رئيس الوزراء العراقي يغالب الضغوط لتمرير إصلاحاته

الشارع العراقي الذي لمس طيلة الأشهر الماضية ضيق أفق الإصلاحات في ظل ممانعة كبار المتنفذين وأصحاب المصالح، يستعد لتدشين مرحلة جديدة من الغضب يتوقّع أن تكون أعتى من سابقتها.
الثلاثاء 2015/11/10
العبادي يلتمس الدعم لاصلاحاته لدى بعض الشخصيات ذات النفوذ السياسي والديني

بغداد - يستعدّ الشارع العراقي لموجة جديدة من الاحتجاجات، يتوقّع أن تبلغ درجة من الحدّة والانتشار تتجاوز تلك التي شهدتها أغلب مناطق البلاد خلال الصائفة الماضية، الأمر الذي سيضع ضغوطا جديدة على رئيس الوزراء حيدر العبادي الممزق بين الرغبة في تنفيذ مطالب الشارع وتحقيق طموحاته المتزايدة للإصلاح، وممناعة قوى نافذة ما تفتأ تظهر رفضا للإصلاح وتعمل على تعطيله خوفا على مصالحها المادية ومواقعها السياسية.

ورغم تلك الضغوط بدا العبادي مدركا لحيوية عملية الإصلاح لإنقاذ الدولة العراقية من المخاطر الجدية التي تتهددها، وذلك من خلال سعيه لتأسيس قوّة مضادة لممانعي الإصلاح معتمدا على السلطة الروحية لمرجعية النجف التي تدعمه، ولبعض الشخصيات ذات البعد السياسي والديني.

كما أن أمام العبادي فرصة تجيير نقمة الشارع على رموز الفساد لدفع إصلاحاته.

وبعد الاحتجاجات العارمة التي هزّت المدن العراقية الصيف الماضي ومثلّت موجة الحرّ وانقطاعات الكهرباء ورداءة سائر الخدمات، السبب المباشر في إطلاقها، دخل الشارع العراقي في هدنة نسبية، بعد أن أظهر رئيس الوزراء استجابة لمطالب الشارع معلنا إطلاق حزمة من الإصلاحات بدأها “بقوة”، حين أعلن إلغاء مناصب نواب رئيسي الحكومة والجمهورية وتخفيض أعداد حمايات كبار المسؤولين وتخفيض رواتبهم، إلاّ أن العراقيين سرعان ما بدأوا يتبينون ضيق أفق الإصلاح ومحدوديته في ظلّ وجود مراكز قرار أقوى من سلطة الدولة بحدّ ذاتها، ما جعل بعض قرارات العبادي تظلّ إلى اليوم مجرّد حبر على ورق. وما يزال نواب رئيس الدولة أسامة النجيفي وإياد علاوي ونوري المالكي يرفضون الاعتراف بإلغاء مناصبهم معتبرين ما قام به العبادي غير دستوري. وكشف أمس عضو اللجنة المالية النيابية حسام العقابي أن قرار تخفيض حمايات نواب البرلمان لم ينفذ حتى الآن، وأنّ تنفيذ القرار اقتصر على حمايات المدراء العامين والوكلاء والوزراء ورئاسة الوزراء.

وقطع المالكي مؤخّرا خطوة جديدة باتجاه تقييد يد رئيس الوزراء عن الإصلاح بأن استخدم الثقل النيابي لكتلته دولة القانون في سحب التفويض البرلماني الممنوح له، الأمر الذي سيحتم على العبادي العودة إلى مجلس النواب في أي قرار يتعلّق بالإصلاح، ما يعني تفصيل إصلاحات سطحية على مقاس النافذين من قادة أحزاب دينية وميليشيات، وأغلبهم من المتهمين أصلا بالفساد وبالمسؤولية عما آلت إليه أوضاع الدولة العراقية من شبه إفلاس وانهيار على مختلف المستويات.

