رئيس الفرص الضائعة.. محاكمة مرسي تؤكد فشل المشروع الإخواني

الخميس 2013/11/07
الإخوان جنوا على أنفسهم

الكاتب الصحفي ياسر ثابت تناول المشهد السياسي في مصر في فترة حكم الرئيس الإسلامي المعزول محمد مرسي، من خلال قراءة موثقة وتفاصيل عن تجربة حكم الإخوان المسلمين، والأحداث التي وقعت خلال تلك الشهور المفصلية التي أسست لمرحلة انتقالية جديدة.

وثق الكاتب ياسر ثابت في كتابه «رئيس الفرص الضائعة: مرسي بين مصر والجماعة» الأحداث السياسية على الساحة المصرية وما أفرزته من تداعيات سلبية سياسيا واقتصاديا. وتحمل فصول الكتاب، الصادر حديثـا عن دار الكتب، عناوين دالة، مثل «حروب الدستور» حول معركة إصدار دستور إقصائي لا يتبنى مفهوم التوافق المجتمعي في عام 2012، و»ما يريده الجيش» الذي يتناول العلاقة المتوترة بين الجماعة والمؤسسة العسكرية خلال العام المذكور، و»معركة الفضائيات» الذي يرصد مطاردة الجماعة للعاملين في حقل الإعلام بطرق مختلفة، و»دواء أخطر من الداء» الذي يقدم صورة لأعمال العنف التي تورط فيها أنصار الإخوان ضدّ معارضيهم.

"شرعية" مرسي و إخوانه


في فصل بعنوان «كل وقت وله أذان»، يقول ثابت إن جلوس مرسي على كرسي الرئاسة جعله يبدأ مرحلة جديدة من تناقضات الخطاب. فبعد أن كان يمتدح قيادات الحزب الوطني الحاكم سابقـا ويصفهم بالرموز الوطنية في تصريحات صحفية، تحوّلوا في خطاب 26 يونيو 2013 إلى مجرمين. وبعد إتاحة الوقت له في الفضائيات أثناء ترشحه للرئاسة، عاد واتهم هذه القنوات باستهداف النظام وبأن أصحابها متهربون من الضرائب، وهاجم حسن عبدالرحمن، رئيس جهاز أمن الدولة السابق، رغم أنه أكد أن لديهم (جماعة الإخوان) قبل الثورة تفاهمات مع الأمن.

كما أكثر مرسي في خطبه من استهلاك كلمة الشرعية، كأنها سيفه ودرعه في وجه معارضيه، ونسي ما جرى من ممارسات خاطئة خلال عامه الأول والأخير في الحكم، تحدث الرئيس المعزول عن الشرعية حين احتاجها، لكنه وصم عهده بأنه الرئيس الذي لم يحترم شرعية المنصب ولا شرعية باقي مؤسسات الدولة في شيء.

ففي يوم 8 يوليو، اعتدى الرئيس «المنتخب» على حكم للمحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وقرر إعادة هذا المجلس قبل أن يضطر إلى التراجع عن القرار.

وفي 12 أغسطس 2012، قرر إلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي أقسم على احترامه يوم أدائه لليمين الدستورية رئيسـا للبلاد لتمرير أجندة الجماعة على حساب مصلحة مصر العليا، وواصل بأخطائه الجسيمة حفر فجوة عميقة بينه وبين عامة المواطنين، مرة تلو الأخرى، حتى استنفد مرات الرسوب.

سقوط الجماعة بالضربة القاضية

وبذلك أهدر مرسي الفرصة التاريخية التي أتيحت له ولجماعته للمشاركة في حكم مصر بجبهة وطنية عريضة، تعمل على إعادة مصر إلى موقعها الطبيعي في قيادة أمتها العربية وفي دورها الريادي الذي تستحقه في محيطها.


تآكل الدولة الوطنية


توهم قادة جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولهم إلى السلطة بمصادفة قدرية أن مصر دانت لهم، ونسوا أن صندوق الانتخابات ليس المنتهى في الديمقراطية، وأنه ليس أكثر من فاتحة تتلوها أفعال كثيرة أهمّ بكثير من الأصوات التي تمّ حصدها. وبان منهم التعالي والإقصاء، والكذب والمراوغة والإنكار، ووجدناهم يستقوون على شعبهم بقوى التعصب من الظلاميين الجدد، فإذا بهم يُكفّرون معارضيهم ويُلوثون سمعتهم، ويحنثون بالقسم ويخلفون الوعد والعهد، حتى تصدّى لهم الشعب الذي ظل -رغم كل شيء- على حيويته وجرأته وكبريائه.

وفي ظل مرحلة تآكل الدولة الوطنية وانهيار سيادتها، والسقوط في فخ المذهبية والطائفية، أراد بعض أصحاب النظر العليل والكليل، ممن يرعون مصالح التنظيم والجماعة، دون مصلحة الأوطان والدول، أن يكون شعب مصر ضمير الغائب والمنسي، إلا في مواسم الانتخابات وطقوس الاستفتاءات.

سقوط الجماعة

أسقط الشعب حُكم الإخوان كمشروع للتغيير في الوطن العربي، وخرج عن بكرة أبيه تعبيرا عن الرفض المطلق لديكتاتورية حُكم الحزب الواحد، ورفض الطروحات التي تستغل الشعار الديني لتكفير المعارضين، أي الأكثرية الساحقة من المصريين. وبدل مراجعة الذات لتدارس أسباب فشلهم في تجربة الحُكم، تفرغ الإخوان المسلمون لصناعة المظلومية، والبكاء على أطلال السلطة، واستعادة الشعور بالاضطهاد، والحديث عن مؤامرة عليهم، مع التحريض على ارتكاب أعمال عنف حينـا والتورط في جرائم قتل وسحل وتعذيب العشرات من خصومهم حينـا آخر.

