة احترام البيئة، ومعايير الأمن والسلامة، وعدم تهديد أمن وسلامة دول الجوار.

لذلك يقتضي الأمر وضع السلاح النووي الإسرائيلي في بؤرة الاهتمام، للتخلص منه باعتباره أكبر وأخطر سلاح دمار شامل في المنطقة، وبدون تحقيق ذلك لن يكون هناك حل دائم لقضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة ذات سيادة وتملك مقومات الحياة، كما أقر بذلك المجتمع الدولي.

إن الرد الأمثل على هذا الاتفاق، مهما كانت ملحقاته السرية، والضامن الأهم والأقوى لاستمرار الثورة ووصولها لأهدافها ولو بالحد الأدنى الذي لا يقل عن رحيل النظام وعلى رأسه المجموعة الأسدية، وكل من شارك في أعمال القتل، وفي ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وفي النهب المنظم لثروات سوريا وشعبها، وضمان نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان والمواطن بغض النظر عن القومية، والمذهب، والجنس، والانتماء السياسي.

الضامن إذن لاستمرار الثورة هو تغيير موازين القوى على الأرض لصالح الثوار، وهذا يتطلب توحيد القوى الوطنية للثورة وفصائل الجيش الوطني الحر، بحيث تصبح يدا واحدة وقلبا واحدا، وأن تقوم الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول الخليج بالاعتراف رسميا بالحكومة المؤقتة لسوريا الحرة (خاصة وأن هذا الاعتراف قد تم ضمنيا حتى من قبل بعض الدول الغربية التي رحبت بتشكيل الحكومة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا) ودعم الجيش الحر بقوة وتوحيده وتنظيمه على وجه السرعة.

إن معركة الشعب السوري من أجل كرامته وحريته هي معركة كل الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، من أجل ضمان وجودها واستقرارها، والهدف من تحالف الدول العربية مع قوى الثورة السورية ليس الحرب مع إيران، إنما هو فرض سلام حقيقي عادل في المنطقة، مبني على الاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحقوقها بالكرامة والحرية، وبناء النظم الديمقراطية المتناسبة مع مصالحها ورؤيتها، وحقوق كل دول المنطقة في العيش بسلام وأمان وبناء مجتمعات متطورة ومزدهرة، وهذا من صلب تعايش الحضارات الذي نصبو إليه.

أجل، إن معركتنا مع هذا النظام، الذي تخلى عن كل مقومات السيادة الوطنية، هي معركة كل الدول العربية وكل الأحرار في المنطقة والعالم. وآمل أن يقتنع الإخوة الخليجيون بذلك ويقوموا باتخاذ وتنفيذ ما يلزم من إجراءات لدعم «جبهة الثورة السورية»، خط دفاعهم الأهم.


أستاذ العلوم الفيزيائية في جامعة باريس. ووزير الطاقة في الحكومة السورية المؤقتة.

9