مطالب العراقيين تتجاوز تحسين ظروف العيش إلى إصلاح مختلف مؤسسات الدولة والحد من سلطة الأحزاب الدينية

وبالنظر إلى المطالبات والشعارات المرفوعة في احتجاجات الصائفة الماضية، فإن العراقيين لا يطمحون فقط إلى تحسين أوضاعهم المادية وتوفير الخدمات شبه المنعدمة حتى في أكبر المدن، لكنهم يطالبون بإصلاحات أعمق تشمل مختلف مؤسسات الدولة.

كما لم تخل احتجاجات العراقيين من مطالبات تمس جوهر العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية وتذهب حدّ المطالبة بالاستعاضة عن النظام الديني القائم على حكم الأحزاب الشيعية بالدولة المدنية التي تذوب فيها الفوارق والتفصيلات المذهبية والدينية والعرقية في دولة قانون شاملة وموحّدة.

وتؤكّد مصادر نيابية عراقية، تقول إنها مطلعة على كواليس رئاسة الوزراء، أن رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي يمتلك رغبة حقيقية في الإصلاح، وأنّه جاء فعلا إلى المنصب بطموحات في إحداث تغييرات حقيقية تقطع من فترة حكم سابقه نوري المالكي التي أورثت البلد مشاكل خطرة، وأنه كان يريد لتغييراته أن تتجاوز القضايا الاقتصادية والاجتماعية، لتمس جوهر السياسة العراقية الداخلية والخارجية. غير أنّ الرجل بعد إطلاقه أوّل حزمة إصلاحات لمس حجم الممانعة وقوّة دوائر النفوذ والتأثير داخل الدولة، والتي يستمدّها بعض أصحابها من سلطة المال، والبعض الآخر من قوة السلاح (الميليشيات)، بينما لا تنفصل قوة البعض الآخر عن الدعم الكبير الذي يتلقاه من الخارج.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء حيدر العبادي فقد ثقة إيران ذات النفوذ الطاغي في العراق، بأن أظهر ميلا إلى الاستقلال النسبي عنها وإحداث توازن كان مفقودا في علاقة البلد بمحيطه العربي.

ويربط هؤلاء قوّة نوري المالكي زعيم حزب الدعوة في معارضة إصلاحات العبادي بدعم إيران له نظرا لخشيتها من أن يباعد الأخير في إصلاحاته وأن يمسّ جوهر العملية السياسية القائمة على الأحزاب الشيعية وقادتها المرتبط أغلبهم بطهران.

ويخشى العراقيون من أن كثرة الضغوط المسلطة على حكومة بغداد بدأت تدفع رئيسها إلى تسطيح إصلاحاته وحصرها في مسائل تقنية لا تغير كثيرا من رداءة الوضع القائم.

وتدلّ كثرة ملفات الفساد على مدى تغلغل الظاهرة في البلد على مدى سنوات، وخصوصا منذ انطلاق العملية السياسية الحالية في 2003 والقائمة على المحاصصة الطائفية وتتصدرها أحزاب دينية شيعية يتولّى قادتها أهم المناصب السياسية.

ومع كثرة هذه الملفات تثار الشكوك بشأن إمكانية معالجتها جميعا وتوفّر الآليات والمؤسسات اللازمة لذلك وخصوصا القضاء الشفاف والنزيه، في ظل اتهامات للقضاء نفسه بالتورّط في الفساد.

والعراق من بين أكثر دول العالم فسادا، حسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية على مدى السنوات الماضية، وترد تقارير دولية على الدوام بشأن عمليات هدر واختلاس ضخمة.

وينعكس الفساد بشكل مباشر على حياة المواطن العراقي حيث استشراء الفقر وارتفاع نسبة البطالة وسوء الخدمات بل انعدامها.

ومثلما أطلقت معاناة العراقيين من موجة الحرّ الصيف الماضي في ظل ضعف التزوّد بالكهرباء والماء، احتجاجات عارمة في الشارع العراقي تجاوزت القضايا المطلبية إلى المسائل السياسية، بدأ غضب العراقيين يعود إلى وتيرته السابقة بعدما أغرقت مياه الأمطار شوارع المدن الكبرى وداهمت بيوت المواطنين.

ومثّل خروج المحتجين مجددا إلى الشارع خلال الأسابيع الماضية إنذارا بشتاء عراقي أشد “سخونة” من الصيف.

3