رئيس أوكرانيا يضع بلاده بين سندان أوروبا ومطرقة روسيا

الجمعة 2013/12/06
يانوكوفيتش يرى أن التكامل الأوروبي لأكرانيا قبل كل شيء

هل هو سيناريو الثورة البرتقالية التي تمكنت فيها المعارضة سنة 2004 من إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية، أم هو مجرد احتجاج على توجه حكومي خاطئ ما يفتأ أن يهدأ. سؤال يطرح الآن بحدة قي أوكرانيا ويعرض رئيسها فيكتور يانوكوفيتش لكل الاحتمالات، خاصة إذا أمال الواقع السياسي الذي برز بعد تلك الثورة الكفة لصالح التقارب مع أوروبا وعمل يوشينكو الرئيس السابق مع رئيسة وزرائه يوليا تيموشنكو على دعم فكرة التوجه نحو الحضن الأوروبي ليعرض الأجواء بين كييف وموسكو للتوتر. تلك التوترات كانت سببا رئيسا في فقدان المعارضة للسلطة وإعادة فيكتور يانوكوفيتش إلى الحكم.

يانوكوفيتش الميال إلى روسيا والحريص على شعرة معاوية مع أوروبا لم يندفع مع الرغبة الشعبية التي أرادت أن تفك الارتباط مع موسكو وامتنع عن توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي في قمة في فيلنيوس، ليسلب بذلك حلم الأوكرانيين بحياة كريمة مرفهة بعيدة عن الفساد والتسلط وليكون السبب الكافي لتعبر المعارضة عن غضبها وتحشد لإسقاط الحكومة برمتها.

فيكتور يانوكوفيتش يبدو اليوم غير مكترث بما يحدث في بلاده، أو هو لا يعطيه الحجم المستحق، فهو لم يلغ زيارته إلى الصين، ويزور بعد ذلك موسكو، لتوقيع خارطة طريق للتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولعل ذلك يعد بمثابة الرسالة الواضحة لخياراته وتوجهاته المستقبلية. ونعود هنا للتعرف على أكثر تفاصيل عن شخصية يانوكوفيتش.

ولد فيكتور يانوكوفيتش في 9 يوليو 1950، وهو سياسي أوكراني، والزعيم الحالي لحزب الأقاليم ذي النفوذ. في 15 كانون الأول 1967، حكم على فيكتور يانوكوفيتش – الذي كان في ذلك الوقت في سن السابعة عشرة – بالسجن لمدة ثلاث سنوات. مدة السجن خففت بعد ذلك إلى 18 شهرا كجزء من عفو بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة تشرين الأول.

وكان يانوكوفيتش حاكم أوبلاست (مقاطعة) دونتسك من 1997 إلى 2002. خدم يانوكوفيتش كرئيس لوزراء أوكرانيا مرتين، الأولى من 12 تشرين الثاني 2002 إلى 31 كانون الأول 2004 في عهد الرئيس ليونيد كوتشما.

والمرة الثانية من 4 أغسطس 2006 إلى 18 كانون الأول 2007 في عهد فيكتور يوشتشينكو، الذي كان خصمه الرئيسي في انتخابات 2004 الرئاسية، التي ترشح فيها للرئاسة.

في 2009، أعلن يانوكوفيتش عزمه خوض الانتخابات الرئاسية، تم تبنيه بواسطة حزب الأقاليم، بدأت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 17 يناير 2010، وفاز يانكوفيتش على منافسته يوليا تيموشينكو بفارق 10بالمئة من الأصوات.

ثم أقيمت الجولة الثانية والحاسمة من الانتخابات بتاريخ يوم 7 فبراير، وقد نصح يانكوفيتش منافسته بالتأهب للتنحي عن منصبها بعد أن أظهرت النتائج الرسمية الأولية تقدمه بنسبة 52.17 بالمئة من الأصوات، في مقابل 42.60 بالمئة لتيموشينكو.

