رئيس الحكومة العراقية يفتح معركة جانبية ضدّ سلفه

رغبة إيرانية في محو بصمة رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي وتحجيم دوره المستقبلي.
الجمعة 2018/12/14
مصافحة أخيرة ثم تبدأ المنازلة

إيران التي وقفت في وجه حصول رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي على ولاية ثانية، ما تزال معنية بتحجيم الدور السياسي للرجل الذي لم تنظر إليه طيلة سنوات ترؤسه للحكومة باعتباره من ثقاتها وعدّته ضمن المحسوبين على المعسكر الأميركي، وتعمل في ضوء ذلك، وعبر وكلائها المحلّيين، على محو آثاره وتغييب بصمته.

بغداد - برز مجدّدا طغيان المزاجية وتصفية الحسابات الشخصية والحزبية على العمل الحكومي في العراق وافتقاره للاستمرارية وخضوعه لحسابات خارجية، وذلك من خلال السجال المتصاعد بشأن إلغاء حكومة رئيس الوزراء الحالي عادل عبدالمهدي لعدد من القرارات كانت قد اتّخذتها حكومة سلفه حيدر العبادي أشهرا قبل انتهاء مهامها.

وبرّرت حكومة عبدالمهدي إلغاء تلك القرارات الصادرة عن حكومة العبادي بين بداية يوليو ولغاية أواخر أكتوبر الماضيين، بأنّها غير “أصولية وغير قانونية”، معتبرة أن الحكومة التي اتخذتها كانت حكومة تصريف أعمال.

لكنّ دوائر سياسية عراقية رأت في إلغاء تلك القرارات سمات “انتقام” من رئيس الوزراء السابق بدفع من خصومه السياسيين من كبار قادة الأحزاب والميليشيات الشيعية، الذين واجههم خلال انتخابات مايو الماضي وبعدها، واختار التحالف مع خصمهم الألدّ مقتدى الصدر.

غير أنّ المسألة تتجاوز في نظر البعض مجرّد الانتقام، إلى السعي إلى تحجيم دور العبادي ومحو آثاره وتغييب بصمته، حتى لا يكون له دور مستقبلي في السياسة العراقية كونه لم يكن خلال فترة قيادته للحكومة موضع ثقة كاملة لدى إيران التي تصنّفه ضمن المعسكر الأميركي المنافس لها في العراق.

وكان العبادي من أبرز المرشّحين لخلافة نفسه على رأس الحكومة إثر الانتخابات التي جرت في مايو الماضي، مستندا إلى أبرز إنجاز حقّقه خلال ولايته متمثّلا بترميم القوات المسلّحة التي تركها سلفه نوري المالكي شبه منهارة، وقيادة الحرب على تنظيم داعش والتي انتهت بهزيمة عسكرية للتنظيم أنهت سيطرته على ما يقارب ثلث مساحة العراق.

لكنّ ترشيحه اصطدم باعتراض واضح من كبار حلفاء إيران في العراق وعلى رأسهم هادي العامري زعيم منظمة بدر، ونوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق زعيم حزب الدعوة الإسلامية، وقيس الخزعلي قائد ميليشيا عصائب أهل الحق.

وقال هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي الأسبق الذي تولّى أيضا منصب وزير للمالية في حكومة العبادي، إنّ الأخير “يؤكّد أن إيران حرمته من ولاية ثانية رغم الجهود الأميركية”، مضيفا في تغريدة على تويتر “الأميركيون لم يكونوا عمليين بما فيه الكفاية”.

وكشفت ندى شاكر جودت عضو البرلمان عن تحالف النصر بقيادة العبادي أنّ الأخير حرم من تولّي أي منصب في حكومة عبدالمهدي، بعد أن كان قد وُعد بتسلّم حقيبة الخارجية. وعلّق مصدر سياسي عراقي بالقول “إن إيران لا تنسى خصومها في العراق ولا تسامحهم”.

