رئيسة.. لمَ لا

لقد حققت المرأة التونسية على مدى عقود نجاحات كبيرة في العالم العربي كان سببها الأول إرادة سياسية سنّت نواميس حررت المرأة ثم ما لبث أن تقبلها المجتمع رويدا رويدا.
السبت 2019/09/14
مكانة المرأة التونسية محفوظة

باعتباره أعلى المعايير في أي بلد ديمقراطي، ينبغي أن ينعكس الدستور في سيادة القانون التي يضمنها القضاة بأحكامهم الباتّة وقراراتهم الملزمة لحفظ سيادة الدولة.

لذلك يكتسب منصب القاضي قيمة قانونية ورمزية وأخلاقية، حتى أنه يعتبر أهم منصب على الإطلاق في الديمقراطيات التي تحترم نفسها على الأقل.

في تونس تشغل المرأة منصب قاضية منذ عقود. وقد ارتفع عدد القاضيات بنسبة 40 بالمئة في عام 2016 عما كان عليه في عام 2008. وتعتبر آمنة شاتيوس أول من نالت لقب قاضية تونسية في عام 1968، إلا أنها قبل أن تحكم في أي قضية، انتقلت للعمل في السلك الدبلوماسي.

وقالت جويدة قيقة، أول قاضية تونسية مارست المهنة سنة 1972، “إنه لم يكن من السهل أن أثبت نفسي في مهنة ذكورية بامتياز في مجتمع عربي مسلم. عملت أنا وزميلاتي بجدية كبيرة لنثبت كفاءتنا وليصبح المتقاضي اليوم يثق بالقاضيات ونزاهتهن”.

وليس من السهل على المرأة العمل في مجال القضاء في العديد من الدول العربية والإسلامية لأسباب اجتماعية ومعتقدات دينية تعطي الولاية في الحكم والتحكيم للرجال. لكن التجربة في تونس تثبت عكس ذلك.

لقد حققت المرأة التونسية على مدى عقود نجاحات كبيرة في العالم العربي كان سببها الأول إرادة سياسية سنّت نواميس حررت المرأة ثم ما لبث أن تقبلها المجتمع رويدا رويدا.

بدأ الأمر في تاريخ تونس المعاصر في صيف 1930 عندما أصدر المفكر المصلح الطاهر الحداد كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي حاول نسف مسلّمات مجتمع “محافظ” يرزح تحت الفقر والاستعمار الفرنسي وجُوبه بمقاومة اجتماعية شرسة وصلت حد وصمه بالزندقة وتكفيره.

مات الحداد.. ويروي المؤرخون أنه لم يمش وراء جنازته سوى بضعة رجال يوم 7 ديسمبر 1935 .

كان على أفكار الحداد أن تبقى حبيسة 20 عاما إلى حين تبنيها من الزعيم الحبيب بورقيبة. وترجمت أفكار الحداد إلى قوانين ملزمة في مجلة الأحوال الشخصية التي سنت أشهرا قليلة بعد الاستقلال محدثة ثورة اجتماعية في تونس تردد صداها ولا يزال في العالم العربي. كان بورقيبة يؤمن بأن تحضّر المجتمعات يقاس بمدى فاعلية المرأة وحضورها فيها.

اليوم تسعى تونسيتان إلى تحقيق حلم عجزت عن تحقيقه كلثوم كنو القاضية والرئيسة السابقة لجمعية القضاة (تجمع نقابي للقضاة غير حكومي)، أول امرأة شاركت في سباق الرئاسة عام 2014، بعد انسحابها من الدور الأول.

ويبقى حلم المرأة التونسية في الوصول إلى منصب رئيس مشروعا. وتخوض المرشحتان عبير موسي وسلمى اللومي السباق الانتخابي الذي لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجه.

ورغم أن الانتخابات لا تشكل وحدها الديمقراطية، فإن التونسيين يسعون إلى التحلي بثقافة الديمقراطية، وهي الثقافة التي ترسّخ في المجتمع عن طريق التجربة والممارسة.

ينوي الكثير من الناس التصويت لإحدى المرشحتين فيما يرفض آخرون الأمر لكن ليس للأمر علاقة بالنوع الاجتماعي للمرشحة لكن لأن برنامجها غير مقنع فعلا.

لقد تجاوز التونسيون عقدة النوع الاجتماعي وكان ذلك نتيجة حتمية لتراكمات تواصلت على مدى 63 عاما. يستحيل الأمر في بلدان عربية أخرى لا تزال تعتبر “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” قانونا معمولا به منذ 14 قرنا.

والحديث رواه البخاري في “صحيحه” البخاري ـ وفق ما يذكر مدونو سيرته، وقد اختار أن يضع في صحيحه سبعة آلاف حديث تقريبا من 600 ألف تقريبا، كان يحفظها بوصفها أحاديث صحيحة السند عن الرسول.

لا تنوي المجتمعات العربية، على الأقل في حاضرها، التنصل من هذا القانون.

لكن ما نغفله أن هذه المجتمعات شيزوفرينية بامتياز، فهي دائمة الاحتفال بالزعيمات الغربيات وإنجازاتهن، متناسية الحديث الذي تحتكم إليه.

هؤلاء المحتفلون، الذين يعتبرون في أحيان كثيرة الأغلبية الساحقة من المجتمعات العربية، يشرّعون في ذات الوقت لأي تفكير خرافي ولو كان يخالف المنطق مادام ممزوجا بالتراث الديني لتطبيقه على واقعهم.

20