رئيس البرلمان الليبي: الخطوات نحو الوفاق مازالت متعثرة

منذ توقيع اتفاق الصخيرات يتطلّع المعنيون بالملف الليبي إلى تحقيق بنوده لكن في كل مرة يتعثّر الأمر، وكانت أصعب مرحلة في نظر المراقبين انتقال الحكومة والمجلس الرئاسي من تونس إلى طرابلس، وبعد أن تمكّن رئيس الحكومة فايز السراج وعدد من أعضائها من الوصول إلى العاصمة، أعلن رئيس مجلس النواب الليبي المعترف به دوليا عقيلة صالح أن المجلس سيجتمع خلال الأسابيع القادمة لمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني التي بدأت بترسيخ سلطتها؛ لكن عاد عقيلة صالح وناقض هذا التصريح، مقللا، في حوار مع “العرب”، من التفاؤل الذي صاحب إعلانه وإعلان السراج، حيث قال إن تفاؤله السابق بنجاح هذا الاتفاق تلاشى مع تزايد الانقسامات بين أعضاء مجلس النواب والمجلس الرئاسي، ورفض عدد من أعضاء الأخير لحكومة الوفاق.
الثلاثاء 2016/04/12
من لا يعترف بشرعية البرلمان لا نعترف به

أعرب عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي المعترف به دوليا، عن عدم تفاؤله بإمكانية تفعيل اتفاق الصخيرات وتنفيذ بنوده الرئيسية على الأرض قريبا. وقال صالح، في حوار مع “العرب”، إن تفاؤله السابق بنجاح هذا الاتفاق تلاشى مع تزايد الانقسامات بين أعضاء مجلس النواب والمجلس الرئاسي، ورفض عدد من أعضاء الأخير لحكومة الوفاق وتجاهل تلبية الدعوات المتكررة إلى الحضور إلى البرلمان، علاوة على ما رصده من ممارسات غير دستورية تتعارض مع بعض مكونات اتفاق الصخيرات، بل وتم تسيير تظاهرات مناهضة له في غرب ليبيا وشرقها، الأمر الذي يضاعف الفوضى في البلاد ويهدد بالفعل بتقسيمها.

بعد قرابة خمس سنوات من سقوط نظام العقيد معمر القذافي، تجاهد ليبيا لرأب صدع الانقسامات على مناطق النفوذ والثروات، بما أصبح يعرض الدولة لخطر التقسيم، في وقت باتت فيه الصحراء الليبية المترامية بيئة حاضنة وجاذبة لعناصر تنظيم داعش.

وتشعر دول الجوار بخطر غياب حكومة وفاق قادرة على بسط نفوذها على البلاد، وتحول دون الانهيار التام للدولة الليبية وما يمثله ذلك من خطر على الجوار والمنطقة، لذلك حاولت هذه الدول استضافة حوارات ولقاءات للفرقاء الليبيين لغاية تقريب وجهات النظر والبحث عن حلّ ينقذ ليبيا.

واستضافت الجزائر جلسات حوار بين الفرقاء الليبيين، لكن لم تسفر عن نتيجة ملموسة. ومع تواصل الأزمة وتفاقمها، احتضن المغرب، حوارا بين أطراف الأزمة الليبية برعاية الأمم المتحدة بليبيا، أسفر، في 17 ديسمبر الماضي، وبعد عام من المفاوضات الشاقة، عن اتفاق الصخيرات الذي ينص على تشكيل مجلس رئاسي مكون من 12 عضوا يمثلون حكومة الوفاق الوطني، كفترة انتقالية لمدة عامين، تليها انتخابات تشريعية، مع اعتراف بشرعية برلمان طبرق، وتشكيل مجلس دولة لتقديم المشورة، ويتطلب تنفيذ الاتفاق تعديلا يسمح بتضمين الاتفاق للدستور، يتم إقراره بثلثي مجلس النواب مضاف له عضو، وهو النصاب القانوني الذي فشل في التحقق حتى الآن، لكن، ترفض ميليشيات مسلحة مسيطرة على مناطق عدة بالبلاد، الاتفاق ما يثير تساؤلات حول إمكانية تفعيله.