أظهرت نتائج الفرز الأولى للجولة الثانية من الانتخابات تقدم يانوكوفيتش على تيموشينكو بنسبة 3.48 بالمئة، حيث حصل 48.95 بالمئة، وحصلت يوليا تيموشينكو على 45.47 بالمئة.

وتوقع البعض وقتها أن تعيد نتائج تلك الانتخابات ضبط العلاقات مع روسيا، التي تدهورت في ظل الرئيس فيكتور يوشينكو المؤيد للغرب وتحديد سرعة انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، الذي ينظر بشكل واسع إلى أن تيموشنكو أكثر حماسا للانضمام إليه، مقابل يانكوفيتش الذي كانت الثورة البرتقالية قد صورته على أنه لعبة في أيدي روسيا.


مواقفه

في ظل هذا الحراك الاجتماعي الذي تؤسس له المعارضة الأوكرانية، أعرب فيكتور يانوكوفيتش عن رفضه لتحويل الاحتجاجات إلى مناسبة لتصفية حسابات سياسية.

وكان الرئيس الأوكراني قد اتهم المعارضة باستغلال الوضع لتمرير رسائلها المكشوفة بالنسبة له.

وعبر عن ذلك بالقول أحيي الذين جاؤوا للشارع تأييدا للالتحاق بأوروبا، و لكن هناك أيضا من جاؤوا لتصفية حساباتهم السياسية، رافعين شعارات ويافطات سيستخدمونها في الانتخابات الرئاسية للعام 2015، أرى هذا بكل وضوح.

وخلال مؤتمر صحفي رأى يانوكوفيتش أن التكامل الأوروبي لأوكرانيا قبل كل شيء هو تحديث عميق لجميع مجالات الحياة.

وقال: "أود أن أؤكد على أن مسألة التكامل الأوروبي لأوكرانيا – هي مسألة تحديث بلدنا، والتي تنطبق على جميع مجالات الحياة، إنه الانتقال إلى المعايير الأوروبية الفنية والقانونية والمعايير الديمقراطية".

كما حض يانوكوفيتش في بيان له جميع الأوكرانيين على الاتحاد حول القرار الذي توصلت إليه البلاد بالنسبة للاتحاد الأوروبي، مطالبا بالتحقيق الفوري في أعمال العنف التي شهدتها كييف، إلا أنه ندد باستخدام القوة بحق المتظاهرين، وقال أطالب مكتب المدعي العام بأن يكشف لي بشكل عاجل وللمجتمع الأوكراني نتائج تحقيق فوري وموضوعي من أجل معاقبة الأشخاص المسؤولين بشكل مناسب.

ويذهب الرئيس الأوكراني إلى أنه سيقوم بكل ما بوسعه من أجل تسريع عملية تقارب بلاده مع الاتحاد الأوروبي، بعدما رفض توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي كان يجري التحضير له منذ أشهر. واشترط لهذه الغاية، قبول كييف كشريك متساو فيه، في وقت قررت المحكمة الإدارية في كييف منع تنظيم التظاهرات في وسط العاصمة .

وقال يانوكوفيتش في بيان: "سأقوم بكل ما يمكن فعله للتقدم في عملية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، من دون أن يلحق أي ضرر كبير باقتصاد البلاد أو أي تدهور بمستوى حياة المواطنين". وأضاف: "يجب أن تقودنا المصالح الوطنية وحدها، وأن نكون مسؤولين عن مستقبلنا". وشدد على ضرورة الدفاع عن أوكرانيا على خريطة أوروبا السياسية، كما على خريطة العالم، بصفتها دولة مستقلة بشكل كامل، وأشار إلى أن "أوكرانيا اتخذت خيارها السياسي الجغرافي، وهي دولة أوروبية"، مضيفا أن "طريقنا محدد بشكل تاريخي" .

