رؤية مغربية لأزمة الهجرة: التعاون الأفريقي دون انتظار الحلول من الخارج

الثلاثاء 2018/01/23
المغرب من معبر للحراقة إلى نموذج في سياسة الهجرة

الرباط- سجّل المغرب منذ سنوات عودته الفعلية إلى القارة الأفريقية. تجسّدت هذه العودة في جولات متعدّدة قام بها العاهل المغربي الملك محمّد السادس إلى أغلب بلدان القارة.

أسفرت هذه الجولات على توقيع العديد من الاتفاقيات في مختلف المجالات. كما كانت فرصة اطلع من خلالها الملك محمد السادس بعمق على سياسات هذه الدول وتوجهاتها وتم تبادل وجهات النظر في مختلف القضايا والملفات.

توجت هذه السياسة المغربية الأفريقية بعودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، كما أعطت فرصة لتقديم نظرة جديدة عن أفريقيا ضمن مهمة اضطلع بها المغرب وتجلت في أحدث مبادراتها في خطة العمل الأفريقية التي تقدمت بها الرباط لتجاوز مشاكل الهجرة.

في خضم جدل الدول الأوروبية حول أزمة المهاجرين غير الشرعيين، تقدم المغرب بمقترح لاقى صدى إيجابيا لكون مصدره حلقة وصل بين الطرف الأوروبي والطرف الأفريقي ودولة عبور ومصدر في نفس الوقت للمهاجرين، وسط دعوات من الخبراء إلى التمعّن في المقاربة المغربية في التعامل مع هذه القضية التي نجحت إلى حد في أن تكون نموذجا يمكن الاقتداء به، خصوصا أن المغرب تحول خلال السنوات الأخيرة من بلد عبور إلى بلد استقبال واستيعاب للمهاجرين.

انطلقت إعدادات المغرب لـ”خطة عمل أفريقية بشأن الهجرة” خلال القمة الـ28 للاتحاد الأفريقي، في يناير 2017، عندما أعطى الملك محمد السادس موافقته، بطلب من رئيس جمهورية غينيا ألفا كوندي، لتنسيق عمل الاتحاد الأفريقي في مجال الهجرة.

رؤية المغرب تستمد قوتها وواقعيتها من أنها تبحث عن حلول لقضايا الهجرة في إطار استراتيجية التعاون جنوب-جنوب

وفي يوليو 2017، وضع المغرب اللبنات الأولى لأجندة أفريقية حول الهجرة، بتقديم مذكرة أولية تحدد “رؤية لأجندة أفريقية حول الهجرة” أمام القمة الـ29 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي. وقال المسؤولون والخبراء حينها إن المغرب يمتلك مقومات النجاح في وضع خطة “متقدمة” لمعالجة مشكلة الهجرة في القارة، واعتمد هذا التقييم أساسا على تصريحات العاهل المغربي التي كشفت عن اطلاع عميق على مجريات هذا الملف وحيثياته.

في نوفمبر 2017، قال العاهل المغربي خلال القمة الأفريقية الأوروبية الخامسة في العاصمة الإيفوارية أبيدجان، “في ظل تسارع حركة الهجرة بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت هذه الخطة تفرض نفسها بإلحاح شديد، وتقتضي تفعيلها على أربعة أصعدة: وطنيا وإقليميا وقاريا ودوليا”.

وأضاف وقتها “الهجرة الأفريقية لا تتم بين القارات، في غالب الأحيان. فهي تقوم قبل كل شيء داخل البلدان الأفريقية؛ إذ أنه من أصل 5 أفارقة مهاجرين، 4 منهم يبقون في أفريقيا”. وقال إن “الهجرة غير الشرعية لا تشكل النسبة الكبرى؛ فهي تمثل 20 بالمئة فقط من الحجم الإجمالي للهجرة الدولية”.

وانعقد في الرباط، يوم 9 يناير 2018، المؤتمر الوزاري للنظر في صياغة خطة أفريقية حول الهجرة، بحضور عشرين وزيرا ومسؤولا حكوميا أفريقيا، من ضمنهم وزراء خارجية، وكذلك ممثلو منظمات أفريقية ودولية.

وبحسب ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، تهدف “الأجندة الأفريقية حول الهجرة إلى جعل قضية الهجرة رافعة للتنمية المشتركة وركيزة للتعاون جنوب- جنوب (بين الدول الأفريقية) وعاملا للتضامن”. وأوضح بوريطة أن “عدد المهاجرين الأفارقة في العالم يبلغ 36 مليون مهاجر، من إجمالي عدد المهاجرين الذي يبلغ 258 مليونا، أي أن نسبة المهاجرين الأفارقة تمثل 14 في المئة على المستوى الدولي”.

