رئيس الوزراء الجزائري الأسبق في مهمة مستحيلة

السبت 2014/03/15
علي بن فليس وفاقيٌ بين جيلي الثورة والاستقلال

الجزائر - تشاء الأقدار أن يكون رئيس الوزراء الجزائري الأسبق علي بن فليس وجها لوجه من جديد مع الرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في السابع عشر من أبريل القادم، لتعيد إلى الأذهان وبعد مرور عشر سنوات سيناريو رئاسيات 2004.

دخل إذن ابن فليس على الخط وأودع رسميا ملف ترشحه في المجلس الدستوري، طالبا من الجزائريين التعاون معه من أجل “أخلقة” الدولة واستقلال القضاء وإطلاق الحريات وبعث شرعية جديدة هي العمل والكفاءة، منتقدا العشائرية والجهوية وأيضا الرشوة السياسية التي تضمن اللاعقاب وتلحق الأذى بالمال العام.

لكن جل الملاحظين يرون أن الوضع صعب للغاية وأن المعادلات السياسية ستجعل الأمور غائمة نسبيا وأن ابن فليس في تنافسه مع بوتفليقة نحو قصر المرادية لن تكون الطريق أمامه سالكة وستنعكس تلك المنافسة على حزب جبهة التحرير الوطني نفسه في ظل وجود أنصار ابن فليس في اللجنة المركزية للحزب.

ورغم ذلك الوضع التنافسي الصعب فإن علي بن فليس مصر على المضي قدما في السباق الرئاسي ولن تتمكن أية قوة في جعله يعدل عن ترشحه، وهذا ما يجعل شخصيته تثير الفضول لتجعلنا نعود إلى تتبع مساره السياسي.

ولد علي بن فليس في 8 أيلول سنة 1944 بمدينة باتنة عاصمة منطقة الأوراس بالشرق الجزائري، وهو متحصل على شهادة الليسانس في الحقوق.

شغل ابن فليس منصب قاض بمحكمة البليدة، ثم أصبح قاضيا منتدبا بالإدارة المركزية في وزارة العدل حيث كان مديرا فرعيا مكلفا بالطفولة الجانحة. ليتقلد بعد ذلك وظيفة وكيل جمهورية لدى محكمة باتنة وذلك قبل أن يصبح نائبا عاما لدى مجلس قضاء قسنطينة

مارس الرجل مهنة المحاماة بمدينة باتنة، وانتخب نقيبا لمنظمة محامي منطقتها، وفي نفس الفترة كان عضو اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني للمنظمة الوطنية للمحامين.و في سنة 1987 انتخب للمرة الثانية نقيبا لمحامي باتنة إلى حـين تعـيينه وزيـرا للعـدل.

تعـد الفترة التي قـضاها علي بن فليس على رأس وزارة العدل “الفترة المتميزة” للعـدالة في الجـزائر، وعيـن ابن فليس بعد ذلك رئيـسا للحكومة لمرتين، إلى أن أنـهيت مـهامـه سنة 2003. و بعد الإعـلان عن نـتائج الاستحـقاقات الرئاسـية للثامن من شهر أبريل 2004 ، أعلن تسليم عهدته كأمين عام لحزب جبهة التحـرير الوطني، و ذلك بعد شجـبه للتزوير الشامل الذي شـاب الانتـخابات و توظـيف العـدالة من قبـل السلـطة التنفيذية و استـعمال المـال العـام لأغـراض انتـخابية .

هذا المسار المهني والسياسي أكسبه دراية واسعة بالواقع الجزائري، وها هو اليوم يطمح إلى استغلال تجربته السياسية للوصول إلى كرسي الرئاسة وتحقيق البعض من أحلامه.

