رئيس البرلمان الليبي الرقم المحوري في التوازنات المقبلة

دور عقيلة صالح السياسي يتنامى ويقوض دور المنشقين عنه في طرابلس لذلك يستشعر السراج وفريقه الخطورة.
الأحد 2020/07/12
عقيلة صالح يتصدر المشهد السياسي الليبي

عقيلة صالح يجري تصعيده إقليميا ودوليا للعب دور مهم في التوازنات المقبلة في ليبيا لكونه رئيس البرلمان، المؤسسة الوحيدة التي تمتلك الشرعية. في المقابل، يجري ضبط المشير خليفة حفتر في الدور العسكري لمواجهة التدخل التركي والميليشيات الحليفة لأنقرة، وهذا التقسيم في المهام يحوز على دعم في الشرق الليبي وعلى دعم إقليمي ودولي ليكون حلا لكل ليبيا، فيما يعيش الغرب الليبي على وقع الصراعات الشخصية والميليشياوية والمناطقية.

يتقدم رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح تدريجيا نحو صدارة المشهد السياسي، وأصبح الوجه المعبر عن الشرق الليبي في مواجهة رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج كممثل عن الغرب الليبي، الأمر الذي تؤكده الجولة التي بدأها صالح إلى جنيف، وسبقتها زيارة مهمة قام بها لموسكو الأسبوع الماضي، ما يعني أن مجلس النواب الليبي بقيادته الحالية سيكون له وزن سياسي كبير الفترة المقبلة.

منذ أن طرح عقيلة صالح مبادرته التي دعا فيها إلى تشكيل مجلس رئاسي جديد، في 24 مايو الماضي، ودوره يتصاعد أكثر من ذي قبل، مقابل تراجع الدور السياسي لقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وحصر دوره الرئيسي في المهام العسكرية، وثمّن إعلان القاهرة هذه المبادرة، في 6 يونيو الماضي، بحضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وعقيلة صالح، وخليفة حفتر.

وجاء ترتيب الأول وقتها متقدما على الثاني في إلقاء الكلمات، وهو ما فهم منه أن المهام الموكلة إليه في سبيلها للتزايد، خاصة أن إعلان القاهرة منح التسوية السياسية على قاعدة عقيلة صالح اهتماما كبيرا، ووضع مجموعة من النقاط الدقيقة تجعل البرلمان ورئيسه في مقدمة الدوائر التي يعول عليها في التحول من الحرب إلى السلام.

وكشفت التطورات اللاحقة، أن عقيلة صالح الشخص المخول سياسيا لتمثيل فريق الشرق الليبي إقليميا ودوليا، وتأكدت هذه الملاحظة مع اقتصار دور حفتر على النواحي العسكرية عمليا، ففي المرات القليلة التي ظهر فيها كان حديثه منصبا على التدخلات التركية وجاهزية التصدي لأي عدوان على سرت والجفرة، ولم يتطرق لأفكار من قبيل الحل السياسي الذي أصبح ظاهرا في خطاب عقيلة صالح في كل المحطات التي وطأتها قدماه، الأمر الذي كانت تجلياته واضحة عندما التقى ممثلة الأمم المتحدة في جنيف.

توزيع أدوار

مهمة الجيش الليبي تطويق نفوذ الميليشيات
مهمة الجيش الليبي تطويق نفوذ الميليشيات

كشفت مصادر دبلوماسية لـ”العرب” أنه جرى التفاهم بين الطرفين على توزيع الأدوار السياسية والعسكرية لمنع تشتت الجهود أو وقوع صدام في التوجهات، وتوحيد من يمثلون الشرق الليبي خلف هذين القائدين، مع أن بينهم قوى من مختلف أنحاء ليبيا، عكس الجانب المقابل الذي تتحدث باسمه أصوات شتى، فعلاوة على السراج، هناك خالد المشري رئيس مجلس الدولة، وهو جهة استشارية، ولا يتورع عن التدخل في كل كبيرة وصغيرة ليكون في الواجهة، ويتبنى مواقف متطرفة تعكس رأي جماعة الإخوان في الأزمة ومساراتها.

