رؤية من أجل سلم عالمي

لم يعد من الممكن رفع أي لواء ديني أو أيديولوجي أو عنصري في مواجهة حالة الاحتراب الداخلي في العالم التي أطلق زنادها المتطرفون الذين يتحججون بمبادئ الدين.
الاثنين 2018/12/10
المنتدى رسالة ذات اتجاهات متعددة

لطالما تغنى فريق من المسلمين في العصر الحديث، ممن راجت “مقالاتهم” ـ بتعبير أبي الحسن الأشعري ـ سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات، بالتعارض الصارخ ما بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، وسعوا إلى إحداث ثقوب في سفينة العالم بدعوى أن تلك المواثيق كلها مأخوذة من شريعة هي شريعة الكفر، وسدوا أي منفذ للاتصال مع الآخرين أيا ما كانت أديانهم أو ثقافاتهم، لأن التباعد من الحجم الذي تستحيل معه المحاورة.

هذا الفريق، الذي يطلق عليه فريق الإسلاميين، لم يكن ينطلق من فهم واسع وإنساني للشريعة، ولكنه كان يمتح من تقاليد ذات جذور تعود إلى ما قبل الرسالة الدينية للإسلام، أو ربما عادت إلى أعراف الجاهلية الأولى والصراع القبلي. وقد قسم هذا الفريق العالم إلى قبائل متناحرة، لا قبائل متعارفة، وجعل الخصومة شرطا في الوجود في العالم. لا، بل إنه استعار عن لاوعي ذلك التفسير المتوحش للداروينية الذي يعلي من شأن الصراع الأبدي ويجعل الحياة من نصيب الأقوى.

تلك الثقافة أحدثت صدعا في جدار الفهم السوي لرسالة الدين، وهي ذاتها التي التأم من أجلها المئات من العلماء والمفكرين والمثقفين من شتى أصقاع الدنيا طيلة أيام ثلاثة في إمارة أبوظبي الأسبوع الماضي، في إطار الملتقى الخامس لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، تحت عنوان جامع هو “حلف الفضول فرصة للسلام العالمي”. فاليوم لم يعد من الممكن رفع أي لواء ديني أو أيديولوجي أو عنصري في مواجهة حالة الاحتراب الداخلي في العالم التي أطلق زنادها المتطرفون الذين يتحججون بمبادئ الدين، ويريدون جر الجميع إلى محرقة جماعية، بل صار من الضروري التفكير خارج كل سقف إلا سقف الإنسانية، وكأن الواجب الراهن هو بقاء الجنس البشري.

يستخدم الشيخ عبدالله بن بية، رئيس المنتدى ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، عبارة لطيفة في حديثه عن الأزمات التي تمر بها الإنسانية اليوم، وواجب العالم الإسلامي ـ مصدر هؤلاء المتنطعين في الدين ـ تجاه خدمة السلام الكوني، وهي عبارة الرجل الإطفائي، إذ يرى أن واجبه هو العمل أولا على إطفاء الحريق دون أي تفكير في الألوان الدينية أو الثقافية أو غيرها، لأن القضية الملحة هي الحفاظ على تناسق العالم في وجه دعاة التخريب والفوضى، وإنقاذ المعنى من الضياع في غابة التأويل. فالإطفائي لا يهتم بمن يقوم بإنقاذه في حالة الحرائق، لأن مهمته الرئيسية هي الإنقاذ لا وضع الناس في خانات.

وتلك استعارة جميلة لوظيفة العلماء والمفكرين اليوم، كيفما كانت منطلقاتهم الدينية أو الثقافية، انطلاقا من مسؤولياتهم الفردية على توفير السبل الكفيلة بتخليص الجماعة من التطاحن وإراقة الدماء، والبحث عن المشترك الذي يضمن تعايشا أفضل ضدا على أولئك الذين يريدون استدراج الشعوب إلى معارك حربية لهدف واحد فقط، هو أن يعيش بعضها على حساب البعض الآخر. فما من دين جاء لهذه الغاية المنافية للحضارة بل للدين ذاته، وما من نبي من الأنبياء كانت رسالته تدمير جنس من الأجناس.

لقد أراد المنتدى، في دورته الخامسة، أن يجعل حلف الفضول الشهير في الجاهلية، الذي أقيم بين قبائل الجزيرة العربية لمكافحة الظلم وضمان التساكن الأهلي، خلفية فكرية وسياسية وأرضية تسع الجميع. وفي ذلك رسالة ذات اتجاهات متعددة، فكما أنها رسالة موجهة إلى المسلمين لكي يتخذوا من القيم الإنسانية في الإسلام منطلقا في التعامل مع الآخر، هي أيضا رسالة إلى أتباع مختلف الديانات والحضارات، بأن يتخلوا عن خلفياتهم ومواقفهم المسبقة تجاه الآخرين.

وقد لقيت تلك الدعوة ترحيبا من لدن جميع الذين شاركوا في الملتقى من الديانات الإبراهيمية الثلاث وغيرها، ووجدوها مناسبة لإعادة التأكيد على مشروعية الأحلاف والمعاهدات في الإسلام، وإلزاميتها ومقاصدها، والحاجة الماسة إلى ترسيخها وحمايتها، كما نص على ذلك البيان الختامي، وذلك في أفق إقامة حلف فضول جديد، ينطلق من الفلسفة ذاتها التي نهض عليها الحلف الأول القديم قبل قرون متطاولة، ويأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر الراهن وطبيعة الفاعلين المتغيرين فيه.

13