رائحة البخور تفوح من شارع العرب في سنغافورة

عرفت القبائل العربية بالتجارة منذ القديم، فسافرت وجابت كل أنحاء العالم وكل القارات وتركت هناك ملامح حضارتها وخاصة في الطرق والموانئ التجارية الشهيرة في آسيا وأفريقيا، أين خير بعض التجار الإقامة، فتركوا بصمتهم العربية حيث حلوا واستقروا.
الاثنين 2015/11/02
العرب يتركون بصمتهم في مدينة سنغافورة

سنغافورة - شارع العرب، هو اسم أحد الطرق والأحياء في مدينة سنغافورة، وهناك تفسيران وراء الاسم، أحدهما يرجع إلى أن المنطقة كانت مملوكة من قِبَل التاجر العربي، سيد علي بن محمد جنيد، وقد تعود التسمية إلى أن الغالبية العظمى التي تسكن الشارع مسلمة.

ويمتاز الشارع بالبساطة من حيث انتشار محلات التوابل والمنسوجات ومحلات الزهور العربية، بالإضافة إلى الأقمشة العربية والسجاد المطرز، كما تفوح من الشارع رائحة البخور العربية.

ووفق إحصائيات رسمية يقدر عدد العرب في سنغافورة بنحو 14 ألف نسمة. ويرجع أصول تواجدهم إلى الأجداد خلال القرن الخامس عشر الميلادي، حيث كانت القبائل العربية تمتاز بالسفر والتجارة في دول جنوب شرق آسيا، وبالطبع كانت سنغافورة أحدى أهم الدول التجارية، كونها نقطة ربط واتصال بين دول آسيا، والتي اجتذبت المسلمين من خلفيات عرقية متنوّعة، حيث استقرت بعض القبائل العربية هناك منذ تأسيسها. وسُميت بعض المناطق والشوارع بأسماء عربية، مثل، شارع مسقط وشارع بغداد، ويظل العرب أشهر هذه الشوارع.

ويمتاز شارع العرب في سنغافورة بمساحته الشاسعة، حيث يتألف من ثلاثة شوارع كبيرة وواسعة، ويعتبر مركزا تجاريا صاخبا يمتاز بمحلات المنسوجات والتوابل ومنتجات الروطان العربية.

وخلال الفترة 1820 كانت المنطقة التجارية التي يتركز فيها الوجود العربي ومنها شارع العرب على الدوام تتعرض لهجمات العصابات واللصوص وإطلاق النار، حيث تحرق محلات العرب من قبل تجار المدينة الرافضين للوجود العربي. وفي العام 1889 وقع حريق ضخم التهم بضاعة العاملين في الشارع، ولكن أعيد ترميم الشارع وتحوّل إلى أحد أهم شوارع الدولة، كونه يتميّز بالطابع العربي والشرقي بشكل يجعل الزائر لا يصدّق أنه في سنغافورة، وإنما يتجوّل في أحد شوارع الدول العربية، لا سيما المقاهي الشعبية والحارات الضيقة التي تحمل التراث العربي القديم.

ويوصف شارع العرب بأنه “الحي الإسلامي” في سنغافورة، فرغم انتشار محلات الأقمشة الملونة الزاهية والسجاد الفارسي معقود اليد، يوجد أيضا مسجد السلطان” الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 200 عام، حيث تمّ تشييده سنة 1800، عندما اقترح السلطان حسين شاه حاكم تيماسيك، الاسم السابق لسنغافورة، بناء مسجد.

أشهر الأطعمة العربية وأجودها في سنغافورة الأرز الرقيقة بالتوابل والمرق والكبسة والمقلوبة والملوخية، إضافة إلى الكباب والحلويات اليمنية والشاي بالنعناع والقهوة العربية

وفي العام 1932 تم هدم مسجد السلطان بسبب تهالك جدرانه وأعمدته التي أصابها الخراب، وتمت إعادة تشييده بطريقة عصرية حديثة، مع قبة ذهبية ورمز وبناء مهيب في المنطقة، ويحتوي المسجد على محراب في قاعة الصلاة الرئيسية، والتي تشير إلى اتجاه مكة المكرمة.

كما يمتاز الشارع بوجود محلات تقدم وجبات من الأكل العربي المتنوع يديرها أشخاص من سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا، بالإضافة إلى بعض الجنسيات العربية، ومن أشهر الأطعمة العربية المعكرونة، الأرز الرقيقة بالتوابل، المرق، الكبسة، المقلوبة، الشاورمة، الملوخية، وغيرها من الأكلات الشعبية من كافة الدول العربية، بالإضافة إلى بعض الأطباق العربية مثل الكباب، اللحوم، الحلويات اليمنية، وأيضا بعض المشروبات مثل الشاي بالنعناع، والقهوة العربية.

وتوجد بالشارع أيضا “الجمعية الحرفية” وهي متخصصة في صناعة الحقائب والفساتين والعباءات والمجوهرات بتصميم عربي خاص وبشكل يدوي متقن، وتحتوي الجمعية على محلات لعرض الأعمال وتسويق منتجات الحرفية للجمهور. وتُعدّ الجمعية مصدر إلهام للمصممين، كونها تجمع مزيجا من الأساليب العربية الخالصة.

ويمتاز الشارع أيضا بالبنايات القديمة التي يغلب عليها الطابع الكلاسيكي في مدينة سنغافورة القديمة، كما تنتشر محلات الأقمشة الجميلة التي تُعدّ مكانا رائعا للشراء وتصنيع ملابس على الطراز العربي، وتشتهر المنطقة القديمة بصناعة الباتيك (إحدى طرق الصباغة للحصول على تصميمات ملونة على الأقمشة) وهناك قدر كبير من الخيزران والروطان ومنتجات القش والحلي. ويعتبر شارع العرب أو “كامبونج جلام” منطقة مثيرة جدا للاهتمام المحلي في سنغافورة.

ويجسّد شارع العرب في سنغافورة مثالا لنمط الحياة العربية، حيث يرتاد الرجال الجوامع بحرية لابسين رداء عربيا أصيلا، في حين يجلس الشباب في المقاهي يشربون النرجيلة بنكهة التفاح، كما ترتدي النساء العباءة السوداء (جلباب المرأة في الشرق الأوسط )، وتُعرف المرأة المسلمة في شارع العرب بقدرتها على مساومة الأسعار مع التجار ومناقشتها لأتمان البضائع. وتنتشر أيضا متاجر مخصصة لبيع مجموعة متنوعة من السلع العرقية العربية (المصاحف، سجادات الصلاة، الملابس الإسلامية ومنتجات الخوص)، ما يمثل انعكاسا لعادات وتقاليد الدول العربية والإسلامية التي يختزلها هذا الشارع.

ويُعدّ السجاد العربي والفارسي أغلى المنتجات في شارع العرب لأصالة منتجاته وتصاميمها اليدوية البارعة، وهناك أيضا بعض الأقمشة غالية الثمن، مثل الحرير، الأورجانزا والساري الهندي. وغالبا ما تزدحم محلات شارع العرب قبل شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى، أين يقبل المتسوقون على شراء مستلزماتهم لمثل هكذا مناسبات.

20