رئيس أسرع من الإعلاميين والسياسيين، فلماذا ترتبك مصر

واجهت مصر تحديات أمنية في فترات عصيبة، ونجحت في التغلب عليها وتحقيق قدر وافر من الهدوء والاستقرار.
الاثنين 2019/09/16
مجابهة التحديات

كان من الممكن أن تكون سرعة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مفيدة للأحزاب ووسائل الإعلام، لو أنّ القائمين عليها فهموا بدقة الإشارات التي تنطوي عليها رسائله السياسية التي يبثها في كل مؤتمر يعقده للشباب.

فقد انتهى المؤتمر الثامن السبت، والذي عقد ليوم واحد فقط، وترك خلفه أسئلة محيرة كثيرة حول عدم تواني الرئيس عن الحوار المباشر مع الناس دون وسيط، وحاجته للتصدي بنفسه لفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي أطلقها مؤخرا رجل أعمال وفنان مغمور يقيم في إسبانيا، طالته شخصيا والمؤسسة العسكرية بانتقادات واتهامات عدة تمسّ عصب الدولة.

كشف التفاعل الشعبي مع الفيديوهات واستثمار جماعة الإخوان لها عن حالة فراغ شديدة يعاني منها الإعلام، وفضحت عجز أكثر من مئة حزب في مصر عن مواجهتها، حتى قرّر الرئيس السيسي الحديث من خلال استدعاء مؤتمر الشباب على عجل والرد عليها وتفنيدها، وهو ما لم يكن يتوقّعه من اعتقدوا أن أيّ رد من قبل الرئيس يبدو كأنه نزول إلى مستوى أقلّ.

لم يعبأ الرئيس المصري بهذه التحذيرات على حدّ قوله، وقرر خوض المواجهة من على منصة مؤتمر الشباب. وبصرف النظر عن نسبة النجاح التي حققها خطابه المليء بعناوين في قضايا حيوية، فهو أكد محورية القرار والفعل والتصرّف في مؤسسة الرئاسة، وأنّ الجميع عاجزون أو مكبّلون، ولا يستطيعون القبض على زمام المبادرة بأنفسهم، كأن هناك تعليمات محدّدة تمنعهم من التطرّق لأيّ قضية محورية ومهما بلغت أهميتها.

ربما تكون هناك قيود من صنع أجهزة الدولة، وقد تكون هناك قيود أشدّ يفرضها الإعلاميون والسياسيون على أنفسهم كنوع من التنصّل غير المباشر من المسؤولية، أو عدم الرغبة في ما يعتبر اجتهاد في حكم المجازفة التي قد تُلحق أذى بصاحبها. ففي ظل الغموض الذي يكتنف التعامل مع كثير من الملفات وإسناد إدارتها لبعض الأجهزة الأمنية، يجد بعض المسؤولين في دوائر مختلفة راحتهم في الاختفاء، إلى حين تصل إليهم إشارات توحي بالتحرك.

تمثّل هذه المسألة معضلة كبيرة، أدت إلى عجز فاضح في كثير من دواليب الدولة الرسمية والخاصة. ففي الوقت الذي يسير فيه الرئيس السيسي بثقة في مشروعاته التنموية، ويرد على جميع الأسئلة التي تُعرض عليه مهما بلغت درجة حساسيتها، تختفي هذه الردود من على ألسنة الأجهزة المنوط بها القيام بهذا الدور من أحزاب ووسائل إعلام.

شخّص الرئيس المصري الداء في الناحيتين أكثر من مرة، في مؤتمرات شباب وغيرها، وأكد أنه فاقد الثقة فيهما، ومع ذلك لم تتحرّك الأجهزة المعنية لتصويب الدفّة. ويكفي أنه عندما يريد توصيل رسائل بعينها يستدعي الندوات والمؤتمرات ولا يلجأ إلى الإعلام مثل كل الرؤساء. فالرجل لم يُجْر حوارا مع أيّ صحيفة مصرية منذ ثلاثة أعوام، باستثناء مداخلات نادرة مع بعض البرامج التلفزيونية الجذابة.

لا أعتقد أن ثمّة شخصا يرغب في القيام بجميع الأدوار بنفسه، ولا أنّ هناك تعليمات رئاسية بمنع أي صوت معارض موضوعي من توجيه أيّ انتقادات. لكن أعتقد أنّ شكوك بعض أجهزة الدولة وانزعاجها من فتح النوافذ والأبواب قد يؤدّي إلى سيناريو شبيه بسيناريو 25 يناير 2011، حيث سقطت الكثير من أجهزة الدولة وكادت البلاد تدخل في فوضى تؤدّي بها إلى الانهيار.

وقتها كانت وسائل الإعلام رأس الحربة التي لعبت الدور المؤثّر في هدم جدران نظام حسني مبارك. وعندما التقيت مسؤولا سياسيا كبيرا وسألني عن حال الإعلام مؤخرا، قلت له “الكل يشكو من التضييق المبالغ فيه وأضراره على صورة الدولة”، جاء ردّه مختصرا ومعبّرا عن الحالة المصرية، واستخدم المثل الشعبي “من يلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”، وهي إشارة على المبالغة، فمن تحرقه سخونة المياه يلجأ لتبريد البارد، خوفا من الوقوع في خطأ.

