رئيس ضعيف ودكاكين فصائل

لا شيء يوحي بأن هناك تغييرا سيحصل في المدى القريب على الأقل لقضية حولها السياسيون إلى “دكاكين” للفصائل والشخصيات النافذة في السلطة.
السبت 2018/03/24
هؤلاء يدفعون الثمن

لا يمتلك أي من هؤلاء المستولين على الحياة السياسية الفلسطينية بدائل ممكنة للخروج من حالة الركود والضياع السياسي التي نعيشها منذ قرابة العشرين عاما. لا أحد منهم يمتلك حلا سحريا لإخراج الشعب الفلسطيني من حالة اليأس والإحباط المنتشرين والمتغلغلين داخل تفاصيل الحياة اليومية.

لا الرئيس محمود عباس قادر على التنحي عن كرسي الرئاسة، ولا الفصائل قادرة على إحداث تغيير يذكر في الحياة السياسية العامة، فحركة حماس مثلا أثبتت أنها بلا رصيد أو قوة تستطيع من خلالها “تحريك” الشارع. من قبيل الصخب الذي أطلقه إسماعيل هنية وأحدث غبارا في مكانه حين دعا إلى “انتفاضة ضد قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل”. كل هؤلاء لا يملكون أي رؤية للخروج من حالة الموت السريري التي نعيشها منذ زمن.

حين يشتد الأمر على الرئيس عباس نجده يهاجم غزة، كأنها تتسول عنده ليمنّ عليها بالقليل من المال لكن المسألة أعمق من أن تكون مجرد مساعدات إنسانية أو رواتب لموظفين “غلابة” قادهم الاقتتال الأعمى إلى الركون في منازلهم منذ يونيو من العام 2007، وانتظار قرار سيادته ليطل عليهم بعد 11 عاما ليقطع رواتبهم ويحيل أكثر من نصف عددهم إلى التقاعد المبكر. هل هذا رئيس يفهم كيف يدير سلطة أو يشعر بآلام شعبه؟

منذ منتصف يناير 2005 كان عباس يمثل “الأمل” على الأقل لمن يريدون الخروج من فوضى السلاح والفلتان الأمني الذي استشرى في تلك الفترة قبل وبعد رحيل الزعيم ياسر عرفات، لكن عباس لم يفعل أي شيء سوى تعميق الجرح داخل حركة فتح، وداخل السلطة، بتدشين حملة قمع ضد الخصوم لم ينتج عنها سوى إضعاف فتح أكثر مما هي ضعيفة حينها حيث خسرت جولة انتخابية حاسمة مع حماس ليتحوّل بعدها الوضع إلى ما يشبه صراعا محموما على كرسي السلطة.

بالنسبة لحماس لم يكن نجاحها في الانتخابات التشريعية في العام 2006 سوى نتيجة لعقاب الناس لفتح على سنوات من الفساد الإداري وسوء استغلال السلطة والتنسيق الأعمى مع إسرائيل وفوضى السلاح والميليشيات الموالية لقادة الأجهزة الأمنية.

لا الرئيس محمود عباس قادر على التنحي عن كرسي الرئاسة، ولا الفصائل قادرة على إحداث تغيير يذكر في الحياة السياسية العامة

حماس لم تفهم كيف تكسب رصيدا شعبيا لتكون ناطقة باسم الشعب الفلسطيني، حيث اختار قادتها أن يكونوا ناطقين باسم “القبيلة” لا باسم الشعب الفلسطيني. كانت حماس ولا تزال موالية للخارج؛ إيران وتركيا وقطر والإخوان، وإن حاولت “التنصّل” من العلاقة مع الجماعة في الوقت الراهن، لكن عمقها مازال ينبض تجاه جماعة إخوانية مصنفة إرهابية.

في مقابل ذلك لا يبدو رئيس السلطة الفلسطينية صاحب ريادة في تحويل الاهتمام إلى شعب يرزح تحت الاحتلال.

رئيس لا يملك حتى حرية التنقل بين مدينة وأخرى سوى عبر الحواجز الإسرائيليّة والتصاريح الأمنية، كيف يريدنا أن نصدق أنه يتحدى إسرائيل؟

الرئيس ضعيف جدا حيث أثبت أنه يعمل بعقلية إدارة شركات للأعمال تتعرض للرّبح والخسارة، لكنه يقود الآن سلطة تسير إلى الخسارة. وطوال السنوات الماضية لا ربح يذكر في أي مجال سوى بالتنسيق الأمني.

عباس يلوّح منذ زمن في الكواليس بأنه سيغادر السلطة، كم مرة هدد بالمغادرة. ليغادر من الذي يغلق أمامه الباب. الشعب ليس عقيما وسينجب ساسة قادرين على الإنجاز.

عباس حقق “انتصارات رمزية” على إسرائيل، ولم ينفذ أصلا قرارات مجلسه المركزي بشأن إسرائيل وأميركا. عباس اليوم “يعادي أميركا ويهادن إسرائيل”، كيف ذلك: الرجل يهاجم واشنطن في كل جلسة للجنته التنفيذية وخطاباته تلهبُ القاعات في رام الله، لكنه في المقابل يمارس تنسيقا أمنيا عالي الدقة مع تل أبيب، كيف يعقل هذا؟

ولا يبدو في الأفق أي نور في طريق السلطة أو في طريق الفصائل، في ظل التشبث بالعقلية الانفرادية للحكم. عباس نفسه يهدد قطاع غزة الذي يعيش وضعا إنسانيا كارثيا، حسب تقارير حقوقية وأممية. وحركة حماس ماضية في تصعيد خطابها الانقسامي.

لا شيء يوحي بأن هناك تغييرا سيحصل في المدى القريب على الأقل لقضية حوّلها السياسيون إلى “دكاكين” للفصائل والشخصيات النافذة في السلطة.

8