كما أن وزير الداخلية فتحي باشاغا صوت آخر في التوازنات المتشعبة التي تحكم طرابلس، ويملك فائضا من الطموح السياسي، وتراوده الأحلام ليكون بديلا للسراج حال إزاحته، سلما أو قسرا، وعلى يساره وعلى يمينه مجموعة واسعة من الميليشيات يريد قادتها احتلال مكانة في صدارة المشهد، ما يجبرهم على الحديث من حين لآخر والخروج عن حكومة التوافق لإثبات حضورهم في مربع إعادة اقتسام كعكتي السلطة والثروة، وبين هؤلاء يأتي العراب التركي الذي يريد التحكم في من يمثل الغرب، وربما ليبيا بكاملها.

في مواجهة هذا الزخم وما يحمله من تناقضات تبدو خلافات الشرق الليبي محدودة أو من السهل تطويقها، ما وجد صدى لدى كل من عقيلة صالح وخليفة حفتر، وفقا لتفاهمات قضت بأن يتولى كل شخص المهام التي يستطيع إنجازها بشكل أفضل، منعا للتداخل والتشويش والصدام، فمهما كان التباين في معسكر طرابلس يطل السراج كصاحب الشرعية المعتمدة دوليا، مع أن مجلسه وحكومته لم تتم المصادقة عليهما من البرلمان، وانتهى وقتهما المحدد في الحكم منذ ثلاث سنوات وفقا لاتفاق الصخيرات.

أصبحت الشرعية الدولية (الغائبة أصلا) ورقة التوت التي تتغطى بها تركيا في كل مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي وقعتها معه، وهي المبرر الذي تفسر به دول كثيرة تصرفاتها في الانحياز إليه على حساب حفتر الذي تصدر المشهدين السياسي والعسكري في الجهة المقابلة على مدار السنوات الماضية، ويتم التعامل معه على أنه جنرال يملك طموحا  سياسيا، ما أثار جملة من الشكوك حول رغبته في القفز على الحكم بطريقة غير ديمقراطية، تأباها في الظاهر دول عدة كمبرر أمام شعوبها للوقوف في وجه حفتر أو تقويض النقاش معه في العلن.

لهذا السبب يميل غالبية من يدعمون حفتر إلى عدم الكشف عن حقيقة مواقفهم، بذريعة أنه جنرال، وحتى في حواراتهم المباشرة يقدمون التفسيرات السياسية لتمريرها، بينما لا نجد هذا الاتجاه مع السراج الذي يتم تقديمه كرجل مدني، بصرف النظر عن حجم العصابات والكتائب المسلحة والمرتزقة المحيطين به، لذلك كان من الضروري ضبط الدفة وتفعيل دور عقيلة صالح، والتوافق رضائيا بينه وبين حفتر لتسجيل هدف كبير في مرمى السراج خلال المرحلة المقبلة.

يحقق هذا التحول مجموعة كبيرة من الأهداف، أهمها التخلص من عقدة تلكؤ بعض الدول في الحوار المباشر مع جنرال أو حتى قبوله على مضض، ففي كل اللقاءات التي عقدت في مدن غربية وكان يحضرها حفتر، كانت هذه المسألة حاضرة في الخلفية السياسية، ولو لم يتم الإعلان عنها صراحة، واتسعت عقب اقتراب قوات الجيش الليبي من دخول طرابلس قبل الانسحاب في مايو الماضي، ومع تصاعد حدة الدعاية ضد الرجل بدت عملية القبول به على الصعيد الدولي غاية في الصعوبة، فجرى وضع المتاريس التركية في مواجهته لمنعه من السيطرة على طرابلس، وما يترتب عنها من خلل في توازنات القوى لصالحه تماما.