واصطدم العبادي بشكل مباشر مع رموز الموالاة لإيران خلال قيادته “حكومة تصريف الأعمال” من خلال اتخاذه قرارا بإقالة فالح الفياض من مناصبه كرئيس لهيئة الحشد الشعبي، ورئيس لجهاز الأمن الوطني، ومستشار للأمن الوطني.

وكان الفياض بادئ الأمر عضوا في تحالف النصر الذي قاده العبادي خلال الانتخابات، لكّنه انسلخ عنه والتحق بتحالف الفتح بقيادة العامري.

وتلقّى العبادي ضربة أولية حين أعيد الفياض إلى كلّ مناصبه بقرار “قضائي” حامت حوله الأسئلة الاعتيادية بشأن مدى استقلالية القضاء العراقي وحياديته.

وما يزال الائتلاف النيابي الذي يدعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر تحت مسمّى تحالف الإصلاح ويشارك فيه العبادي، يتصدّى لمحاولات إيران إسناد منصب وزير الداخلية للفياض. وهو أحد دوافع المعركة القائمة ضدّ العبادي وحلفائه.

وهاجم بيان أصدره رئيس الوزراء السابق إقدام حكومة سلفه على إلغاء عدد من قراراته، محذّرا من تبعات ذلك. ووصف العبادي في بيانه إلغاء القرارات بإنّه “إجراء لا يتناسب مع مفاهيم دولة المؤسسات التي يجب أن يسير عليها البلد”.

وأضاف “نؤكد أن ما قام به مجلس الوزراء يعتبر سابقة خطرة تؤسس لحالة إرباك تتمثّل بإيقاف عمل الحكومة كليّا وعدم اتخاذها أي قرار بعد إجراء الانتخابات، ويمكن أن يمتد الأمر إلى إلغاء كل قرارات الحكومة السابقة من قبل اللاحقة”، معتبرا أن “ذلك يمثّل تعطيلا لمصالح المواطنين وستعاني الحكومة الحالية التي اتخذت هذا القرار منه لأنه سيمثّل طعنا بقراراتها الحالية خصوصا وأنها حكومة منقوصة العدد (من ثماني وزارات) ومطعون في بعض وزرائها كما أن آلية اختيارها شابتها مخالفات دستورية”.

كما شدّد العبادي في بيانه على “إبعاد الأمور السياسية عن مصالح المواطنين”، محذرا من “أن هكذا قرارات غير مدروسة ويغلب عليها الطابع السياسي والمصالح الضيقة وستؤدي لحالة فوضى في العمل الحكومي”.

وردّ رئيس الوزراء الحالي عادل عبدالمهدي على سلفه -دون أن يسميه- ببيان صادر عن مكتبه الإعلامي كشفت بدايته طبيعة العلاقة المتوتّرة بين الرجلين حيث استخدم عبارات “اللغط” و“الانفعال” و“عدم الدقة” و“السعي لإثارة العواطف” لتوصيف ما ورد ببيان حيدر العبادي.

جاء في بيان مكتب عبدالمهدي أنّ الأمر لا يتعلّق بإلغاء قرارات بل بمراجعتها “لتأكيد وتثبيت القرارات الأصولية وما يحقق مصلحة المواطن والمصلحة العامة.. وإيقاف القرارات غير الأصولية وغير القانونية”.

ودخل تحالف البناء المؤلّف من كتل وأحزاب مقرّبة من إيران على خطّ السجال بين العبادي وعبدالمهدي.

واتهم النائب عن التحالف عبدالهادي السعداوي، حيدر العبادي باستغلال الفراغ الدستوري الذي حدث بعد حل البرلمان وبقاء الحكومة في عملها، واعتبر في تصريح تناقلته مواقع عراقية أن “الكثير من القرارات التي أصدرها العبادي هي لتمرير رغبات شخصية وحزبية بمعاقبة شخصيات أو مكافأة أخرى”، واصفا القرارات التي صدرت من العبادي في تلك الفترة بأنّها “قرارات معروفة ومقصودة تتميز بالعنف السياسي الذي استخدمه ضد بعض الشخصيات التي خالفته ومنعته من تولي الولاية الثانية”.

3