رئيس الحكومة التونسية يربك حسابات السبسي بهجوم معاكس

مازالت مبادرة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي الرامية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تواجه جملة من الصعوبات لتمريرها، لعل أبرزها تمسك رئيس الحكومة الحبيب الصيد بمنصبه ورفضه تقديم استقالته.
الاثنين 2016/07/11
لن أستقيل

تونس - وصف مراقبون تصريحات رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد التي جاءت عشية اجتماعه، الاثنين، مع الرئيس الباجي قائد السبسي، بأنها هجوم معاكس لكسر الضغوط التي تتالت لدفعه إلى الاستقالة حتى يسهل تمرير هذه المبادرة التي اصطدمت بعراقيل دستورية وأخرى مرتبطة بحسابات سياسية وحزبية.

وأربكت تلك التصريحات التي أثارت جدلا سياسيا، حسابات القصر الرئاسي وبقية الأحزاب التي تُطالب برحيل الحبيب الصيد، حيث تراجع الحديث حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ليفسح المجال أمام خيار جديد هو الاكتفاء بإدخال تعديلات جزئية على التركيبة الحالية لحكومة الصيد كمخرج للأزمة السياسية الراهنة.

وكان الحبيب الصيد قد استبق اجتماعه، الاثنين، مع الرئيس السبسي الذي سيتم قبل الاجتماع الذي سيُخصص لمناقشة التعديلات المُقترحة على وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية التي دعا إليها السبسي بحضور رؤساء المنظمات الوطنية والأحزاب المعنية بمبادرة حكومة الوحدة الوطنية، بالإشارة إلى أنه لن يخضع للضغوط وسيواصل عمله، وبالتالي لن يستقيل من منصبه.

وفي رسالة تضمنت إشارات سياسية واضحة قال الصيد في تصريحاته، “.. قد يكون لنا بعض الاختلاف حول توقيت مبادرة حكومة الوحدة الوطنية بناء على أجندة سياسية سابقة محل توافق بين الأطراف المختلفة ومحطتها البارزة ألا وهي الانتخابات البلدية القادمة”.

وفُهم من هذه الرسالة أنه سبق له أن اتفق مع الرئيس الباجي قائد السبسي على أن مهمته كرئيس للحكومة ستتواصل إلى غاية تنظيم الانتخابات البلدية (المحلية) التي يُرجح أن تتم في ربيع العام 2017، وبالتالي فإنه يعتزم البقاء في منصبه إلى غاية الانتهاء من ذلك الاستحقاق الانتخابي.

ولم يكتف الصيد بتلك الإشارة الواضحة إلى أنه ليس واردا تقديمه للاستقالة من منصبه خلال هذه الفترة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال بلغة دبلوماسية لافتة، إنه “بعد إطلاعي على وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية، أجد الكثير من نقاط الالتقاء مع برامج الحكومة الحالية وتوجهاتها إن لم يكن كلها”، ما يعني أن مبادرة الرئيس السبسي لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لم تأت بجديد.

رضا بالحاج: الصيد يتعرض لضغوط لدفعه إلى الاستقالة برفع الغطاء السياسي عنه

ويبدو أن هذه الرسائل التي تأتي مع اقتراب المهلة الممنوحة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية من نهايتها، أي في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، قد أربكت تكتيكات القصر الرئاسي، وجعلت مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تدخل في حالة الموت السريري الذي عادة ما يسبق الإعلان الرسمي عن الوفاة.

قد تجلى هذا الارتباك في تضارب مواقف مستشاري الرئيس السبسي التي جاءت في أعقاب تلك التصريحات، حيث تراجع الحديث عن إقالة أو استقالة الحبيب الصيد وتشكيل حكومة جديدة، ليحل مكانه حديث حول الإبقاء على الحكومة الحالية مع إدخال تعديلات جزئية على تركيبتها، إلى جانب الذهاب إلى البرلمان لمنحها الثقة احتراما للمسار الدستوري.

وفي هذا السياق، أكد فيصل الحفيان مستشار الرئيس السبسي، وجود شبه إجماع “على عدم إدخال تغييرات كبرى على الهيكلة الحالية للحكومة، وبالتالي الاكتفاء بتغيير جزئي، وذلك لتفادي المزيد من الخسائر”، وهو الذي سبق له أن أشار إلى أن حكومة الوحدة الوطنية ستكون بتشكيلة جديدة.

ومن جهتها، اعتبرت سعيدة قراش، المستشار الأول للرئيس السبسي المكلفة بالعلاقة مع المجتمع المدني والملفات الاجتماعية، أن “التمشي الذي تسير وفقه مبادرة حكومة الوحدة الوطنية يحترم قواعد الدستور، وأن التصويت على منح الثقة أو سحبها من الحكومة الحالية سيتم تحت قبة البرلمان”.

ويأتي هذا التأكيد، فيما حذرت العديد من الأوساط السياسية من تزايد الضغوط على رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد لدفعة إلى الاستقالة، وذلك في تحرك غير دستوري باعتبار أن سحب الثقة من رئيس الحكومة يجب أن يتم في جلسات عامة بمجلس نواب الشعب (البرلمان).

وقد أكد رضا بالحاج، القيادي في حركة نداء تونس، على تلك الضغوط، حيث أشار في نص نشره على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلى أنه في الوقت الذي يتواصل فيه الجدل حول مآل مبادرة حكومة الوحدة الوطنية، “تتواصل الضغوط للخروج من المأزق الذي تردت فيه هذه المبادرة، وذلك لدفع رئيس الحكومة إلى الاستقالة من مهامه بمقولة رفع الغطاء السياسي عنه”.

وشدد بالحاج على أن وضع حد لمهام الحكومة “لن يكون إلا من خلال آلية سحب الثقة في جلسات عامة يتابعها الشعب بمختلف أطيافه لمعرفة أسباب وخفايا سحب الثقة”، لافتا إلى أن “غير ذلك ما هو إلا دوس على الدستور وسيادة الشعب”، على حد تعبيره.

وكانت مصادر مُقربة من رئاسة الحكومة قد أشارت قبل ذلك إلى أن الحبيب الصيد يتعرض لضغوط متواصلة لدفعه إلى الاستقالة يقوم بها عدد من مبعوثي الرئيس السبسي الذين توافدوا عليه خلال الأيام القليلة الماضية في مسعى لإقناعه بالاستقالة حتى يتم تمرير مبادرة حكومة الوحدة الوطنية التي تاهت بين ثنايا الحسابات السياسية والمصالح الحزبية الضيقة، لتبقى الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، أخطرها الفراغ السياسي الذي تخشاه كافة القوى الوطنية.

4