رئيس الوزراء الجزائري يحصّن موقع تبون بعد غيابه المقلق

تجميد التعيينات في المناصب الحكومية تعدّ خطوة استباقية لقطع الطريق على أي تجاذبات داخلية تستغل غياب تبون.
السبت 2020/11/21
الجزائر على مشارف أزمة سياسية جديدة

الجزائر – أصدر رئيس الوزراء الجزائري عبدالعزيز جراد، قرارا يمنع بموجبه أي تعيين أو تنحية في المناصب الحكومية حتى إشعار آخر، وتم توجيه الإجراء إلى مختلف الوزارات والمؤسسات والهيئات الرسمية المحلية، الأمر الذي يكرس حالة الشلل التي تخيّم على البلاد.

وتزامن قرار رئيس الوزراء الذي نزل دون تقديم توضيحات أو تبريرات مع الغياب المستمر لرئيس البلاد عبدالمجيد تبون عن قصر المرادية لنحو شهر، لأسباب صحيحة باتت تثير القلق حول المستقبل السياسي لأعلى مؤسسة رسمية وتغذي الشائعات حول الوضع الصحي الحقيقي للرجل.

ويرى متابعون أن جراد، أراد بهذا القرار قطع الطريق على أي تجاذبات داخلية تستغل شلل مؤسسة الرئاسة وغياب الرئيس عن منصبه، لبعث صراع التوازنات والولاءات داخل المؤسسات الحكومية، الأمر الذي يكرس حالة من عدم الاستقرار وإمكانية عودة ما كان يعرف بـ”القوى غير الدستورية” التي أدارت شؤون البلاد طيلة سنوات كاملة خلال عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وتجاوز غياب الرئيس تبون شهره الأول منذ الإعلان عن تأجيل اجتماع مجلس الوزراء في منتصف شهر أكتوبر الماضي، وسط غموض غذته الشائعات بشكل أعاد الأجواء التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية، بسبب الوضع الصحي للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وتحولت البيانات المقتضبة لرئاسة الجمهورية إلى مصدر حقيقي لقلق الجزائريين، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية التي تعيشها المنطقة، وتمركز سلطة القرار بموجب دستور البلاد في يد رئيس الجمهورية، خاصة وأن الإعلان عن إصابة الرجل بوباء كورونا لم يكن مبررا كافيا لغيابه طول هذه المدة.

وكان آخر بيان لمديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية الصادر مؤخرا، قد أعلن عن “إكمال الرئيس تبون لبروتوكول العلاج من إصابة كوفيد – 19، ولم يبق له إلا بعض الفحوصات”، لكن عدم ظهور الرجل في صور أو تسجيل جعل مضمون تلك البيانات عديم المصداقية، وأعاد إنتاج نفس الأساليب التي كانت تدار بها الأزمة الصحية للرئيس بوتفليقة.

البيانات المقتضبة لرئاسة الجمهورية تحولت إلى مصدر حقيقي لقلق الجزائريين، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية التي تعيشها المنطقة

وصرح رئيس الغرفة الأولى للبرلمان (المجلس الشعبي الوطني) سليمان شنين، على هامش الجلسات المخصصة لمناقشة قانون المالية للعام الجديد، بأن “الجزائر تمر بظروف صعبة تكرسها الأوضاع في الحدود الإقليمية التي باتت مصدر قلق حقيقيا وأن الرئيس تبون سيعود قريبا”.

ومع عدم إعطاء الرجل الثالث في الدولة موعدا محددا أو نسبيا لعودة رئيس الجمهورية، يستمر الغموض والقلق في الشارع الجزائري، حول إمكانية دخول البلاد مجددا في فراغ مؤسساتي وسياسي هي في غنى عنه، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها خلال العامين الأخيرين.

وحمل قرار رئيس الوزراء بتجميد التعيينات والتنحيات في المناصب الحكومية، دلالات سياسية عن خطوة استباقية تستهدف قطع الطريق على أي تجاذبات داخلية تستغل غياب رئيس الدولية، لإمالة كفة الولاءات والتوازنات لصالحها تحسبا لتثبيت ثقلها في المشهد العام للبلاد.

وعاد الحديث في بعض الدوائر السياسية الجزائرية عن تفعيل البند 102 من الدستور الذي يعالج أزمة الفراغ في مؤسسة الرئاسة في ظل الغياب المقلق لرئيس الجمهورية عن منصبه، تفاديا لأي سيناريو مشابه لما وقع مع الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بين 2014 و2019.

وتبقى المبادرة في مثل هذه الحالات بيد البرلمان والمجلس الدستوري، وهما المخولان دستوريا بمعاينة الوضع الصحي الحقيقي للرجل، وإثبات حالة العجز عن أداء المهام الدستورية، قبل الدخول في مرحلة انتقالية يديرها لمدة 45 يوما رئيس الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الأمة) ويشرف على تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة.

وينتظر أن تكشف الأسابيع القادمة عن الوضع الصحي الحقيقي للرئيس تبون، مع اقتراب عدة استحقاقات سياسية وإدارية تنتظر تزكية شخصية من رئيس الجمهورية، ويتعلق الأمر بقانون المالية للعام 2021، الذي يستوجب مصادقة تبون قبل نهاية العام الجاري إلى جانب مصادقته على الدستور الجديد، في غضون 50 يوما بداية من يوم الاستفتاء الشعبي، وهو ما لا يتعدى يوم الـ20 من شهر ديسمبر القادم.

وكان تبون (75 عاما) قد انتخب رئيسا للبلاد في استحقاق مثير للجدل في الـ12 ديسمبر الماضي، بعد أزيد من عام من الاحتجاجات السياسية المطالبة بالرحيل الكلي للنظام والتغيير السياسي الشامل، وتعهد خلالها بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة تلبية لمطالب ما وصفه في خطبه وتصريحاته بـ”الحراك المبارك”.

وشرع منذ اعتلائه سدة الرئاسة في مراجعة العديد من الملفات، على رأسها تصفية تركة الرجل القوي في مرحلة الفراغ المؤسساتي، قائد أركان الجيش السابق الجنرال الراحل أحمد قايد صالح، وهي المراجعة التي كرّست استمرار لعبة الصراع بين أجنحة النظام المفضية تباعا إلى ضحايا ومنتصرين.

4