رئيس حكومة الإخوان في قبضة العدالة

السبت 2014/01/04
قنديل مهندس الإخوان

القاهرة- هشام قنديل، أحدث وزراء حكومة الإخوان المعزولة، الذين قبض عليهم وأودعوا السجن، قبيل نهاية العام 2013 بأيام. وقد ألقت الأجهزة الأمنية القبض على قنديل، رئيس مجلس الوزراء السابق، تنفيذا لحكم قضائي صادر بشأنه، وذلك في أحد الدروب الجبلية برفقة أحد المهربين أثناء محاولته الهروب إلى السودان.

لم تتعرض رئاسة وزراء مصر، بداية من عهد محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة وحتى الآن، إلى هزات عنيفة كما تعرضت لها خلال عام حكم الإخوان. فقد كان اختيار هشام قنديل، المهندس في وزارة الري والموارد المائية والوزير في نفس الوزارة سابقا، ليشغل موقع الرجل الثاني في البلاد كاشفا للخط الذي سيتبعه تنظيم الإخوان المسلمين الحاكم في خططهم للتمكين، ولإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الأعرق في المنطقة بما يتناسب مع توجهات التنظيم وطموح حلفائه.

لكن الثلاثاء 24 من شهر ديسمبر الماضي لم يكن يوما عاديا في حياة رجل لم تصل طموحاته في يوم من الأيام لشغل أيّ من المناصب التي رُفع إليها. فقد تمّ اعتقال هشام قنديل أثناء محاولته الهرب عبر الحدود المصرية الجنوبية إلى السودان، تنفيذا لحكم قضائي صادر في حقه بالسجن لمدة عام وعزله من منصبه لتقاعسه عن تنفيذ حكم قضائي أثناء توليه منصبه الرسمي.

لم تكن الظروف المحيطة بعملية اعتقال قنديل شبيهة بتلك التي أحاطت بإلقاء القبض على قيادات الإخوان. فعلى ما يبدو إن الرجل لم يتورط في جرائم تحريض على العنف أو ارتكابه أو التخابر لصالح جهات أجنبية أو حتى الانتماء إلى جماعة إرهابية، لأنه فعليا لم يكن ينتمي إلى الإخوان المسلمين تنظيميا أو حتى فكريا.

كان هشام قنديل يشغل موقعا لا يبتعد كثيرا في الصلاحيات التي يتمتع بها عن رئيس وزراء في حكومة ظل، وانتقل في عهده مركز الثقل من شارع مجلس الشعب في القصر العيني، إلى حي مدينة نصر حيث مكتب المهندس خيرت الشاطر، الذي تحول محيطه بعد سقوط حكم الإخوان إلى مخبإ كبير لقيادات وأعضاء التنظيم.

المصريون لن ينسوا التصريحات المثيرة للاستغراب والضحك التي عكست التخبط الذي يعانيه الرجل

كان الشاطر عمليا هو رئيس الوزراء الذي يمتلك بيديه مفاتيح مصر، وظهر أن الدبلوماسيين ورجال الأعمال الغربيين يدركون ذلك، ولم تكن مشاريع البلاد السياسية أو الاقتصادية تمرّ دون موافقة الشاطر عليها، وفي بعض الأحيان دون علم محمد مرسي نفسه.

يفسر كل ذلك استعجال التنظيم في تحركاته المكثفة للولوج المبكر إلى عملية “التمكين”، التي تحل بموجبها مؤسسات التنظيم وجمعياته وأذرعه الأخرى محل مؤسسات الدولة.

تبعية واستكانة

رغم كونه رئيسا للوزراء، لم يكن هشام محمد قنديل، الذي ولد في 17 سبتمبر 1962، جزءا من هذه العملية الكبرى، ربما لعدم انتمائه للإخوان المسلمين، الذين لا يثقون في أحد من خارج التنظيم. كان واضحا أن الاختيار قد وقع على قنديل لسببين رئيسيين، أولهما التبعية والاستكانة التي تطغى على شخصيته بما يضمن عدم معارضة أيّ من قرارات مكتب الإرشاد الذي جعل القوام الأساس للتنظيم هو “السمع والطاعة”، وثانيهما مظهره المتدين الذي حافظ عليه منذ أن عمل مهندسا في هيئة السد العالي بأسوان، دون الانتماء إلى تنظيم أو جماعة.

حصل قنديل على شهادة البكالوريوس في الهندسة من جامعة القاهرة عام 1984. وحصل بعدها على درجة الماجيستير من جامعة يوتا، والدكتوراه من جامعة نورثا كارولينا بين عامي 1988 و1993.