غير أن هذه التصريحات لم تلق صدى في الواقع ولم تحول إلى أفعال بدليل الغضب الذي بدى عند الأوكرانيين وجعلهم يحتشدون في الميادين للتعبير عن مطالبهم التي أبرزها التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

لكن رئيس وزراء يانوكوفيتش ميكولا أزاروف برر قرار بلاده عدم توقيع اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي بعوامل اقتصادية وتكتيكية، ولم تلق تلك التبريرات قبولا لدى المعارضة التي هاجمته في البرلمان. وقال أزاروف لنواب البرلمان إن القرار صعب ولكن كان الوحيد المتاح أمام الحكومة بالنظر إلى الوضعية الاقتصادية للبلاد. وأوضح أن مطالبة صندوق النقد الدولي لأوكرانيا برفع أسعار الغاز وتجميد الرواتب كانت القطرة التي أفاضت الكأس ودفعت الحكومة إلى التخلي عن الخيار الأوروبي.

أما في ما يتعلق بالملف السوري فقد عبر يانوكوفيتش في وقت سابق عن دعم بلاده للخطة الروسية الأميركية لوضع السلاح الكيميائي السوري تحت رقابة دولية من أجل تفكيكه لاحقا، وشدد على أن الحل الوحيد للأزمة السورية هو التسوية السياسية، وقال: إن تنفيذ خطة روسيا والولايات المتحدة لإتلاف السلاح الكيميائي السوري تعطي فرصة لوضع حد لانتشار النزاع السوري، وحله بطرق سياسية دبلوماسية.

وأشار إلى أن النزاع السوري بدأ يكتسب ملامح نزاع عابر للحدود، ويتحول إلى مصدر للأخطار ذات البعد الإقليمي، وأضاف: "لقد مدت أوكرانيا يد العون للشعب السوري، وهي تقدم مساعدات له عبر أجهزة الأمم المتحدة، ندعو المجتمع الدولي كله إلى الانضمام لهذه المهمة، لقد حان الوقت لتنشيط العمل الهادف إلى تشكيل قاعدة دولية واسعة، تسمح بإيجاد حل سياسي عن طريق التفاوض مع جميع الأطراف من أجل إعادة السلام والاستقرار إلى سوريا.


العلاقة مع روسيا


"إلينا بأوروبا، لقد أُتخِمنا بروسيا، لقد عشنا تحت ضغط روسيا لمدة ثلاثمائة عام، أريد اليوم أن أعيش في أوروبا".

هذا ما عبر عنه أحد الأوكرانيين المحتجين على خيارات الرئيس فيكتور وهو يلخص رؤية عديدين الحالمين بالفضاء الأوروبي الأرحب.

محطات من حياته
* 15 كانون الأول 1967، الحكم على فيكتور يانوكوفيتش بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

* من1997 إلى 2002 كان يانوكوفيتش حاكم أوبلاست (مقاطعة) دونتسك.

* من 12 تشرين الثاني 2002 إلى 31 كانون الأول 2004 رئيس وزراء أوكرانيا للمرة الأولى.

* من 4 أغسطس 2006 إلى 18 كانون الأول 2007 رئيس وزراء للمرة الثانية.

* سنة 2009 أعلن يانوكوفيتش عزمه خوض الانتخابات الرئاسية.

* 17 يناير 2010، بدأ الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

* فبراير 2010 وصول يانوكوفيتش إلى السلطة.

غير أنه وكما يذهب إلى ذلك الكثير من الاقتصاديين فإن لغة العواطف لا تنفع مع الواقع الاقتصادي، ذلك أن روسيا تستخدم ورقتي ضغط رئيسيتين على أوكرانيا، هما: الغاز والحدود، فأوكرانيا تستورد من روسيا 80 بالمئة من احتياجاتها من الغاز بثمن مرتفع، وتمر معظم صادراتها التجارية عبر الحدود الروسية.

وذلك ربما ما يفسر قرار الحكومة الأوكرانية تعليق الاستعدادات لتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ودعوتها لتطوير العلاقات الاقتصادية مع روسيا وغيرها من الجمهوريات السوفياتية السابقة الأعضاء في رابطة الدول المستقلة حاليا.