يؤكد علي بن فليس على أنه لن يدخر جهدا من أجل أن تحترم إرادة الشعب الجزائري، وأن يتكبد المزورون والجاحدون لحق الجزائري والجزائرية في المواطنة هزيمة نكراء


برنامجه الانتخابي


يحاول ابن فليس منذ فترة التسويق لنفسه من خلال الحديث عن معالم برنامجه الانتخابي حيث تحدث عن خطط في مجال الاقتصاد والتربية والفلاحة والدبلوماسية، وخاض في مسائل الرشوة والمحسوبية التي انتقدها واعتبرها من المظاهر ازدادت في السنوات العشر الأخيرة، كما وجه سهام نقده إلى مؤسسات الدولة، حيث قال “من المشروع أن تثير الوضعية السياسية الحالية لدى الجزائريين مخاوفهم حيال السير الطبيعي لمؤسسات الجمهورية”، ويرى أن الحل لذلك هو دولة العدل الكفيلة بضمان السلم وتكافؤ الفرص.

كما حاول من خلال أحاديثه المتكررة على الواقع الجزائري توصيف الحالة معتبرا أن الرشوة أضحت ظاهرة يومية لم تستثن أية خدمة قاعدية مهما صغرت، وأن المشكل لا يكمن في الرشوة الإدارية بل في الرشوة السياسية أيضا، ووصفها بالقول: “تلك الرشوة التي تضمن اللاعقاب وتمس باستقلال العدالة وتلحق الأذى بالمال العام، مال الشعب الجزائري”. وتوعد بمحاربة الظاهرة وملاحقة “الراشين والمرتشين”.

كما وعد الجزائريين بقول الحقيقة وبعدم توزيع وعود واهية، فزمن الرجل المعجزة قد ولّى ولا يمكن لأحد أن يعد بتحقيق المعجزات، وأنه لن يوجه أي من قراراته سوى إلى المصلحة العليا للوطن، ولن تكون قراراته ديماغوجية أو انتهازية أو مبنية على المحسوبية.

كما تعهد ابن فليس أن يكون ضامنا مثاليا لعمل مؤسسات قوية ذات مصداقية، لكنه في نفس الوقت لمح لنبذ عقلية الانتقام التي يسوقها عنه بعض أنصار الرئيس حين قال: “لم أكن يوما من أنصار تقسيم الجزائريين إلى عدو وصديق، إن أعدائي هم أعداء الشعب الجزائري قاطبة، على غرار البطالة والفقر والظلم ويا لها من ظواهر شريرة تحرم المرء كرامته”.

وحين تحدث عن الحريات الفردية والجماعية رأى أنها الضامن الوحيد لاستقرار البلاد، مشيرا إلى الاعلام ووضعه قائلا: “إن الحق في الإعلام وفي حرية التعبير لا يحتمل إطلاقا أن يتعرض إلى أي نوع من العراقيل سواء أكانت سياسية أم إدارية، وأن الأحزاب السياسية والجمعيات وجب أن تكون في منأى عن الضغوط السياسية والعراقيل الإدارية”.

والملف الوحيد من منجزات بوتفليقة فيما يبدو الذي وعد ابن فليس بأن يبني عليه مشروعه دون أن يكون له ضير منه هو المصالحة الوطنية، حيث إلتزم على ضوء قانون الرحمة والوئام والمصالحة بأن تتحمل الدولة كامل واجباتها القانونية.

على الصعيد الدولي تعهد ابن فليس بالبحث عن تحقيق اندماج مغاربي ووعد بعلاقات ثنائية مع دول أفريقيا ونصرة غير منقطعة للقضية الفلسطينية.

كما أنه يطمح بعد فوزه في الرئاسيات، إلى تعديل الدستور للفصل النهائي بين السلطات وتجسيد دولة القانون، وأن يشرك في تعديله المعارضة والموالاة في مشاورات تدوم سنة ونصف.

هذه الوعود الانتخابية تبقى مجرد أمنيات في انتظار أن تحسم الانتخابات القادمة التنافس بينه وبين بوتفليقة.