خليفة حفتر قائد عام للقوات المسلحة بتكليف من مجلس النواب الشرعي ومصيره في حكومة الوفاق يحدده المجلس

وينطلق، الاثنين، في تونس مؤتمر الدعم الدولي لليبيا بمشاركة ممثلين عن 15 مؤسسة مالية ودولية و40 دولة عربية وغربية، وسبقته جولة مباحثات استضافتها القاهرة، الجمعة الماضي، جمعت المستشار عقيلة صالح بنائبه محمد شعيب، تمهيدا لعقد جلسة مكتملة النصاب، ومنح الثقة لحكومة الوفاق وإقرار تعديل يُضمن بنود اتفاق الصخيرات بالدستور.

أرجع عقيلة صالح أسباب الفشل المتكرر في اكتمال النصاب القانوني لانعقاد البرلمان إلى: تغيب المؤيدين للتشكيلة الوزارية، والراغبين في تمريرها قبل إقرار الإعلان الدستوي، ومن ثم عرقلة إقرار التعديلات الدستورية كآلية للضغط، وهو ما يرفضه البرلمان لمخالفته الدستور.

وقال “الصواب أن يتم تضمين اتفاق الصخيرات أولا للدستور ومن ثم يتم إقرار تشكيلة حكومة الوفاق”. وأضاف “ورغم التحديات المتراكمة هناك اتصالات ومباحثات لتقريب وجهات النظر بين السادة الأعضاء نبذلها الآن، بمساعدة مصرية، لعقد جلسة بنصاب قانوني صحيح، نأمل في عقدها قريبا”.

ووصل إلى القاهرة عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، ونائبه الثاني أحميد حومة، وأربعة نواب آخرين، على متن طائرة خاصة قادمة من طبرق، ليلحقوا بمحمد شعيب، الذي وصل القاهرة الخميس. ومن المقرر أن ينضم إليهم فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، وعمر الأسود عضو المجلس الرئاسي المنسحب من اجتماعات المجلس، وعلي القطراني نائب رئيس المجلس الرئاسي، بهدف محاولة إقناعهما بالتراجع عن قرارهما بالانسحاب من المجلس الرئاسي.

النصاب القانوني أولا

رشحت الأمم المتحدة، فايز السراج لرئاسة حكومة الوفاق وفق الاتفاق، إلا أنه بمجرد تحركه الدولي ومشاركته في قمة الدول الإسلامية بجاكرتا، أدلى عقيلة صالح بتصريحات أكد فيها أن مشاركته في القمة بصفته الشخصية ما أثار تساؤلات حول مدى قبول رئيس مجلس النواب لرئيس الحكومة الذي فرضه الاتفاق.

أعضاء بالمجلس الرئاسي المقترح يشككون في شرعية البرلمان ويعرقلون تضمين الاتفاق السياسي للإعلان الدستوري

وفي ردّه على ذلك، قال عقيلة صالح “لدي تحفّظات على بعض أعضاء مجلس الوزراء المقترحين، وأيضا على أعضاء في هيئة الرئاسة الذين يتغيبون عن الاجتماعات ويدلون بتصريحات يصفون فيها مجلس النواب بعدم الشرعية، بالمخالفة للاتفاق السياسي”.

ومن المفترض “عدم جواز مباشرة أي منهم مهام عمله بالحكومة بصفة رسمية قبل تعديل الإعلان الدستوري، ومنح مجلس النواب الثقة للحكومة، وأداء أعضائها اليمين القانونية أمامه، بما يعني الولاء للوطن والشعب”.

وحول خلاف البرلمان الشرعي على بنود تمسك بها أعضاء البرلمان المنحل في طرابلس، قال صالح “هناك مواد لم نتوافق عليها وغير مرضية لنا، أهمها المادة الثامنة من الاتفاق السياسي التي تم إلغاؤها عند اعتماد مجلس النواب للاتفاق”.

وتقضي المادة الـ8 من الأحكام الإضافية الواردة بالاتفاق السياسي بانتقال المناصب السيادية إلى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فور توقيع الاتفاق، على أن تقوم الحكومة في وقت لاحق باختيار الشخصيات التي ستتولاها.

