رئيس جامعة القاهرة يدعو لاعتبار التعليم مشروعا قوميا

دعا رئيس جامعة القاهرة إلى تبني مختلف الجهات المصرية لمبدأ التعليم مشروعا قوميا في مصر، مشيرا في حوار مع “العرب” إلى أن التعليم في البلاد يعيش أزمة كبرى ووصل إلى مستوى من الانحدار لا يمكن إخفاؤه. ونبه في نفس الوقت إلى أن حل مشكل التعليم يأتي من الداخل وليس عبر استيراد وصفات من أميركا وبريطانيا.
الجمعة 2015/10/16
ارتفاع كثافة الطلاب في الجامعات المصرية يعيق تقدمها في التصنيف الدولي

جاء ترتيب مصر على مؤشّر التعليم العالي والتدريب لعام 2014–2015 في المرتبة 111 من بين 144 دولة. ويعود هذا الضعف المسجّل على مستوى الجامعات المصرية، رغم عراقتها، وفق جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة وأستاذ القانون الدستوري، إلى مجموعة أسباب وظواهر يمكن تلخيصها بالأساس في تدني مستوى المدارس وارتفاع الكثافة في الفصول والجامعات وتأخر تطوير المناهج الدراسية وعدم مواكبة نظم الامتحانات للواقع وفصل الطالب والمعلم وأستاذ الجامعة المتخصص عن أي آليات للتطوير رغم أنهم أساس العملية التعليمية.

وقال نصار، في حوار مع “العرب” حول حال التعليم الجامعي في مصر والتدهور المستمر في تصنيف الجامعات المصرية عالميا، إن المشكلات معقدة إلى حد كبير، والوضع الحالي أصبح لا يقارن بدولة أخرى، خاصة بعد التدني الذي حدث في مستوى التعليم المدرسي، وكذلك الجامعي باستثناء بعض نقاط الضوء المتفرقة هنا أو هناك.

وأضاف أن هذه المشكلات لن تواجه بالكلام، ولكن بحلول واقعية قادرة على تغيير الواقع، سواء كانت تتعلق بالتمويل المادي وإدارة الموارد التي تكرس لهذا التطوير، أو حلول غير تقليدية قادرة على مواجهة المشكلات، كذلك لابد من توفير موارد قادرة على دفع عملية التعليم إلى الأمام خلال السنوات المقبلة.

وشدّد على أن ملف تطوير التعليم صعب ودقيق وضخم، ولا بد من تكاتف الجميع، بدلا من ترك العبء على عاتق الحكومة. كما أن مساهمة الجامعات والأفراد ومؤسسات المجتمع المدني ضرورية لتحقيق طفرة حقيقية في التعليم.

وقال إن فكرة أن يكون التعليم هو المشروع القومي لمصر “جيدة للغاية”، لأنها أمل مصر حاليا، مشيرا إلى تجارب دول مثل الهند والصين وماليزيا، التي استطاعت تحقيق النهضة والتقدم في كل المجالات من خلال تطوير التعليم.

هناك حلقة مفقودة بين البحث العلمي ومجتمع الأعمال، أدت إلى تباعد المسافات بين التعليم وسوق العمل

مستويات ضعيفة

في ما يتعلق بتراجع تصنيف الجامعات المصرية عالميا، قال إنه لابد من وضع هذه الإشكالية في وضعها الصحيح، فهناك تصنيفات معترف بها وموضوعية، وأخرى وهمية، ومنها ما يعتمد على التجارة مثلما تفعل بعض المجلات لجلب إعلانات أو يتم التصنيف فيها بناء على معايير شخصية جدا وليست موضوعية.

وأوضح نصار أن هناك ثلاثة تصنيفات على مستوى العالم، أكثرها موضوعية هو التصنيف الصيني شنغهاي الذي يختار أفضل 500 جامعة، وتحتل فيه جامعة القاهرة المركز 401، وهناك جامعتان سعوديتان ضمن التصنيف، أما التصنيف البريطاني فيعتمد على معايير غير منضبطة، وقد تتدخل فيه الأمور الشخصية.

وعدّد الأسباب الواقعية لتأخر الجامعات المصرية عالميا، ومنها أنها تدخل التصنيف وهي تفتقد لمعايير أساسية للمنافسة، أولها عدد الطلاب مقارنة بعدد الأساتذة، وهذا المعيار يفترض أن العدد المثالي للطلاب 50 ألفا، بينما لدينا 280 ألف طالب بجامعة القاهرة إذا حسبنا التعليم المفتوح، ليصبح الفارق 230 ألف طالب زيادة عن المعدل المثالي.

