رئيس الوزراء العراقي المكلف يستميل إيران بورقة العقوبات الأميركية

عدنان الزرفي يلوح لطهران بعدم تغيير الموقف الرسمي العراقي الرافض للعقوبات، فيما لا يُظهر صقور الموالاة لإيران بوادر لين في موقفهم من رئيس الوزراء المكلّف.
الاثنين 2020/03/30
كورونا دخل بقوة على خط التأثير في المجريات السياسية

رئيس الوزراء العراقي المكلّف عدنان الزرفي يوجّه رسالة سياسية مبطّنة لإيران المعترضة على توليه تشكيل حكومة عراقية جديدة، مفادها أن تولّيه زمام السلطة في بلاده لن يكون عاملا سلبيا بالمطلق لطهران، وأنّ وجوده في أهم موقع تنفيذي بالدولة العراقية قد يتيح له إمكانية لعب دور ما في رفع العقوبات الأميركية الشديدة التي تسببّت بمتاعب كبيرة للنظام الإيراني.

بغداد - يحاول رئيس الوزراء العراقي المكلّف عدنان الزرفي اللّعب على وتر إيراني حسّاس، في محاولته إزالة الفيتو المرفوع من قبل طهران على تكليفه بتشكيل حكومة عراقية جديدة والمعبّر عنه من قبل حلفائها العراقيين من قادة أحزاب وميليشيات مسلّحة، على خلفية اتهامه بموالاة واشنطن.

وأثار الزرفي موضوع العقوبات الأميركية الشديدة المفروضة على إيران داعيا إلى رفعها لأسباب إنسانية تتعلّق بمواجهة فايروس كورونا، الأمر الذي قرأ فيه متابعون للشأن العراقي تلويحا لطهران بإمكانية أن يلعب الرجل في حال سهّل الإيرانيون طريق وصوله إلى موقع رئاسة الحكومة ببلاده، دورا في التوسّط لدى واشنطن لرفع العقوبات الموجعة عن طهران.

وجاء انتقاد الزرفي للعقوبات بمثابة طمأنة لإيران بشأن عدم نيّته تغيير الموقف الرسمي العراقي المعلن من قبل حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي والرافض لتلك العقوبات وللالتزام بها.

وقال الزرفي إنّ “مساعدة إيران في مواجهة تفشي فايروس كورونا ستساهم في منع كارثة إنسانية يعاني منها الشعب هناك بشكل مخيف، فضلا عن التقليل من التداعيات السلبية على الجار العراق”.

وأضاف في تغريدات نشرها، الأحد، عبر حسابه في تويتر أنّ “على المجتمع الدولي مساعدتهم (الإيرانيين) برفع أو تخفيف العقوبات وتوفير العلاجات الطبية لما لذلك من تداعيات صحية وأمنية على العراق كونه الجار الأكثر ارتباطا بالجمهورية الإسلامية”.

وانضم رئيس الوزراء العراقي المكلّف بهذا الموقف إلى الدعوة التي توجّهت بها روسيا والصين إلى الولايات المتحدة برفع العقوبات عن إيران لتسهيل مهمّتها في مواجهة جائحة كورونا.

ويعمل الزرفي تحت ضغط الوقت، حيث لم يبق من مهلة التكليف الممنوحة له بموجب الدستور لتشكيل حكومة بديلة عن حكومة عادل عبدالمهدي المستقيلة سوى أقل من عشرة أيام، فيما لا يُظهر صقور الموالاة لإيران، وخصوصا المنتمون لتحالف الفتح بقيادة زعيم ميليشيا بدر هادي العامري، بوادر لين في موقفهم من الرجل الذي يصنّفونه إلى جانب رئيس الجمهورية برهم صالح الذي قام بتكليفه، ضمن معسكر الموالاة للولايات المتحدة، وهو تصنيف بحسب أغلب المراقبين، إيراني بامتياز ويدخل ضمن الصراع الحادّ بين واشنطن وطهران على السيطرة على أهم مواقع القرار في العراق، في نطاق الصراع المتواصل بينهما منذ سنوات على النفوذ في البلد الضعيف والمفتوح بشدّة أمام التأثيرات الخارجية.