وشدد عقيلة صالح على ضرورة اكتمال النصاب القانوني لمجلس النواب، بما يفوق الثلثين، لتضمين اتفاق الصخيرات الإعلان الدستوري، كإجراء ضروري سابق على اعتماد حكومة الوفاق الوطني. وتحتاج حكومة السراج إلى موافقة أربعين عضوا من مجلس النواب في حالة اكتمال النصاب اللازم (120 عضوا) من إجمالي عدد المقاعد الـ200 لمجلس النواب.

ليبيون يتظاهرون مطالبين بالاعتراف بحكومة فايز السراج باعتبارها الحل الأخير قبل أن تلفظ الدولة الليبية أنفاسها

وحول مصير القائد العام للقوات المسلحة خليفة حفتر في حكومة الوفاق، ومدى تأثير بعض دول الجوار الداعمة له والرافضة توليه حقيبة الدفاع، قال عقيلة صالح “الفريق حفتر هو القائد العام للجيش الليبي، وتم تكليفه بقرار من مجلس النواب، بالسلطة الشرعية، وهذا شأن داخلي لا يجوز لأحد التدخل فيه”.

وأضاف “لم يعرض حتى الآن علينا ترشيح خليفة حفتر لتولي وزارة الدفاع، وإذا حدث عرضه فإن مجلس النواب صاحب القرار في ذلك الشأن وليس أي طرف آخر”.

يتخوف بعض المراقبين من مطالبات دول أوروبية، بإدارة ليبيا عبر حكم فيدرالي، لأن ذلك قد يكون مقدّمة لتقسيم البلاد، نظرا لقيام الولايات المقترحة على مبدأ القبلية والعرق وتقاسم الثروة، وليس على التجانس كما هو معمول به في التجارب الغربية.

لكن، عقيلة صالح قلّل من خطورة هذه المسألة، قائلا “الحكم في ليبيا كان في السابق فيدراليا، ويتكون من ثلاث ولايات، هي برقة وطرابلس وفزان، ولم تكن للقبائل أو المكونات الاجتماعية الأخرى أي علاقة بهذا الأمر، ولم يشكل ذلك انفصالا أو تقسيما لليبيا”.

ومع ذلك، وفي حال طرح الحديث عن الحكم الفيدرالي بجدية، أو فرض بأمر واقع، يعتبر عقيلة صالح أن “تمسك الشعب الليبي بوحدة بلاده، وتماسك النسيج الاجتماعي والاصرار على إعادة بناء الجيش والاقتصاد القومي، سوف يكون هو الضمانة لمحاربة الإرهاب، ومواجهة خطر التقسيم”.

جيش ليبي موحد

تشهد ليبيا تناميا لتنظيم داعش، وقال قائد القوات الأميركية في أفريقيا، الجنرال ديفيد رودريغيز، “إن عدد مسلحيه تضاعف في ليبيا إلى ما بين 4 و6 آلاف مسلح خلال فترة تتراوح بين عام وعام ونصف العام”. وأوضح الجنرال رودريغيز أن مدينة سرت هي معقل داعش في ليبيا، وللتنظيم وجود أيضا في درنة وبنغازي في الشرق، وصبراتة في الغرب، مشيرا إلى أن قوات الجيش الوطني الليبي نجحت في تقليص نمو المتشددين.

وبشأن مدى سيطرة تنظيم داعش على الأرض، خاصة في منطقة الهلال النفطي، وهل هناك تنسيق بينه وأي من القوى السياسية، قال صالح “لا يمكن لداعش أن يسيطر بصفة مستمرة على مساحة جغرافية كبيرة في أي مكان بليبيا، لأن الشعب يرفض هذا التنظيم، وكل الجماعات المتطرفة، وهو متوافق على محاربة الجماعات الإرهابية”.

وعن رؤيته إلى بناء جيش موحد في ظل تكاثر الميليشيات المسلحة والتنظيمات وتناثر كميات كبيرة من السلاح في ليبيا، قال عقيلة صالح “يمكن بناء جيش موحد عندما تقوم حكومة وفاق وطني ترضي الجميع وتعالج موضوع التشكيلات شبه العسكرية بدمجها في المؤسسات الأمنية والمدنية”.

