رئيس الوزراء العراقي مهدد بمواجهة غضب الشارع دون غطاء من مرجعية النجف

الجماهير العراقية تعود بقوّة إلى التظاهر في مستهلّ سنة تلوح عصيبة في ظل شحّ الموارد المالية، ما سيجعل حكومة بغداد في موقف بالغ الصعوبة سيزيده تعقيدا رفع المرجعية الدينية غطاءها عن رئيس الوزراء وسحب دعمها لإصلاحاته التي لم يتحقق منها شيء يذكر.
السبت 2016/01/09
"نهبونا الحرامية"

بغداد - نفت المرجعية الشيعية في العراق، أمس، تسجيل أي تقدّم في عملية الإصلاح التي كان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد أعلن عن إطلاقها الصيف الماضي بغطاء من المرجعية ذاتها، مع تصاعد الحراك الاحتجاجي في الشارع العراقي.

وعبّرت المرجعية التي يقودها رجل الدين علي السيستاني، أمس، في خطبة صلاة الجمعة عن أسفها لانقضاء العام الماضي دون اتخاذ السلطات الثلاث خطوات إصلاحية جادة.

وجاء في الخطبة التي ألقاها أحمد الصافي معتمد المرجعية في الصحن الحسيني بمدينة كربلاء المقدّسة لدى الشيعة، إنه “في العام الماضي وعلى مدى عدة أشهر طالبنا، في خطب الجمعة، السلطات الثلاث وجميع الجهات المسؤولة بأن تتخذ خطوات جادة في مسيرة الإصلاح الحقيقي وتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد وملاحقة كبار المفسدين”.

وأضاف الصافي، “انقضى العام دون تحقيق شيء واضح على أرض الواقع”، مؤكدا أن “هذا الأمر يدعو للأسف الشديد ولا نزيد على هذا الكلام في الوقت الحاضر”.

وحملت العبارة الأخيرة تحذيرا مبطّنا للعبادي بإمكانية رفع الغطاء الديني عنه ما سيجعله في مواجهة مباشرة مع الجماهير التي عادت أمس للتظاهر بقوّة، في مستهلّ سنة تلوح شديدة الصعوبة على الحكومة العراقية في ظل ندرة الموارد المالية مع تهاوي أسعار النفط وارتفاع تكاليف الحرب ضدّ تنظيم داعش.

وكان دعم المرجعية للإصلاح قد أعطى العبادي سندا قويا هو في أمسّ الحاجة إليه، خصوصا حين بدا أنّ الإصلاح لا يمكن أن يتحقّق دون المساس بمصالح شخصيات ذات نفوذ كبير، سياسي وحتى عسكري مستمد من الميليشيات التي ترتبط بتلك الشخصيات.

وظهر العبادي وهو يعلن حزمة إصلاحاته الصيف الماضي شديد الحماس وكبير الطموح لإحداث تغييرات جذرية في آلة الحكم وإدارة الدولة التي ينخرها الفساد على نطاق واسع.

أحمد الصافي: انقضى العام دون تحقيق شيء من الإصلاح على أرض الواقع

لكن اصطدامه بالنافذين من قادة الميليشيات والأحزاب الدينية بما في ذلك حزبه، حزب الدعوة الإسلامية، جعله يتراجع بالتدريج عن حماسه ويختار رضى عائلته السياسية رافضا دعوات كثيرة وجّهت له بمغادرة الحزب للتخلّص من ضغوطه.

وطيلة حوالي نصف سنة انقضت منذ إعلان العبادي عزمه على الإصلاح تأكّد عمليا أن ظاهرة الفساد في العراق متشعّبة ومتداخلة مع أجهزة الدولة ومتأصلة في أسس النظام الذي لا يمكن إصلاحه بآليات من داخله.

ويسوق عراقيون كدليل على استحالة الإصلاح، المنظومة القضائية التي استهدفتها احتجاجات المتظاهرين بشكل مباشر لاجتماع كل مظاهر الفساد في مؤسساتها ولما توفره من غطاء للفاسدين ومن حصانة لهم ضدّ المحاسبة.

وبمجرّد تداول أحاديث عامة عن إمكانية إصلاح القضاء بادر كبار قادة الأحزاب والميليشيات الشيعية لإظهار دعمهم الكامل لرئيس السلطة القضائية مدحت المحمود الذي كثيرا ما رفعت صوره وشعارات مطالبة بمحاسبته في المظاهرات.

وتتبادل شخصيات سياسية وعسكرية عراقية الحماية من المحاسبة مع رموز السلطة القضائية.

وفي ظل غياب المؤسسات والآليات اللازمة للإصلاح ظلت العملية الإصلاحية التي أعلن رئيس الوزراء العراقي إطلاقها تراوح مكانها ومتوقّفة عند بعض الإجراءات التجميلية التي لم يلمس المواطن آثارها على حياته، مثل تخفيض حمايات المسؤولين وإلغاء بعض المناصب السياسية. بل حتى تلك القرارات البسيطة لم تجد طريقها للتنفيذ العملي، إذ لم يجر إلى حد الآن إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، وما يزال زعيم حزب الدعوة نوري المالكي يتمسّك بكونه نائبا أوّل للرئيس.

وتشهد غالبية المدن العراقية منذ يوليو الماضي مظاهرات عارمة انطلقت للمطالبة بتحسين الواقع المعيشي، لكنها سرعان ما توسعت إلى حراك احتجاجي ضد الفساد وسوء الإدارة في مفاصل الدولة، ووصلت حدّ المطالبة بتغيير أسس النظام الديني بقيادة أحزاب شيعية.

ودفع ذلك مرجعية النجف للخروج عن صمتها ومطالبة رئيس الوزراء حيدر العبادي بأن يكون أكثر جرأة في خطواته الإصلاحية، داعية إياه إلى “ضرب من يعبث بأموال الشعب بيد من حديد”، كما دعته إلى عدم التردّد في إزاحة المسؤولين الفاسدين والكشف عن المعرقلين لمسيرة الإصلاح.

وعادت في شهر أكتوبر الماضي لتطالب بعدم اتخاذ الدستور وسيلة للالتفاف والتسويف والمماطلة في تنفيذ الإصلاحات، بعد أن أظهرت شخصيات ذات نفوذ اعتراضها على إجراءات اتخذها العبادي من بينها إلغاء مناصب سياسية على رأسها نواب رئيسي الجمهورية والوزراء بحجة كونه لا يمتلك دستوريا صلاحية إلغاء تلك المناصب.

وفي حال سحبت مرجعية النجف غطاءها عن رئيس الوزراء فإنه سيكون في محنة كبيرة خصوصا وقد استعادت الاحتجاجات زخمها، حيث شهدت أمس محافظات ميسان وكربلاء وبابل تظاهرات للمطالبة بمزيد من الإصلاحات واتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة الفساد.

ومن بين الشعارات التي سجلت حضورها في مظاهرات الأمس “إصح يا شعب نهبونا الحرامية”، و”مؤسسات الدولة لخدمة الشعب وليست منفعة للأحزاب”.

وبدورهم طالب المشاركون في مظاهرات خرجت في العاصمة بغداد بعدم المساس برواتب الموظفين والمتقاعدين، في ظلّ تسريبات بشأن إمكانية عجز الحكومة عن دفع الرواتب.

3