ويقدم المغرب هذه الخطة، خلال الدورة العادية الـ30 للاتحاد الأفريقي، من 22 إلى 29 يناير 2018، بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا. كما تتوجه الأنظار نحو المغرب، بعد أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قرارا يقضي باختياره لاحتضان المؤتمر الدولي للهجرة لسنة 2018.

وسيكون المؤتمر، الذي من المقرر أن يقام يومي 10 و11 ديسمبر وسيتم خلاله اعتماد الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة، مكملا لأشغال المنتدى العالمي حول الهجرة والتنمية، الذي يتولى المغرب وألمانيا رئاسته المشتركة، والذي ستنعقد قمته الـ11 في مراكش (وسط)، في الفترة من 5 إلى 7 ديسمبر 2018.

وتشمل الأجندة الأفريقية ثلاثة محاور، يتعلق الأول بجعل الهجرة بأفريقيا اختيارا وفرصة وليس ضرورة، فيما يتعلق المحور الثاني بـ”تجاوز الصورة النمطية حيال المهاجرين بالقارة”، ويجري في الثالث “إعداد مخطط شامل يحترم حقوق المهاجرين، مع التنسيق الإقليمي والدولي”.

في خضم جدل الدول الأوروبية حول أزمة المهاجرين غير الشرعيين، تقدم المغرب بمقترح لاقى صدى إيجابيا لكون مصدره حلقة وصل بين الطرف الأوروبي والطرف الأفريقي ودولة عبور ومصدر في نفس الوقت للمهاجرين

ويستطيع المغرب حسب الخبيرين سعيد الصديقي وتاج الدين الحسيني أن يبرهن على أنه يمتلك مقومات النجاح في وضع خطة “متقدمة” لمعالجة مشكلة الهجرة في القارة، خصوصا أنه تحول خلال السنوات الأخيرة من بلد عبور إلى بلد استقبال واستيعاب للمهاجرين.

ويعتبر الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي (خاصة)، أن اقتراح المغرب “خطة أفريقية للهجرة” يأتي من إيمانه بأن “إيجاد حلول ملائمة للهجرة ليس مسؤولية الدول الأوروبية وحدها وإنما مسؤولية الدول الأفريقية بالدرجة الأولى”.

وتستمد رؤية المغرب قوتها وواقعيتها من أنها تبحث عن حلول لقضايا الهجرة في إطار استراتيجية التعاون جنوب-جنوب، وهي استراتجية طويلة المدى تهتم بمعالجة أزمة الهجرة لكن في إطار دعم الاقتصاد والاستثمار والنهوض بالمجتمعات الأفريقية.

ويلفت الصديقي إلى أن “المغرب سيضع تجربته في المجال أمام بلدان القارة، خاصة أنه كان بلدا مُصَدرا للهجرة وتحول منذ مدة إلى بلد للعبور ثم أصبح اليوم بلدا للاستقبال”.

لكن الخبير المغربي يشدد على أن “المغرب ليس بمقدوره وحده إيجاد حلول ناجعة للمهاجرين الذين يتدفقون عليه من القارة الأفريقية، رغم أنه قام بمبادرات كثيرة لتسوية وضعية الآلاف من المهاجرين”، لذلك يقرّ المغرب بأهمية التعاون مع دول المصدر لإيجاد حلول تنموية تجعل المهاجرين لا يفكرون في مغادرة بلدانهم.

ويتوقع تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس (حكومية) بالعاصمة الرباط، أن تكون للخطة المغربية “عدة مزايا إيجابية تتعلق أساسا بالتخفيف من الضغط على البلدان التي يقع عليها الإقبال بقوة، وإحراج الدول التي ترفض استقبال اللاجئين”.

ويؤكد الحسيني أن “بلاده التي أصبحت نموذجا يحتذى به في تدبير مشكلة الهجرة وينظر إليها بإعجاب في أفريقيا وأوروبا، ستضع تجربتها كاملة أمام أفريقيا”، مشيرا إلى أن “من عناصر قوة المغرب في تدبير مشكلة الهجرة، أنه أخضع الاستقرار على أراضيه لمعايير متقدمة جدا، تمثلت في تسوية الوضعية الإدارية لعدد من المهاجرين والسماح لهم بممارسة أعمال في القطاعات الإنتاجية”.

6