رائحة الخبز الفلسطيني تفوح من أفران أيام زمان في جباليا

يحاول الفلسطينيون أن يتدبروا شؤونهم في ظل الحصار وأزمة الغاز وذلك بالعودة إلى أفران أيام زمان التي توقد بالحطب، فتلجأ العائلات إلى صنع العجين في البيت وإرساله إلى الفرن ليصير خبزا طازجا يحبذه الفلسطينيون صغارا وكبارا.
الثلاثاء 2016/02/09
الحاجة تعيد العادات المحببة

جباليا (فلسطين) - تقرع زخات المطر السقف المعدني للمخبز التقليدي وسط صقيع قاس، بينما يمسح الخباز رمضان القانوع عرقه بطرف ثيابه بعد أن سحب بعض الأرغفة الطازجة من فوهة فرنه الوحيد المتبقي في بلدة جباليا شمال قطاع غزة.

وينثر القانوع قليلا من الطحين على “المَطْرَحَة” (الأداة التي يستخدمها في إدخال العجين وإخراجه خبزا)، ويضع أرغفة عجين ليزج بها في أتون الفرن الملتهب وهو ينادي مساعده لمده بالمزيد من الحطب.

وفي الخارج يقف عدد من الفتية والصغار ينتظرون دورهم لخبز عجينهم الذي صنعته أمهاتهم في بيوتهن، والكل يقف بجانب “فرش العجين”، الصينية التي ينقل بها العجين من البيت إلى الفرن ليعود به خبزا طازجا.

ويقول القانوع، “إن المخابز التقليدية انقرضت من قطاع غزة لكن عائلته افتتحت هذا الفرن قبل عدة سنوات بعد أزمتي الكهرباء وغاز الطبخ اللتين يمر بهما قطاع غزة المحاصر”.

ويعاني قطاع غزة من مشكلة انقطاع الكهرباء بعد تدمير طائرات الاحتلال الإسرائيلي لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عام 2006. كما يعتبر شح غاز الطبخ والمحروقات من العلامات الفارقة للحصار الذي يفرضه الاحتلال منذ عقد كامل.

“لم يعد أحد يعمل في هذه ‘الصنعة’، لكن بسبب أزمتي الكهرباء وغاز الطبخ في غزة افتتحنا هذا المخبز عام 2008”، هذا ما نطق به القانوع لوكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.

ويستخدم القانوع قطعا من الخشب وزيت محرك يستخدمه لإشعال فرنه، ويضيف “نجمع قطع الخشب من المناجر، أما الزيت فلا نستخدمه إلا في حال شح الخشب”.

ويضيف أن العمل ينشط في الفرن خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ومع فصل الشتاء، فـ”خلال الحروب تكون الكهرباء وغاز الطبخ شبه معدومين، ويضطر الناس لحمل عجينهم إلى الفران حتى تحت القصف.”

وتصل دَوْلَتْ غبيد، وهي فتاة في العاشرة من عمرها المخبز وعلى رأسها صينية معدنية مغطاة بقطعة قماش بيضاء، بين طياتها 30 رغيفا، قالت إنها مضطرة للجوء إلى الفران، “عادة نخبز في البيت لكن أنبوبة الغاز ‘خلصت’ ولا توجد كهرباء، لذا أتيت إلى هنا”.

الفرن ينشط خلال العدوان الإسرائيلي وفي فصل الشتاء تحديدا، حينها يضطر الناس لحمل عجينهم إلى الفران

وبدوره يلتقط معاذ عيد (15 عاما) الخبز الطازج من الخباز ويضعه بإتقان في “فرشه” متجنبا البخار الساخن المنبعث من رغيف منتفخ، ويقول “إنه يفضل الخبز المصنوع في البيت أكثر من الخبز من المخابز”. ويضيف “الخبز البيتي ألذ وأنظف وأرخص ونضمن نقاءه من الغش”.

وتستهلك العائلات الفلسطينية الخبز من مصادره الثلاثة الرئيسية، المصنوع في البيت أو الذي تنتجه المخابز الحديثة أو خبز فرن “الطابون” التقليدي الذي لا يزال حيا في المناطق الريفية.

وتتم عملية الخَبز في البيت عبر استخدام “طنجرة الكهرباء”، وهي وعاء خاص لخبز العجين بالطاقة الحرارية الكهربائية، أو باستخدام الفرن الذي يعمل بغاز الطبخ، لكن مع تفاقم أزمتي الغاز والكهرباء بات الملجأ الآمن هو الفرن التقليدي.

ويعمل القانوع مع أخيه سالم (25 عاما) الذي أنهى دراسة المحاسبة ولم يجد عملا في مجال تخصصه أو غيره سوى الفرن. ويعتقد القانوع أن المخبز هو فرصة العمل الوحيدة المتوفرة له، وإلا فسيكون مصيره البطالة التي ارتفعت نسبتها في قطاع غزة.

ورغم انقراض صنعة “الفران” أمام غزو المخابز الحديثة في فلسطين أواخر ثمانينات القرن الماضي (أو في غزة على الأقل)، لكن الكثير من العائلات يفضل الخبز المصنوع في البيت.

ويذكر أنه في السنوات الأخيرة تضاعفت نسبة المواطنين الذين يلجأون إلى شراء الخبز من المخابز الحديثة أيضا، بحسب مدير المبيعات في أحد الأفران الحديثة في غزة. ويقول مدير المبيعات في أحد مخابز غزة الحديثة أحمد العجرمي (44 عاما)، إن نسبة البيع للأفراد ازدادت بنسبة 100 بالمئة على الأقل بسبب أزمتي الكهرباء وغاز الطبخ.

ويضيف “البيع لدينا يكون بشكل رئيسي إلى المطاعم والمحال التجارية، أما الآن فبات البيع للأفراد يمثل دخلا رئيسيا، وكلما تفاقمت الأزمتان ازداد عدد الزبائن”.

وأشار العجرمي إلى أن المخابز الحديثة بدأت بالانتشار بشكل كبير أواخر ثمانينات القرن الماضي مقابل تراجع عدد الأفران التقليدية.

20