ورغم محاولة إيران التقليل من وقع العقوبات غير المسبوقة المفروضة عليها من قبل الولايات المتّحدة، إلاّ أنّ أعين الملاحظين لا تخطئ التأثيرات الخطرة لتلك العقوبات على تماسك النظام الإيراني نفسه، بالنظر خصوصا إلى تضافرها مع تهاوي أسعار النفط ومع انتشار فايروس كورونا وتأثيراته الاجتماعية والاقتصادية.

وسبقت واشنطن رئيس الوزراء العراقي المكلّف إلى توظيف ملف العقوبات على إيران في محاولتها تمهيد طريقه نحو رئاسة الحكومة في بلاده، وذلك عندما أعلنت الأسبوع الماضي عن قرارها تحديد فترة استثناء العراق من الالتزام بعقوباتها على طهران بشهر واحد والسماح له بمواصلة استيراد مواد الطاقة الإيرانية لفترة 30 يوما فقط، بدلا من 45 يوما كما كانت بغداد تريد.

وعُدّ ذلك القرار جزءا من الضغوط الأميركية على إيران لدفعها إلى رفع يدها عن ملف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، في ظل إصرار الأحزاب الشيعية الموالية لطهران على رفض تكليف عدنان الزرفي الموصوف بالاعتدال والرافع لشعار تحقيق التوازن في علاقات العراق الخارجية، بتشكيل الكابينة المرتقبة.

الزرفي يعمل تحت ضغط الوقت ولا يمتلك ترف إطلاق تصريحات مجانية بشأن ملف العقوبات بالغ الحساسية

ويبدو أن واشنطن تجد في انشغال إيران بوضعها الداخلي الصعب فرصة لإحداث تغيير سياسي في العراق بعد أن نجحت الانتفاضة الشعبية في إسقاط حكومة عادل عبدالمهدي الواقعة مثل سابقاتها تحت تأثير النفوذ الإيراني، فيما عسّرت الخلافات الحادة بين الفرقاء السياسيين العراقيين والتي امتدّت إلى داخل البيت السياسي الشيعي نفسه، تشكيل حكومة بديلة.

وتسمح الولايات المتحدة للعراق باستيراد كميات محدّدة من الكهرباء والغاز المخصص لتوليد الطاقة من إيران، استثناء من عقوباتها المفروضة على طهران، حيث كان من العسير على بغداد إيجاد بديل جاهز لمواد الطاقة الإيرانية.

وبانتهاء مدّة الثلاثين يوما سيكون العراق على أعتاب الصيف الذي ترتفع فيه معدّلات استهلاك الكهرباء، ما سيجعله أمام امتحان عسير إذا تشدّدت واشنطن في إرغامه على الالتزام بالعقوبات على إيران. وتشمل أضرار إنهاء الاستثناء إيران أيضا التي ستُحرم من مورد مالي تحصل عليه من العراق في وقت ضيّقت عليها العقوبات الأميركية سبل تسويق نفطها بالأسواق العالمية وعسّرت من تعاملها التجاري والمالي مع أغلب المؤسسات والحكومات عبر العالم.

وتتّهم الحكومة الإيرانية واشنطن يتعميق أزمة كورونا في إيران عبر مواصلتها فرض العقوبات. وقال علي ربيعي، المتحدث باسم الحكومة، إنّ بلاده هي الدولة الوحيدة في العالم التي تواجه الفايروس والعقوبات الأميركية في الوقت ذاته، متّهما واشنطن بمنع بلاده من الوصول إلى المصادر المالية وجلب مستلزمات مكافحة الوباء، ومستبعدا أن يقوم الأميركيون برفع الحظر في حال زيادة ضحايا كورونا في إيران، ومتوقّعا على العكس من ذلك، أن يشجّع اشتداد الأزمة الإيرانية واشنطن على تشديد العقوبات، بحسب تصوّره.

وتعكس مثل تلك التصريحات مدى المخاوف الإيرانية، ومقدار الهواجس لدى الطبقة الحاكمة في إيران من موضوع العقوبات الأميركية.

ويغدو من هذا المنظور حديث رئيس الوزراء العراقي المكلّف عن العقوبات، تكتيكا مدروسا في وقت تسلّط فيه الأضواء عليه بشدّة داخليا وخارجيا الأمر الذي يجعل أي تصريح يصدر عنه محمّلا برسائل سياسية بعيدا عن عاملي العفوية والتلقائية.

3