الوضع الحالي للجزائر لا يسمح لها بأن تلعب دورا رياديا، خصوصا مع الرهانات الحاصلة والتي تخص أساسا الوضع العربي المتردي بعد الثورات التي أطاحت بعدة أنظمة


المساندة


رغم أن الرئيس بوتفليقة يحظى بمساندة من طرف عديد الأطراف إلا أن ابن فليس لديه إمكانات عديدة ليحول المعادلة الانتخابية نحوه فهو أيضا يتمتع بمساندة عدة أطراف التي تدفع به نحو قصر المرادية.

فقد أعلن عضو المجلس الوطني للثورة سابقا، العقيد أحمد بن شريف، دعمه للمترشح للرئاسة المقبلة علي بن فليس، وذكر ابن شريف في رسالة عنوانها “اختياري”، “أن جيلنا حرر البلاد وأوفى بمهمته واستكمل ذلك بتشييد مؤسسات الدولة، مضيفا أن الشباب اليوم يطمح إلى التغيير والشفافية التامة، في معالجة قضاياه ومصيره، وقد آن الأوان لتسليم المشعل للجيل الصاعد. وأنا آمنت بذلك منذ زمن طويل وانسحبت لترك المجال للكفاءات والشباب، رغم إلحاح الكثيرين بالعودة (إلى السلطة)، إلا أنني بقيت متشبثا بموقفي”.

وتابع قائد جهاز الدرك سابقا أنه بعد تمعن طويل في الساحة السياسية والمتقدمين للترشح للرئاسة في أفريل 2014، فإنني رأيت في شخص علي بن فليس صفات الكفاءة والقدرة والتجربة، والبرنامج الطموح الذي يتوافق مع ما يريده الشعب الجزائري. فهو رجل المرحلة. وختم العقيد رسالته أن آمال الشباب الجزائري مشروعة، داعيا رفاقه في السلاح سابقا، وجميع فئات الشعب أن يقفوا وراء المسعى الذي أعلنه بتأييد ابن فليس.

كما أعلن وزير الاتصال والثقافة سابقا عبد العزيز رحابي عن مساندته للمرشح علي بن فليس في انتخابات الرئاسة في أبريل المقبل، وشدد بأن هذا الخيار مرده أن الوزير السابق يمثل أفضل الضمانات لتساوي حقوق المواطنين، وحاميا للاستقرار والتناسق الاجتماعي.

وذكر رحابي في رسالة أنه ينضم إلى دعوة علي بن فليس من أجل انتقال توافقي سلس، يستشار فيه الجزائريون ويسمع لصوتهم وهم فيه طرف لا غنى عنه في كل القرارات التي تتخذها الحكومة، وقال إني أحيي نضال علي بن فليس ودفاعه عن حقوق الإنسان، والتزامه باستقلالية العدالة واحترام حقوق الدفاع والمتقاضين.

من جهته أعلن علي راشدي عبد السلام رئيس حزب السبيل غير المعتمد في بيان أيضا مساندته لبن فليس، وقال إن هذا الموقف يشاطره فيه مناضلو وإطارات الحزب إلى جانب أصدقائه في التيار الديمقراطي.

وكشفت مصادر مطلعة من حزب جبهة التحرير الوطني، أن ما يناهز 100 عضو من اللجنة المركزية يحضرون للجهر بدعمهم للمرشح علي بن فليس، في بيان يضم أسماءهم وتوقيعاتهم، ليقاسم مرشح الحزب عبد العزيز بوتفليقة.

وأعلنت 21 هيئة من بينها 18 حزبا سياسيا ومنظمات للمجتمع المدني مساندتها ودعمها لترشح رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس لرئاسيات 2014، مبررة اختيارها بقدرته على توحيد صفوف الجزائريين، باعتباره من أسرة الشهداء، كما أنه رجل وفاق وطني، يجمع بين جيلي الثورة والاستقلال، كما أعلنوا عن ميلاد تكتل وطني يجمع مختلف التشكيلات ويهدف إلى تحقيق دولة الحق والقانون.

هذه المساندة ستجعل ابن فليس يقف في وجه بوتفليقة وكله أمل في تحقيق الأحلام والأماني التي وضعها فيه كل من عبر عن دعمه ووقوفه إلى جانبه.