شغل هشام قنديل منصب كبير خبراء الموارد المائية في بنك التنمية الأفريقي، وقام خلال تلك الفترة بقيادة فريق لإعداد خطة البنك الأفريقي لتنمية الموارد المائية والري بالقارة الأفريقية، بالإضافة إلى الإعداد والإشراف على تنفيذ مشروعات تنمية الموارد المائية والري بالعديد من الدول الأفريقية مثل أثيوبيا، السودان، تنزانيا، زامبيا، مالاوي، موزمبيق وغيرها.

وبعدها تولى منصب رئيس قطاع النيل، وظل في هذا المنصب 40 يوما فقط، قبل أن يكلف بحقيبة وزارة الموارد المائية والري في حكومة عصام شرف منذ 21 يوليو 2011، وحكومة كمال الجنزوري في 2012. وفي 24 يوليو 2012، كلفه محمد مرسي بتشكيل الحكومة الأولى والأخيرة في حكم الإخوان المسلمين لمصر.

في أغسطس 2012 خرج قنديل بتصريحات نصح فيها المصريين بارتداء ملابس قطنية والتجمع في حجرة واحدة لمواجهة حرارة الصيف توفيرا للطاقة الكهربائية المهدرة

وعقب 30 يونيو والإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسى في يوم 3 يوليو الماضي، لم يصرّح قنديل بأي تصريحات أو يظهر طوال الفترة الماضية سوى مرة واحدة يوم 25 يوليو في فيديو مسجّل على موقع يوتيوب أذاعته عدة قنوات، خرج فيه مرتديا بدلة سوداء، وتحدث مدافعا عن رئيسه المعزول، وقال إنه كان يحرص على مصلحة الشعب المصري في كل قرار، مستنكرا ما حدث واصفا إياه بـ”الانقلاب العسكري”.

ومنذ تلك اللحظة اختفى عن الأضواء، حتى ألقت قوات الأمن القبض عليه. ليعود مرة أخرى للظهور، لكنه هذه المرة في وضعية مهينة معصب العينين مقيد اليدين ما أثار استياء البعض؛ إلا أن مصدرا أمنيا قال إن عملية عصب العينين إجراء أمني طبيعي، مرجحا أن قنديل كان ينوي السفر إلى إحدى الدول المؤيدة لجماعة الإخوان عن طريق السودان. وأوضح المصدر أنه تمّ نقله إلى سجن شديد الحراسة ملحق بمزرعة طرة، وأنه سيرتدي البدلة الزرقاء، نظرا لحصوله على حكم نهائي لا يجوز الطعن فيه.

ولم يترك لهشام قنديل أية مواقف يمكن للمصريين أن يذكروها بعد خروجه من رئاسة الحكومة لكونهم يدركون أنه لم يكن صاحب القرار وأنه لم يكن ليتخذ أية خطوات فعلية أي من دون أن تكون قد مرت على المقطم، حيث مكتب الإرشاد.

عقب خطاب الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي طلب فيه من الشعب المصري الحصول على تفويض لمحاربة الإرهاب الذي كان قد وصل إلى ذروته في سيناء، دفعت الجماعة بقنديل في مقطع فيديو بث على قناة الجزيرة القطرية مقترحا مبادرة مفادها الإفراج عن جميع “المعتقلين” من التنظيم بعد 30 يونيو وزيارة وفد طبي لمرسي -الذي لم يكن أحد يعلم مكان احتجازه- للاطمئنان عليه، مقابل وقف المظاهرات.

كان هذا المقطع بمثابة الضوء الذي سُلط لأول مرة على الخطة الحقيقية من وراء اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وهو الضغط على النظام الجديد من أجل الجلوس على طاولة الحوار دون الاضطرار إلى تقديم الكثير من التنازلات، قبل أن تتطور ويصبح الهدف من ورائها هو محاولة شل حركة الدولة وأجهزتها، من خلال اللجوء إلى العنف وإرهاب الأقباط.

تصريحات مثيرة

عدم الخبرة السياسية انعكست على كافة تصريحات هشام قنديل المثيرة، التي كانت غالبا ما أثارت الجدل وملأت وسائل الإعلام وشغلت الناس في مواقع التواصل الاجتماعي. هذه التصريحات عكست بعضا من تفاصيل شخصية هشام قنديل التي اتسمت دائما بالارتباك وعدم الاتزان.

وظهر جليا، في كثير من المناسبات أن رئيس الوزراء المصري، في عهد الإخوان، لم يكن يعتمد على أجهزة المعلومات -وما أكثرها في مصر- وتركزت مصادره على التقارير التي كانت مكاتب تنظيم الإخوان الإدارية في المحافظات ترفعها بشكل مستمر إلى رئاسة الجمهورية.

