رئاسة ترامب تسقط في فخ صدام الحضارات

السبت 2016/12/03
توظيف الإسلاموفوبيا في الخطابات الشعبوية

واشنطن - يترقب الرأي العام العالمي والعربي بصفة خاصة رؤية الرئيس الأميركي الجديد المنتخب دونالد ترامب لقضايا الشرق الأوسط ومدى تجسيد وعوده الانتخابية تجاه هذه المنطقة أمام مخاوف من تفعيلها على أرض الواقع، غير أن متابعين يفندون هذه الفرضية ويتوقعون أن تواصل الإدارة الأميركية الجديدة نهج الإدارات السابقة.

ويشكل التاريخ الحديث للولايات المتحدة آلة زمنية رسمتها أشهر ما بعد 11/9 عندما تدلى الإرهاب في الهواء، وكان الخوف واضحا، وبدأ يتفشى الرعب من الإسلام وظهور ما سمي “الإسلاموفوبيا”.

وركزت الأجندة الانتخابية لدونالد ترامب على حماية الأمن القومي الأميركي من المهاجرين والمسلمين كما دعت إلى محاربة الإرهاب بتقليص عدد المهاجرين ورفض وجودهم في الولايات المتحدة، حيث ساهمت الأحداث الإرهابية التي شهدها الغرب في نفاذ وتعزيز الأفكار الشعبوية لدى الرأي العام الغربي ومكنت رجل أعمال لا يملك خبرة سياسية من قيادة أكبر دولة إقليمية في العالم. ويقول مرشح الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب لتسيير وكالة الاستخبارات المركزية بمايك بومبيو إن المعركة “تتجاوز أولئك (المسلمين) الذين يتورطون فقط في التطرف العنيف”.

في حين أن مايكل فلين الذي تم تعيينه حديثا مستشارا للأمن القومي، غرّد في السابق قائلا “إن الخوف من المسلمين أمر عقلاني”.

ويقول واضع الإستراتيجية السياسية لترامب، ستيف بانون، “نحن في أزمة تعزيز الرأسمالية وفي بداية الحرب العالمية ضد الفاشية الإسلامية”.

وفي رأيه، من المفروض أنه بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الرأسمالية “في عنفوانها ونشرت فوائدها على أغلب الناس، تقريبا كل أولئك الرأسماليين كانوا مؤمنين إيمانا قويا باليهودية والمسيحية الغربية. وكانوا إما مؤمنين نشطين بالعقيدة اليهودية وإما مؤمنين نشطين بالعقيدة المسيحية”.

ويبدو أن الرئيس المنتخب نفسه يعتقد أن المسلمين مذنبين من خلال تعاطفهم مع الراديكالية حتى يثبتوا براءتهم من ذلك، ويبدو أنه مصمم على إضفاء المزيد من العدوانية على سياسته الخارجية مقارنة بالرئيس الأميركي باراك أوباما، بما أنه منح بعض المناصب الهامة إلى المحاربين، حيث لن يحدث البتة أن يصدق بعض الناس في أوروبا المسيحية أن الشرطة السرية الروسية قامت بتلفيق بروتوكولات صهيون قبل عام 1914، لتشجيع كل المذابح المنتشرة على نطاق واسع وتشجيع أدولف هتلر والجستابو الألماني، ناهيك عن الكشف عن حلفائهم المنتشرين في بولندا والمجر وفرنسا، “الابنة البِكر الخائنة للكنيسة”، التي قتلت الملايين من اليهود.

قتلت أوروبا المسيحية الكثير من اليهود، بكثير من الوحشية والسادية خلال العقود القليلة الماضية من القرن العشرين مقارنة بما فعله المسلمون على مدى أكثر من ألف سنة.

وكان تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين واليهود متقلبا، ولكن يتحدث السلوك السابق عن تسامح كبير أكثر من حديثه عن حقول القتل العمياء في أوروبا القرن العشرين. من المستحيل أن نتخيل هتلر، وموسوليني، وفرانسيسكو فرانكو أو زعيم حكومة فيشي الفرنسية، فيليب بيتان، يستخدمون عبارة أوروبا اليهودية-المسيحية، التي تمت صياغتها بعد عام 1945.

ولا يُظهر الرئيس الأميركي المنتخب أي وعي في الحديث عن الأمور المصيرية، حتى الآن، وما إذا كان يفضل زيادة التعاون مع روسيا، وهذا سوف يعزز مكانة الرئيس السوري، بشار الأسد، وحليفته الرئيسية، إيران، التي يدعي العديد من الذين عيّنهم ترامب في المناصب أنهم يسعون إلى إضعافها.

ولا تحبذ دول الخليج الاتفاق الدولي الذي تم التوصل إليه بخصوص إيران، وليس لديها أي رغبة في خرقه بما أن بعض مستشاري ترامب يدعون أنهم يرغبون في فعل ذلك.

كما أن تسليط ضغط كبير من شأنه أن يشجع هذا البلد على الانسحاب من الاتفاق النووي وتمكينه من دفعة أكبر للحصول على القنبلة النووية. ويعتبر ذلك مجرد تخمين حتى وإن كان من شأنه أن يجعل منطقة الخليج والشرق الأوسط أكثر أمنا.

ومن شأن زيادة التعاون مع روسيا أن تُضعف المملكة العربية السعودية، وإجمالا يبدو أن لدى ترامب الكثير من التخبط حول العديد من القضايا، وهو ما يجعل من المستحيل التكهن بما ستؤول إليه سياسته في الشرق الأوسط.

كما أن العديد من الخبراء الأمنيين والعسكريين في واشنطن مذعورون من اللغة الفضفاضة التي تستهدف 1.6 مليار مسلم حيث يمكن أن يلحق الخطاب الناري لترامب وفريقه ضررا هائلا وسيكتشف الرئيس المنتخب سريعا أن اللغة النارية يمكن أن تشجع تلك الجماعات المتطرفة جدا على إعلان القتال.

ويمكن أن يوحي تفكك العالم العربي جراء الحرب أهلية، والحروب القبلية والطائفية وظهور تنظيم الدولة الإسلامية بأن التطرف سوف يسود مقابل تراجع الاعتدال في الثقافة الإسلامية العربية.

ويعتقد ضابط الاستخبارات السابق راؤول مارك غرشت، وهو محافظ سياسيّا، أن “رسم الإسلام، من خلال ما يزيد عن 1400 عام من التعقيد المجيد، كحضارة وإيمان مضطربين حيث أن أتباعه قادرون على ممارسة العنف لأنهم مرتبطون بذلك، (عن طريق القرآن) يعتبر في الكثير من الأحيان أمرا قذرا”. يبدو البعض من المسلمين المتطرفين مذهولين بعض الشيء من الهدية التي قُدمت إليهم.

ويغذي هذا الخطاب قصصا حول البيض ومناهضتهم لأي شخص آخر، وهو ما يشبه تكتيكات تخويف الأحمر للسيناتور جو مكارثي في الخمسينات من القرن العشرين، ما ساعد على ترسيخ اليمين المتطرف في واشنطن.

وصاغ المؤرخ برنارد لويس عبارة “صدام الحضارات” منذ أكثر من جيل رغم أنه حذر في وقت لاحق من الاندفاع تجاه الرؤية الإسلامية المبالغة في رد الفعل على ذلك إذا سقطت رئاسة ترامب في هذا الفخ، فهو لن يستجيب لنصيحة لويس القائلة “من جانبنا لا ينبغي أن ندفع إلى رد فعل تاريخي، ولا باتجاه رد فعل غير منطقي على حد سواء ضد هذا المنافس”.

6