ويرى البعض أن توقيع أوكرانيا على الاتفاقية يعني بالنسبة لها الابتعاد عن روسيا وهو ما رفضته هذه الأخيرة. وتماشيا مع الضجة التي أحدثها الحراك الشعبي في أوكرانيا، وأسبابه التي باتت معروفة، لم يخف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض بلاده لاتفاق الشراكة الذي تريد أوكرانيا توقيعه مع الاتحاد الأوروبي.

قائلا: "إذا وقعت أوكرانيا على اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي – لا أدري إن كنتم تعلمون ماذا يعني هذا – فالاتفاق سيفرض على أوكرانيا في غضون شهرين ، تقليص الضرائب الجمركية على السلع الأوروبية.

روسيا التي حققت نجاحا جزئيا ومرحليا في الملف السوري من خلال العمل على إبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، فإن الأحداث في أوكرانيا أفسدت عليها نشوة التنعم بما حققته مجهوداتها الدبلوماسية وستفتح لها جرحا عميقا في خاصرتها. هكذا يجد الرئيس الأوكراني نفسه في وضع لا يحسد عليه بين المطرقة الاقتصادية الروسية وبين مطالب شعبه الرافضة لارتمائه الذي طال في الحضن الروسي وحان وقت الفكاك منه.


المعارضة وإرباك المشهد السياسي

التبريرات التي قدمها رئيس الوزراء الأوكراني حول رفض بلاده التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لم تلق قبولا من نواب المعارضة الذين هتفوا "يا للعار"، وأجبروا رئيس البرلمان على رفع الجلسة.

ودعت إلى التظاهر والاحتشاد من أجل إسقاط الحكومة دون أن تخفي أجندتها السياسية من خلال رفع العديد من الشعارات وذاك ما أدى إلى إرباك المشهد السياسي.

واتهم المعارض أرسيني ياتسينيوك الرئيس فيكتور يانوكوفيتش بـ"الخيانة العظمى"، وطالب بإقالته. وقال: "إذا رفض يانوكوفيتش التوقيع على الاتفاق، فهذا لا يمثل خيانة عظمى فحسب وإنما أيضا سببا للمطالبة بإقالته واستقالة الحكومة".

ويتفق بعض رموز المعارضة مع تشخيص الحكومة للوضع، لكنهم يختلفون معها حول وسائل حله، فيعتبرون أن المخرج هو في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيث الإمكانيات والأسواق الأرحب، أما حكومة آزاروف فترى أن الأولوية هي إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع روسيا التي تملك كثيرا من أوراق الضغط الاقتصادي على أوكرانيا.

وبهذا فإن أوكرانيا تقف أمام خيارين أحلاهما مُرّ، فإما بداية علاقات غير واضحة الأفق مع الاتحاد الأوروبي، أو الخضوع للضغوط الروسية والإبقاء على الاقتصاد مرتبطا معها.

ويشير آخر استطلاع للرأي لمعهد المبادرات الديمقراطية في أوكرانيا، أن نسبة 41 بالمئة لصالح توقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا، و نسبة 33 بالمئة ضد التوقيع، بينما اعترض 25 بالمئة عن الإجابة. وقد ندد أنصار المعارضة بسياسة الحكومة الأوكرانية واجتاح عشرات الآلاف من المتظاهرين وسط العاصمة كييف مطالبين باستقالة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش رغم تحذيرات السلطات.

بينما دعت رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشنكو، التي تقضي عقوبة بالسجن سبع سنوات، الأوكرانيين إلى "الوقوف في وجه الدكتاتورية" والتعبئة، مطالبة بعدم مغادرة الشارع طالما لم تتم الإطاحة بالنظام. وتقول تيموشينكو: إن لم تفهموا إن الإجرام هو من يحكم أوكرانيا. المافيا هي من تحكم أوكرانيا، فلن يحميكم أحد بعد الآن في ظل وجود يانوكوفيتش في قمة السلطة.

تحت هذا التململ الاجتماعي ذي المطالب السياسية يجد الرئيس الأوكراني نفسه محاصرا بعدة خيارات فإما الاستجابة لطموحات الشارع أو فليتحمل النتائج التي ستنجر عن هذه الاحتجاجات والتي قد تطيح به من سدة الحكم.

12