رائحة الأماكن

الاثنين 2017/08/07

الأماكن لها رائحة تشبه أصحابها، ورائحة تشبه الزمن الذي أتت منه، أو احتضنته، أو احتضنها وصنع تاريخها، فهناك الأحياء الكلاسيكية القديمة التي تحمل العراقة والأصالة وتحكي مبانيها التاريخ، كتلك التاريخية الضاربة في أعماق الزمان، وهناك أماكن وبلدان أسطورية تراها كأنك تمسك بكتاب أساطير ملون وأنت نفسك مسحور وأسير بين دفتيه، وأخرى متحررة من كافة القيود تنتظر من يخلع عليها وصفا أو رداء أو لونا يليق بها، وأماكن لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.

مدن وشوارع تحرضك على السير فيها بصورة منتظمة لإخراج شحنات نفسية متراكمة، تحكي لها وتحاورها كصديق حميم، يستمع بإنصات لنبضات قلبك، ومدن تلفظك بوقاحة مهما كررت محاولاتك للتعلق بها والإمساك بذيل ردائها الذي لن يتسع مطلقا لموضع يديك الممسكة به في عجل وضيق. حين أذهب لمدينتي الساحلية أشم رائحة البحر بأصدافه التي تحمل أسراري في جوفها، وتنثرها على صفحة الماء، تعبر إلى الشاطئ الآخر، وأسماك صغيرة حزينة تبحث عن مرفأ، وسمكة تبحر خلف صغارها، أرى ذكرياتي مبعثرة في طرقات يكسوها المطر والغيم.

رائحة ثمار المانجو الناضجة على مهل تستقبلك بابتسامة رائعة ولون أصفر زاه، وثمار تمسك بفروع الأشجار، تخشى السقوط، رائحة أبي الموزعة ما بين مدينة أنجبته وعاش فيها طفولته، وسنوات صباه ومراهقته، ومدينة أكبر اختطفته واتسعت لأحلامه الجامحة، وضم ثراها رفاته حين أسدل القدر الستار في المشهد الأخير. أشم رائحة الماضي والذكريات، براءة الطفولة تفوح من جنبات شوارع مدينتي الحبيبة، تذكرني بمشاهد لعب عفوي وحب خارج من القلب البريء الذي لا يحمل ضغائن ولا كراهية، مشهد لصديقة قديمة عرفنا معا معنى أن تضحي من أجل غيرك، نقتسم المصروف الشخصي معا حين يعاقب الأهل إحدانا بحرمانها من مصروفها، تدافع هي بجسدها الضخم عني، وأجادل أنا لأجلها حفاظا على يديها الصغيرتين من عقاب “خمس ضربات بالعصا”.

وفي قاهرتي الأثيرة تفوح رائحة الزمان العتيق من قلب أجمل متاحفها، ومساجدها، بالرغم من رطوبة تكسو جدرانها إلا أنها لا تقسو على قلبي حين يذهب للصلاة والاغتسال من هموم حياتية تلاحقني وألاحقها في تبادل أدوار عجيب، القاهرة مدينة عريقة في مبانيها على كافة الطرز المعمارية الراقية والرائعة، القاهرة الباريسية، والفاطمية، والخديوية، الإسلامية والقبطية، القاهرة حاضنة الديانات ومسار “العائلة المقدسة”.

في القاهرة شوارع ومحال ومقاه تضاهي أشهر الأماكن في العالم، ومناطق راقية يسكنها علية القوم وأكابرهم تحتضن في أطرافها عشوائيات تخللتها بزحف عمراني غير مدروس، عشوائيات نبتت من عدم، كونها مكتوفة الأيدي أمام الاحتياج لأربعة حوائط تستر الأجساد المنهكة عن أعين المتلصصين، سر جمال القاهرة الطيبة أنها تحنو على الجميع كأم رائعة تحتضن الكل في عدالة رهيبة، رقي تلاصقه فوضى دافئة، هنا وهناك، فدائما على أعتاب مناطق الأثرياء تتحسس بيوت الفقراء طريقها.

الذاكرة ليست حكرا على الأشخاص فقط، ولكن أيضا للأماكن ذاكرة لا تشيخ ولا تترهل أبدا، ذاكرة تحتوي آلاف البشر الذين يمرون عليها، تتذكرهم جميعا، لا تنسى من منحها الوقت والحب فتمنحه السعادة وتظل تذكره في الغياب حتى يعود لها طائعا، كدفاتر الذكريات تظل ذاكرة المكان تكتب ما تراه ليشهده العالم والتاريخ. قد تشتاق لبعض الأماكن وقد تشتاق هي لك.

على الرغم من عيوب كثيرة وبثور كريهة تشوه وجه مصر، إلا أنني ومعي كثيرون نعشقها، كما تغنى لها صلاح جاهين، باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء، وأكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء، وأسيبها وأطفش في درب وتبقى هي في درب، وتلتفت تلاقيني جنبها في الكرب، والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب.

كاتبة مصرية

21