وأشار إلى أن التعليم الجامعي في مصر مرتبط باعتبارات اجتماعية، والجامعة تقوم بتحديد العدد المطلوب لكل كلية، لكن مكتب التنسيق هو الذي يفرض الأعداد الزائدة على حاجة الكلية، ولا يجب أن نغلق الباب في وجه الطلاب من أجل التصنيفات العالمية، لكن الحلول البديلة هي إنشاء جامعات جديدة، وإطلاق الجامعات الأهلية بضوابطها.

أكّد رئيس جامعة القاهرة أن الجامعات المصرية لديها علماء متخصصون في جميع المجالات، لكن هناك حلقة مفقودة بين البحث العلمي ومجتمع الأعمال، أدت إلى تباعد المسافات بين التعليم وسوق العمل، ما يجعل الجامعات بحاجة ماسة للحصول على حق تصنيع مخرجات أبحاثها العلمية لتستفيد الدولة من هذه الصناعات الضخمة التي تستطيع تحقيق طفرة علمية واقتصادية كبيرة.

جابر نصار: الدولة أولى بالـ3.8 مليار دولار التي تنفقها الأسر المصرية على الدروس الخصوصية

ورفض جابر نصار فكرة استيراد حلول أجنبية لمشكلة منظومة التعليم المصرية، معتبرا أن الحلول الأميركية أو البريطانية لا تتماشى مع واقع التعليم المصري، فضلا عن أن مصر لديها من الكوادر والعلماء ما يؤهلها لحل جميع المشكلات التعليمية المتراكمة، لكن ذلك يحتاج لتضافر الجهود ووضع خطط تطوير قابلة للتنفيذ بمشاركة جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية.

مظاهر التراجع

تطرق نصار إلى مشكلة الدروس الخصوصية التي لم تشرعها الدولة حتى الآن، مطالبا بالقضاء عليها، قائلا إن الأسر المصرية تنفق عليها سنويا 30 مليار جنيه (حوالي 3.8 مليار دولار)، وهذا بمثابة اقتصاد خلفي، معتبرا أن الحل لا يكمن في المناداة بغلقها، بل بحل واقعي يتمثل في أن تنظم الدولة عمل مراكز الدروس الخصوصية.

وأشار إلى أن كثيرا من دول العالم لجأت إلى هذا الحل، لذلك على الحكومة أن تضم هذه المراكز وتعتبرها جزءا من العملية التعليمية، من خلال وضع ضوابط لعملها وتقنينها ومراقبتها على أن تحصل الدولة -مثلا- على نسبة 30 بالمئة من دخلها، لأن الواقع الذي نعيشه يجعلنا نضخ الأموال في مراكز الدروس الخصوصية بدلا من ضخها في المدارس.

وقال إن من عجائب التعليم في مصر أن الحكومة تدفع مئات الملايين لطبع كتب دراسية، يتركها الطلاب غالبا إلى عشرات الكتب الموازية تحت مسمى “ملخصات” و”كتب خارجية” بدعوى تسهيل المنهج الدراسي على الطلاب، وهو أمر لا يحدث في أي دولة في العالم، لأن ما تنفقه الدولة يهدر على الكتب الخارجية أو الملخصات التي تشتت أي طالب وتحطم العملية التعليمية، وهذا يمثل إهدارا لنفقات التعليم.

وعن كيفية نجاحه في مواجهة أحداث العنف والمظاهرات، أرجع الفضل في استقرار العام الدراسي إلى تطبيق القانون بحزم على المخربين، وفصل الطلبة المتورطين في أعمال خارجة على القانون، مشيرا إلى أن أي جامعة لن تسمح بالعنف، كما أنّ جامعة القاهرة تسمح بالتظاهر لكن في الإطار السلمي، وليس للتخريب والدعاية الانتخابية والترويج السياسي.

وختم جابر نصار، الذي شغل منصب مقرر لجنة إعداد الدستور المصري الحالي، حواره مع “العرب” متطرقا إلى الانتخابات البرلمانية، التي ستنطلق يوم الأحد، مؤكدا أن مصر في حاجة ماسة إلى برلمان انتقالي، معتقدا أن البرلمان المقبل سيكون مريحا للحكومة لمواجهة التحديات المستقبلية.

وقال إن الجامعة بعيدة تماما عن العملية السياسية، وستتعامل بحيادية كاملة في هذا الاستحقاق الانتخابي، ولن تسمح لأي مرشح ولا لمؤيديه بالدعاية داخل الحرم الجامعي.

12