تفكيك عقد سياسية

تهيئة الأجواء لانتقال سياسي بعيدا عن ابتزاز الميليشيات
تهيئة الأجواء لانتقال سياسي بعيدا عن ابتزاز الميليشيات

فرض ابتعاد قوات الجيش الليبي عن طرابلس التعامل مع حفتر كقائد عسكري وكفى في الوقت الراهن، لأن الدول الغربية قد لا تتقبل فكرة المشاركة في تنصيبه كزعيم سياسي أيضا على رأس الدولة الليبية في هذه الأثناء، حتى لو قبلت بالتعامل مع كثيرين مثله في المنطقة، لكن فكرة الثقة في تحوله بنعومة من جنرال إلى سياسي بدت مستحيلة، كما أن الدول الغربية التي أسقطت نظام العقيد الراحل معمر القذافي بالقوة كانت ذريعتها للتخلص منه أنه عسكري ودكتاتور، فكيف تقبل بحفتر، وهو لم يحقق نصرا عسكريا حاسما يجبرها على القبول به؟

تشير الإجابة عن هذا السؤال إلى مكونات عديدة تخيم على الجسد الغربي الحافل بالازدواجية، لكن من الواجب تفهمها في ظل التعقيدات التي تمر بها الأزمة الليبية، لأن تفكيك لغز الجنرال والسياسي عملية بسيطة ومفيدة، فعندما يتقدم عقيلة صالح ويتراجع قليلا حفتر، باعتبار أن الأول هو رئيس الجسم الوحيد المنتخب والشرعي والدستوري في ليبيا من المتوقع أن تتغير المعادلة، بل وتختل لصالح فريق حفتر.

وفي مقابل جسم (أجسام) يتكون من موزاييك سياسي وعسكري تنخر فيه الخلافات، ستكون الغلبة لخصوم السراج في هذه الحالة، ويتم التعامل مع الأمر بطريقة عكسية، بمعنى أن صالح يقود فريقا منتخبا، والسراج جاء على حصان الصخيرات الذي انتهى مفعوله عمليا، وتحيط به منظمات خارجة عن القانون، ووضع الدول التي تزعم أنها تساند التحول الناعم وتقف في مواجهة تطلعات الجنرالات السياسية أمام الحقيقة، فمجلس النواب، ومقره طبرق، جسم منتخب ودستوري، في حين أن المجلس الرئاسي اختفى نصف أعضائه تقريبا في ظروف غامضة، ولم يعد لهم صوت يسمع، ويتحكم فيه بضعة أشخاص، بالتالي ستكون الغلبة لعقيلة وحفتر ومن لف لفهما من القوى الوطنية.

عقيلة صالح صوت سياسي معبر عن الشرق يواجه أصواتا متنافرة في الغرب
عقيلة صالح صوت سياسي معبر عن الشرق يواجه أصواتا متنافرة في الغرب

بدأ دور عقيلة صالح السياسي يتنامى ويقوض دور المنشقين عنه في طرابلس، وأخذ السراج وفريقه يشعرون بالخطورة، لذلك يتفننون في إطالة أمد الحرب والهروب من الالتزام بوقف إطلاق النار، وحشد المرتزقة، لأن العودة إلى محطة الحل السياسي تفضي إلى التخلص من المجلس الرئاسي والحكومة في طرابلس، والعمل بروشتة عقيلة صالح للتغيير، وما يترتب عليها من تطورات تقود إلى الاستقرار.

لا تزال التحركات الحثيثة التي تقوم بها جهات إقليمية ودولية لم تتوصل إلى تقديم تصور محدد حول مصير الأزمة الليبية. الكل يتحدثون عن التسوية السياسية دون الاقتراب من الإجراءات الحاسمة لتضع الحرب أوزارها، فحكومة الوفاق والمرتزقة الإرهابيون الذين أتت بهم تركيا يهددون ويتوعدون بمواصلة القتال ويرفضون التجاوب مع نداءات وقف إطلاق النار من قبل المجتمع الدولي، ويصرون على بقاء الأوضاع على ما هي عليه، لأن سكوت المدافع والقنابل يعني طي واحدة من الصفحات القاتمة، وفتح الباب ليمارس البرلمان مسؤوليته التي اغتصبت منه، ويهيّئ المجال لانتقال سياسي تعمل فيه مؤسسات الدولة وهي متحللة من ابتزاز الميليشيات.

Thumbnail
4