ففي أغسطس 2012، خرج قنديل بتصريحات نصح فيها المصريين بارتداء ملابس قطنية والتجمع في حجرة واحدة لمواجهة حرارة الصيف توفيرا للطاقة الكهربائية المهدرة.

وبعدها بستة أشهر، كان له لقاء شهير مع شباب الإعلاميين والقيادات باتحاد الإذاعة والتلفزيون الرسمي، ضمن خطة لترويجه بعد أن شعرت قيادات التنظيم بانحسار شعبيته في الشارع المصري، وصلت إلى جهل الكثير من المصريين حتى باسم رئيس الوزراء المعين من قبلهم.

لكن هذا اللقاء كان سببا في تعميق الهوة بين رئيس وزراء حكومة الإخوان المسلمين وبين المصريين، إذ لم تكن القنبلة التي ألقاها، حول تنظيف ثدي المرأة في أرياف مصر قبل إرضاع أطفالها، هي الطريقة المثلى لاعتماد أوراقه لدى الشعب المصري بعد تأخر اعتمادها إلى ما يقرب من العام. وقد لقبه المصريون برئيس حكومة الإسهال والرضاعة.

تهديدات بالقتل

لم يكن الحكم بالسجن لمدة عام، الصادر في حق هشام قنديل، هو الحكم القضائي الوحيد الذي واجهه، فقد أنقذ الرئيس المعزول محمد مرسي رئيس وزرائه من قضية أكثر خطورة من تلك التي صدر بحقه حكم فيها. ففي منتصف نوفمبر 2012 تمكّن قنديل من الإفلات من السجن والعزل من المنصب حينما أصدر مرسي الإعلان الدستوري الشهير الذي حصّن بموجبه قراراته الرئاسة من الطعن فيها أمام القضاء، وعزل المستشار عبد المجيد محمود، النائب العام وقتذاك، والذي كان على وشك الانتهاء من استدعاء هشام قنديل ومحمد رشاد المتيني، وزير النقل حينها، للتحقيق معهما وحبسهما على ذمة قضية حادث “قطار أسيوط” الذي راح ضحيته أكثر من 50 طفلا.

وفي أثناء حديثه عن تلك القضية، أكد المستشار عبد المجيد محمود أن أحمد مكي، وزير العدل في حكومة الإخوان، تدخل لمنعه من إصدار قرار بحبس قنديل على ذمة التحقيق، وأنه اكتشف لاحقا أن تنظيم الإخوان كان يتنصت على جميع مكالماته، وأن قرار عزله صدر عقب علم الإخوان بنيته استدعاء قنديل.

بعدها بـ 11 شهرا تقريبا وصل بلاغ صادم إلى نيابة الدقّي تقدم به المستشار كريم فؤاد رئيس محكمة جنح الدقّي، الذي أصدر حكمه النهائي بحبس هشام قنديل لمدة عام مع عزله من منصبه.

تصريحاته كانت السبب الكافي ليصنفه المصريون في خانة المسؤولين الفاشلين الذين جاء بهم الزمن الإخواني أيام مرسي

كانت فحوى البلاغ تفيد بأن القاضي تلقى رسائل تهديد بقتله هو وعائلته إن لم يتراجع عن الحكم الذي أصدره بحق قنديل. وكان هذا البلاغ هو الخيط الرفيع الذي تمسكت به أجهزة الأمن في تتبع قنديل ونشاطاته بعد أن كان قد اختفى نهائيا عن الساحة.

الخيط الآخر كان تقديم قنديل لطلب تمديد للأجازة التي كان قد حصل عليها من وزارة الري بعد الإطاحة بالإخوان من السلطة، ومن ثمّ بدأت عملية تتبعه. وتبين بعد ذلك أن هذا الطلب كان واحدا من ضمن الارتباطات التي شرع قنديل في تصفيتها استعدادا للهروب خارج البلاد.

لم يكن ظهور قنديل، في نهاية دراماتيكية للمسرحية الهزلية التي عاشتها مصر طوال عام كامل، معصوب العينين ويداه موثقتان خلف ظهره، إلا تعبيرا عن مكانته التي اختار أن يضع نفسه فيها لدى الشعب المصري وأجهزته ومؤسساته قبل الثورة وبعد إنزاله من المشهد، لذلك كان آخر ما يشغل المصريين هو التعاطف مع رجل ارتبط بجماعة تسعى بكل الوسائل للسيطرة عليهم وترويعهم، من داخل السلطة أو من خارجها.

15