لقد أساء هذا التنظيم قراءة ضمير الشعب المصري، وواصل التصرف بعقلية مرحلة العمل السري، واستدعى رموز العنف التاريخي ليجددوا العهد والقدرة ويلوحوا بالعنف ويهددوا عموم المصريين، حتى سقطت الجماعة سقوطـا مروعـا، بعد أن قرر الشعب استنقاذ مصر من حُكم التنظيم الذي يصر على أن يبقى في العتمة، وتمرد على حاكم نسي أن المصادفات أوصلته إلى الرئاسة، وأنه انتُخِبَ بالاضطرار وليس بالانضباط الحزبي، وأن أكثر من نصف الذين اقترعوا له فعلوا ذلك مرغمين، منعـا لوصول منافسه إلى سدة الحكم.

والحقيقة التي تؤكدها الوقائع الثابتة، أنه طرأ تغيير عميق على رؤية العامة لتيار «الإسلام السياسي»، بدءا من فترة إدارة المجلس العسكري شؤون البلاد، وصولا إلى انتخاب محمد مرسي كأول رئيس مدني للبلاد. فقد اتضحت الهوة بين الشعار والتطبيق، وبدا الانحياز للأهل والعشيرة فاضحـا، وسوء الإدارة فادحـا. كما ثبت بالدليل القاطع أن ممارسات جماعة الحُكم في عهد الإخوان تُبدد مكتسبات الثورة، فلا الحريات تكرّست، ولا الكرامة تحققت، ولا فرص العمل توفرت ولا العدالة تجسّدت، ولا غضب الشباب المهمّش تمّ احتواؤه، ولا الكرامة الإنسانية جرى إعلاؤها عملا لا قولا.

ياسر ثابت:
«توهم قادة جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولهم إلى السلطة بمصادفة قدرية أن مصر دانت لهم، ونسوا أن صندوق الانتخابات ليس المنتهى في الديمقراطية، وأنه ليس أكثر من فاتحة تتلوها أفعال كثيرة أهم بكثير من الأصوات التي تم حصدها».


حكم فاشل


هكذا بدأ نزع الأساطير المؤسسة لحُكم الإخوان المسلمين، لقد أسهموا في التعجيل بطي صفحة الجماعة كقوة مؤهلة للحُكم، فلا هم عرفوا كيف يحكمون، ولا هم عرفوا بعد سقوطهم المدوي كيف يراجعون تجربتهم، بعدما اكتووا بنيران الحُكم الذي فشلوا في أن يسوسوه، إلى أن عزلتهم قيادة الجيش بدعم شعبي. شهدنا على مدى عام كامل من حُكم الرئيس المعزول محمد مرسي، غياب الكفاءة في إدارة شؤون الدولة، وإقصاء الآخر وعدم القدرة على مدّ جسور التعاون مع المختلفين سياسيـا وفكريـا، والعجز عن إجراء الإصلاحات اللازمة لمؤسسات الدولة المختلفة.

وازدادت حالة عدم اليقين السياسي وضعف الاقتصاد في مصر، بعد أن وقفنا عند لحظة صراع بائسة تشتبك مع الماضي بدلا من البحث عن المستقبل، وهو ما دفع أغلبية المصريين إلى الإحساس بمشاعر سلبية والاكتئاب بشأن طريقهم نحو الديمقراطية، وسط تراجع إمكانية ممارسة السياسة المسؤولة. وعبر أحداث وتجارب متلاحقة، راود المصريين شكٌ في أن دفة الحُكم تمتد من مقر الجماعة في المقطم إلى قصر الاتحادية، حيث الرئيس وجهازه الرئاسي.

وقد ظل مرسي يرفع المعاندة شعارا في قضايا مختلفة بشكل مستفز، يشتت العقل الجمعي المصري ويهدر جهود التخطيط من أجل المستقبل. هناك مثلا، وزير الثقافة المفروض، المرفوض من الشارع الثقافي، الذي كان محور معركة أخرى لا لزوم لها اضطر إلى خوضها المصريون، الذين استنزفتهم الحروب على جبهات عدة. هناك أيضـا أزمة تعيين أحد قيادات «الجماعة الإسلامية»، التي ارتكبت مذبحة السياح الأجانب في الأقصر عام 1997، محافظـا عليها، قبل أن يثبت الرجل وجماعته أنهم أعقل من الإخوان، بالاستقالة من المنصب. ولا حاجة لنا إلى القول إن ما أصاب الجماعة الوطنية المصرية من تصدعات خلال عهد مرسي مهّد الطريق إلى صدام مجتمعي وانقسام سياسي وتشاحن وصل إلى درجة الاقتتال، ليكتوي المصريون بنيران اللدد في الخصومة.

في مرآة الأحداث، تشكلت ملامح الرئيس السابق محمد مرسي على أنه رجلٌ في أزمة، لكنه لا يتصرف وفق مقتضياتها. في شهور حُكمه، تساقطت الدولة مثل قطع الليل المظلم، لكنه لم يكن يكف عن الحديث حول إنجازاته، وفي ذلك مغالطة جسيمة، «فالأثر في النهاية كاف للدلالة على المسير.

6