رئيس لجنة البوكر شاعر يحكم على الروايات وقلبه مع الشعر

الأربعاء 2015/04/01
الشاعر مريد البرغوثي: جائزتي قصيدتي، ومكافأتي كتابتها باستمرار

مريد البرغوثي شاعر فلسطيني من مواليد سنة 1944 في قرية دير غسانة قرب رام الله في الضفة الغربية، سافر إلى مصر عام 1963 حيث التحق بجامعة القاهرة وتخرج في قسم اللغة الأنكليزية وآدابها عام 1967، وهو العام الذي احتلت فيه إسرائيل الضفة الغربية ومنعت الفلسطينيين الذين تصادف وجودهم خارج البلاد من العودة إليها. يعد البرغوثي من أهم التجارب الشعرية العربية اليوم، ونذكر من مجموعاته الشعرية “الطوفان وإعادة التكوين”، و”فلسطيني في الشمس″، و”قصائد الرصيف”، إضافة إلى كتاباته النثرية “رأيت رام الله”، و”وُلِدْتُ هناك، وُلِدْتُ هنا”، ويرأس مريد البرغوثي هذه السنة موقع رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر”. “العرب” كان لها معه هذا الحوار.

أعلن الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي أن حياته منذورة للشعر، ولا شيء سواه، وأن عمره حبيس هواه. وشدد البرغوثي، في حوار مع “العرب” على أنه إنما يحيا بالشعر، مثلما يحيا من أجله. وقد تحدث الشاعر الفلسطيني لـ”العرب” عن تجربته في الكتابة والقراءة والحياة ما بين الشعر والنثر، بينما تم الإعلان في معرض الكتاب المغربي عن اسمه رئيسا للجنة تحكيم البوكر لهذه السنة. فكان الكشف عن اسم شاعر على رأس لجنة البوكر خبرا مثيرا بمقدار الإثارة التي تسبق الإعلان عن أسماء الفائزين والمتوجين.

الشاعر والشعر

يؤكد الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في هذا الحوار مع “العرب” أنه في الوقت الذي أصدر فيه عمله السردي الشهير “رأيت رام الله”، وكان ذلك سنة 1997، أصدر أعماله الشعرية الكاملة في بيروت. يتذكر البرغوثي ذلك في سبيل التأكيد على استمرار ارتباطه الأبدي بالشعر. وهل هنالك من أعمال كاملة بالنسبة إلى مبدع على قيد الشعر والحياة؟ يرد البرغوثي في الحين، وهو يحدثنا عن صدور صيغة مزيدة من أعماله الشعرية في مجلدين، عن “دار الشروق” في القاهرة، سنة 2013، وصدور الطبعة الثانية منهما مؤخرا. كما يزف لنا الشاعر خبرا جديدا، حين يؤكد أنه بصدد إصدار ديوان شعري جديد في بحر هذه الأيام. كل هذا الحرص فقط ليقول لنا الشاعر بأن النثر لم يأخذه من الشعر، وبأن الحكاية لم تسلبه من القصيدة.

التجربة التي يريد المبدع أن يكتب عنها هي التي تحدد شكل الكتابة وجنسها، وعما إذا كانت شعرا أو نثرا

فلماذا لجأ مريد البرغوثي إلى النثر إذن؟ يجيب بأنه حين لجأ إلى النثر “من أجل كتابه تجربة لا تتسع لها القصيدة. لأن القصيدة إطار، وإذا اكتشفنا أن هذا الإطار هو أضيق من اختصار تجربة معينة، فلا يمكن تحميل القصيدة أكثر مما تحتمل، على رهافتها وعمقها، ذلك لأن هنالك تجارب قد لا تتسع لها القصيدة الواحدة المفردة”، ومقابل ذلك، فإن النثر، عند البرغوثي، قد يتحمل ذلك، عندما “يحتمل الإطالة والشرح، ويمتلك مساحات أوسع للوصف والحكي والتعبير”. من هنا، تبين للشاعر الفلسطيني أن التجربة التي يريد المبدع أن يكتب عنها هي التي تحدد شكل الكتابة وجنسها، وعما إذا كانت شعرا أو نثرا.

في سبيل ذلك، جاءت التجربة النثرية الناجحة للشاعر مع النثر، من خلال كتاب “رأيت رام الله”، وهي التجربة التي “واصلتها وأتبعتها بكتاب «ولدت هنا، ولدت هناك»، وهي عندي بمثابة الجزء الثاني والمكمل لرأيت رام الله”.