لدي تحفظات على بعض أعضاء مجلس الوزراء المقترحين وأيضا على أعضاء في هيئة الرئاسة

وحمّل حلف شمال الأطلنطي (ناتو) مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد، إلى انسحاب قواته من ليبيا عقب مصرع معمر القذافي وقبل جمع السلاح، الذي أصبح منتشرا في كل مكان، وعدم إعادة بناء مؤسسات الدولة.

وأضاف صالح “حلف الناتو ارتكب خطأ فادحا عندما دمر البنية التحتية للقوات المسلحة الليبية. وترك البلاد لأصحاب الأجندات الخاصة القادمين من الخارج. ومازال مستمرا في الخطأ برفضه دعم الجيش الليبي، واستمرار فرض الحظر على تسليح الجيش الوطني، الأمر الذي يساعد على تمدد داعش داخل ليبيا، وخارجها”.

هناك اتهامات موجهة إلى قيادات سياسية بارتكاب جرائم نهب ملايين الدولارات من المال العام خلال وجودهم بالسلطة في ليبيا، إلى جانب تبادل الاتهامات بين الفصائل المتنازعة بارتكاب جرائم، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة مجلس النواب على فتح تلك الملفات في المستقبل ومعاقبة من تثبت إدانته.

صالح يرى أنه “في الإمكان محاكمة كل من سرق المال العام والخاص، لكن بعد تفعيل دور القضاء في ليبيا، وتقديم الأدلة التى تؤكد الاتهام، وعندها تتولى السلطات القضائية المختصة البت في تلك الدعاوى، سواء بفتح الملفات عبر القضاء بما توفره الحكومة من أدلة أو عبر دعاوى يقيمها أصحاب الشأن من المتضررين ممن ارتكبوا جرائم تتوافر عليها أدلة”.

مع كل تعثر في تنفيذ اتفاق الصخيرات، تلوح قوى دولية بإمكانية اللجوء إلى التدخل بقوات دولية، بذريعة مكافحة الإرهاب، وهو ما يرفضه عقيلة صالح، الذي يقول “التدخل الخارجي في ليبيا مرفوض رفضا باتا، ولدينا من الرجال من يستطيعون الدفاع عن الوطن، وقد شهد التاريخ وهو شاهد عدل على التضحيات البطولية الرائعة في تاريخ الشعب الليبي، منذ الاستعمار الايطالي، وفي ثورة فبراير، وعند قيام عملية الكرامة”.

ولفت إلى أنه أولى بالدول الغربية أن تمدّ الجيش الليبي وقوات الأمن بالسلاح والمعدات، ولدينا من الرجال والشباب من يملكون القدرة على دحر الإرهاب بشجاعة دون أي تدخل أجنبي.

وحمّل صالح المجتمع الدولي مسؤولية عمليات تهريب النفط والمساعدة في إمداد الإرهابيين بالسلاح. وأشار إلى أن المجتمع الدولي “مسؤول عن السلم والأمن الدوليين، وحماية كل دولة، وتقديم العون لها لمحاربة الإرهاب والمهربين، هذه المهمة لم تكن شأنا داخليا لدولة معينة، بل تهمّ كل دول العالم، لأن السماح بممرات لتمويل وتسليح الإرهاب في ليبيا، يؤدي إلى استفحاله وانتشاره ليطول كل دول العالم”.

شدّد رئيس البرلمان الليبي على أن هناك دولا تساعد الإرهابيين بالسلاح، و”الدليل ما عثر عليه بحوزة مجموعات متشددة في مدينة بنغازي من أسلحة حديثة الصنع ومتطورة وبكميات كبيرة، لم يتوافر مثلها للجيش الليبي”.

وختم صالح مؤكّدا أن “رفض الأمم المتحدة وحلف الناتو السماح بتسليح الجيش الوطني الليبي يخدم التنظيمات الإرهابية، ويستهدف إضعاف الجيش في مواجهة الإرهاب، لكن عزيمة الرجال تفوق نوعية السلاح، وسوف “يدحر الليبيون بما يتاح لهم من إمكانيات التنظيمات المتطرفة مهما كان تسلحها”.

7