يحمل المثل الشعبي العديد من المعاني السياسية والدلالات الأمنية في مصر. فأجهزة الدولة تتصرف ولا تنتظر حدوث واقعة خطيرة في البلاد، وتلجأ إلى أدوات مثل الإنذار المبكر لتنزع كل الوسائل التي تؤدّي إلى اختمار فكرة يمكن أن تتضخم وتجد من يلتفون حولها ويسعون إلى تطبيقها. ولدى هذه الأجهزة رؤية راسخة أن أي صوت معارض بالضرورة أن يكون إخوانيا، وإن لم يكن كذلك فعلى الأقل يصبّ في مصلحتهم.

قادت هذه المعادلة إلى إخصاء الأحزاب وهجرة وانزواء الكثير من العقول السياسية، وعندما تكون هناك حاجة إليها للتصدي لأيّ خطر داهم لا تستطيع القيام بدورها، وتتهم بأنها عاجزة ومتقاعسة، ولا أحد يسأل عن سبب فقدان الثقة فيها، والدوافع التي أفضت إلى وضعها في الثلاجة، لأن غالبية المخلوقات السياسية الجديدة تبدو مصطنعة ومعلّبة، وتتصوّر أنّ صمتها أو مدحها لما يجري من دون تقديم حيثيات مقنعة كفيل لتحصل على بعض المكاسب.

يخطئ هؤلاء، وتخطئ أجهزة أي دولة ترى أن تدجين القوى السياسية يمكن أن يكون صمّام أمان للحكم. وقد يكون العكس، لأن ذلك يمنح المعارضة فرصة اللجوء إلى وسائل مختلفة يصعب السيطرة عليها، في زمن أصبح رجل أعمال وفنان متواضع مثل محمد علي يبث فيديوهات من إسبانيا يحظى بشعبية جارفة لم يحلم بها من خلال الفن، بل حوله البعض إلى بطل سياسي، وتلاشت آلة الأحزاب أمام جهاز موبايل صغير قد يكون سببا في تحريك المياه السياسية الراكدة في مصر، ويشجع المزيد من الأشخاص على تكرار تجربة أثبتت فعاليتها.

كشفت إجابات السيسي في قضايا متنوعة بمؤتمر الشباب عن انعدام الأطر الفكرية والتنظيمية لجيل مصري صاعد يتحرك بمحركات لها سرعة أكبر من السياسيين، يحتاج إلى بيئة محلية ناضجة تستوعب قدراته ومواهبه المختلفة، بدلا من اللجوء إلى حواضن تكنولوجية تمكّنه من فعل كل شيء في أيّ زمان ومكان.

جرى تشخيص مشاكل الإعلام على لسان السيسي دون التطرّق إليها مباشرة. ولذلك ينتظر هذا الفضاء هزة كبيرة تفيقه من غفوته وتُنهي تراجع مصداقيته، لأن طول مدة الغياب عن تقديم مضمون مهني محترم منح الفرصة للخصوم للتفوّق وتوجيه ضربات موجعة لمؤسسات مركزية في الدولة، ومن الصعوبة مجابهة هؤلاء من دون توفير الأجواء المناسبة التي توقف التردد والارتباك وتفتح المجال لتخفيف عملي في القيود.

واجهت مصر تحديات أمنية في فترات عصيبة، ونجحت في التغلب عليها وتحقيق قدر وافر من الهدوء والاستقرار. وعليها أن تستعد لمرحلة الانطلاق التي تتواءم مع المشروعات والتطلّعات الإستراتيجية التي يشير إليها دوما الرئيس المصري. وعدم الإقدام على خطوات كبيرة في مجال الإصلاح سوف يفرمل أي طموحات مستقبلية تناسب القدرات المصرية.

تتغيّر أمور كثيرة في دول مجاورة. ولم تجد الشعوب روحها في التجربة المصرية الناجحة في مكافحة الإرهاب، على الرغم من أهميتها الإقليمية في الحدّ من تنامي نفوذ المتطرّفين، ووجدوا أنفسهم أمام نموذج يرفضون تكراره، لمجرد أنّ هناك عجزا فاضحا في الحياة السياسية، وخمولا واضحا في أداء وسائل الإعلام لمهامها الوطنية. وهو ما يؤكد أنّ العالم يركّز على الخصال السلبية ليتحاشى الانزلاق فيها، ويقتبس الصفات الإيجابية ليعيد إنتاجها بالطريقة التي تتناسب مع بيئته المحلية.

قدّمت تجارب تونس والسودان والجزائر جانبا من هذه المضامين، وأكدت الشعوب أنّ الإصلاحات السياسية والحرية الإعلامية، من الأسلحة المهمة للدفاع عن الأمن القومي للدولة، وليس لهدمه. ومصر تنتظر خطوة كبيرة تعيد إليها العافية في المضمار الحضاري.

9