البرغوثي ينبهنا إلى أنه لا يلوم الغموض الفني في القصيدة، وخاصة “الغموض الفني” الذي يبقى ضروريا لكي تكون القصيدة عظيمة. غير أن الشاعر ضد “غموض الاستغلاق”، كما ينحت هذا المصطلح، وهو غموض الاستغلاق الذي يؤدي إلى ما يسميه “التعمية الكاملة للمعنى”، ويحمل من خلاله الشعراء المسؤولية.

ومع ذلك، فقد كان البرغوثي ضد ذلك الطابع الحماسي الذي غلب على الكثير من الشعر الفلسطيني، وكان البرغوثي هو من دعا إلى “تبريد اللغة”، منذ عقود من الشعر العربي. عن هذه المسألة يقول البرغوثي إنه “كلما كانت النبرة أقل صخبا في القصيدة، والدلالات أقل مباشرة كلما وصل الشعر إلى المتلقي”. ذلك أن “علو الصوت والطنين اللغوي والشعارات التي ترن في الأذن لا تتعدى الأسماع، ولا تصل إلى القلب. ما يصل إلى القلب هو ما يمكن أن يكون إيماء أو إيحاء ولمحا وإشارة، أما التصريح الكامل بعاطفة الشاعر، والكتابة الهاتفة والخطابية فلا تذهب عميقا ولا تمضي بعيدا نحو قلوب المتلقين، بقدر ما تنفرهم من الشعر”.

جائزة الشاعر قصيدته

جائزة البوكر

وعن رئاسته للجنة البوكر لهذه السنة، أكد البرغوثي لـ”العرب” أنه قد عُرض عليه أن يرأس اللجنة، فما كان له سوى أن طلب مهلة للتفكير، وبعد أسبوع استشار مجموعة من الأصدقاء، واستشار من يحب، ومن له تجربة سابقة، ثم قبل برئاسة اللجنة.

عن هذه التجربة، يقول البرغوثي “لقد كانت لهذه التجربة صعوباتها وخيباتها ومحاسنها. كانت تجربة مركبة مثل كل التجارب. لكنها تجربة غنية في النهاية”. وقد سعد الشاعر بقراءة 180 عملا في هذه المرحلة، دفعة واحدة، وكان عملا صعبا. غير أن “العثور على 16 عملا في القائمة الطويلة كان عملا أصعب، وأصعب منه اختصاره إلى مجرد ستة أعمال وهو عمل أكثر صعوبة”. ويقرّ الرئيس بأن اللجنة سوف تجد، لا محالة، صعوبة في اختصار الحكاية في فائز وحيد.

أن يرأس شاعر لجنة خاصة بجائزة في الرواية بحجم البوكر العربية، هل هو انتصار للشعر، أو هي مصالحة بين الشعر والرواية؟ بالنسبة إلى الشاعر الفلسطيني ورئيس لجنة البوكر مريد البرغوثي فهو إنما يتعامل مع الكتابة وفن الكتابة، والشعر يندرج في هذا الفن العام. على أن “من يسيطر على فن الكتابة يستطيع أن يمارس ذائقته ويستثمر تجربته وأدواته ومنهجه في القراءة على أي نص مكتوب”. وأما حديث الشعر والنثر فهو حديث عن “تصنيفات خارجية”، بينما نحن نتعامل في النهاية مع “عالم الكتابة”، لأن ما يريده المبدع، وما يريده مريد البرغوثي هو “كتابة هذا العالم، وكتابة عالمه الخاص به”.

وهل أوحت تجربة البوكر لمريد البرغوثي بحاجة الشعر العربي إلى جائزة أو جوائز مماثلة، في عالميتها وإعلاميتها، وانتشارها وانتشار ثمارها الروائية، يعتقد مريد البرغوثي أن “جائزة الشاعر قصيدته”، وكل ما يأتي بعد ذلك ليس هدفا من أهداف الشاعر. “هدفي الشعري الوحيد هو أن تكون بين يديّ مسودة قصيدة أنشغل بها وأشتغل عليها، أي أن أكون في حالة الكتابة الشعرية”. على أن الشاعر عندما يكون في وضع “الكتابة”، والاشتغال على مسودة، يكون شاعرا، بحيث يستعجل بداية النهار من أجل الجلوس إلى القصيدة، وإذا لم يكن بين يديه هذا النص ليشتغل عليه، فإنه يكون يتيما وفقيرا.

وكذلك الحال عندما ينتهي البرغوثي من كتابة قصيدته، فإنه يحس بوحشة كبيرة. “إن ما يهمني، يختم الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، هو أن أكون في حالة كتابة الشعر، دائما، وباستمرار، وبعدها يأتي التقدير أو الاعتراف، مثلا، غير أن جائزتي قصيدتي، ومكافأتي كتابتها باستمرار، لأنني أحس حينها بمتعة الخلق ومتعة الابتكار”.

15