مواقفه


الأصوات المساندة ستجعل المسؤولية كبيرة عند ابن فليس الرجل الذي يملك عدة مواقف سابقة وخاصة مواقفه في المرحلة الحالية التي تمر بها الجزائر بعد أن أعلن نفسه منافسا لبوتفليقة، فقد حذرالذين يريدون السطو على إرادة الشعب وسرقة أصواته. فأنصاره قد طلبوا منه إبلاغ رئيس المجلس الدستوري عدم التنازل عن حقوقهم، و لا بد للمجلس الدستوري من أن يكون حاميا لأصوات كل المترشحين، وهو تحذير ينم على أن ابن فليس على دراية بالمناخ السياسي الذي يطبع مجريات هذا الموعد الهام وبكل المناورات المشبوهة التي هو عرضة لها.

ويعتبر المرشح القادم أن الوضع الحالي للجزائر لا يسمح لها بأن تلعب دورا رياديا، خصوصا مع الرهانات الحاصلة التي تخص أساسا الوضع العربي المتردي بعد الثورات التي أطاحت بعدة أنظمة حكم، وأن هزيمته في الانتخابات الرئاسية التي كان فيها وجها لوجه مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كانت مبرمجة وقد استفاد من كل الدروس والأخطاء.

كما اتهم رئيس الحكومة الأسبق السلطات باستغلال سجل الحالة المدنية لجمع التوقيعات لصالح المرشح عبد العزيز بوتفليقة، محذرا رئيس المجلس الدستوري من أي تزوير أو تلاعب يلحق باستمارات التوقيعات الخاصة به، قائلا: “اللهم فاشهد أني قد بلغت حتى لا يكتب هذا التصرف كوصمة عار ولكي لا تصنف هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر في خانة الفرص الضائعة”.

وهدد ابن فليس بعدم التسامح هذه المرة بشأن أي تلاعب بأصوات الناخبين، بخلاف موقفه المهادن بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2004 والتي شكك فيها أيضا.

ودعا إلى أنه لا يجب أن يقتصر الأمر فقط على التنديد بل يجب أن يتجند الجميع ضد الانزلاقات الخطيرة التي تطال كل مناخ الحياة السياسية.

وأنه لن يدخر جهدا ولا طاقة من أجل أن تحترم إرادة الشعب الجزائري، وأن يتكبد المزورون والجاحدون لحق الجزائري والجزائرية في المواطنة هزيمة نكراء.

ويذهب مراقبون إلى أنه رغم المساندة التي يلقاها ابن فليس وبرغم الحماسة البادية عليه فإن سيناريو 2004 سيتكرر وسترجح كفة بوتفليقة لعدة اعتبارات من بينها أن الرئيس بوتفليقة قد عين رجاله في مختلف مواقع حسم الصراع بداية برئيس اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات عبد المالك سلال ورئيس المجلس الدستوري مراد مدلسي الذي يقر بصحة الانتخابات من عدمها. وصولا إلى وزير العدل وحافظ الاختام الطيب لوح ووزير الداخلية والجماعات المحلية الطيب بلعيز الذي يتولى مسؤولية الإدارة المشرفة على الانتخابات.

في المقابل يوجد ابن فليس في موقع أقل قوة عن موعد 2004 رغم تمكنه من تنصيب لجان مساندة ومديريات حملته الانتخابية، حيث أنه فقد الصفة التي كانت له سابقا وهو أمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني. لكنه قد يستثمر هذه المرة الصراع بين بوتفليقة ورئيس جهاز المخابرات الفريق محمد مدين المدعو “توفيق”.

المعركة الانتخابية إذن قد تكون حسمت لصالح بوتفليقة وفق ما يعتقد البعض، غير أن ابن فليس لا يزال يؤمن أن الزمن تغير وأنه الآن على دراية بكل الدسائس والمؤامرات التي تحاك ولن يسمح بها، فهل يقدر على الوقوف في وجه الآلة الانتخابية لبوتفليقة ويحدث المفاجأة؟

12