"رائحة الروح".. دراما اجتماعية سورية تخوض في المسكوت عنه

مسلسل "رائحة الروح" يطرح تشريح لواقع اجتماعي مرير، حيث قدّم شريحتين متناقضتين تماما، واحدة تنتمي للطبقة المخملية وأخرى تعيش على فتات الحياة.
السبت 2018/08/11
طرح جريء لمفارقات القاع والقمة

يطرح المسلسل السوري “رائحة الروح” الذي عرض في الموسم الرمضاني الماضي مجموعة من الأحداث المتشابكة التي تحمل في ثناياها العديد من الرؤى الدرامية وفق حكايات متشعبة لأبطالها وسط طموحات متباينة لطبقتين متناقضتين تماما، بعيدا عن أجواء الحرب السورية وويلاتها، الأمر الذي جعل العمل يحظى بنسب مشاهدة عالية لجدة الفكرة وعمق الموضوع.

دمشق- يعد المسلسل السوري “رائحة الروح” الذي عرض في الموسم الرمضاني الماضي، التجربة الأولى لكاتبه أيهم عرسان، القادم من خلفية سينمائية، وهو الذي سبقت له المساهمة في العديد من الأفلام السينمائية القصيرة كتابة وإخراجا، والأمر نفسه ينسحب على مخرجته سهير سرميني في أولى تجاربها الإخراجية للدراما التلفزيونية.

وفي تجربتهما الأولى معا، اتجه الكاتب والمخرجة وكل صناع العمل ليرسموا خطواتهم الإبداعية في مناطق بعيدة عن الرائج حاليا في مجال الدراما التلفزيونية السورية، والتي تناولت وبإطناب أحيانا حالة الحرب التي تجثم على الوضع السوري كله منذ ما يقارب الثماني سنوات، فعلى النقيض تماما لم يخض مسلسل “رائحة الروح” في الحرب ومخلفاتها، بل رصد حالات اجتماعية تنتمي لبيئات مختلفة، متضادة ومتناحرة.

وفي المسلسل تشريح لواقع اجتماعي مرير، حيث قدّم شريحتين متناقضتين تماما، واحدة تنتمي للطبقة المخملية، المليئة بالفساد والقوة والسطوة والنفوذ، وأخرى تعيش على فتات الحياة، تعمل في مهنة جمع القمامة لتعيش صراعاتها البسيطة الساذجة أمام صراعات غيلان نفوذ المال والأعمال.

وفي حدث مفصلي، تبلغ الأحداث ذروتها، عندما تكون زوجة المسؤول الأمني الكبير مع عشيقها في مشوار العودة بالسيارة، فيكشف حادث المرور الذي وقع لهما أمرهما، وذلك إثر نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج.

كلا العشيقين متزوج، وكلاهما من ذوي النفوذ، فالعشيقة، كما أسلفنا، زوجة رجل مهم، والعشيق بدوره ابن تاجر كبير، ومن هناك، يصل الأمر للمسؤول الأمني الآخر (جسّد الدور وائل شرف)، شقيق الفاعل، وهو عقدة المسلسل الذي تدور حول شخصيته الأمنية من ناحية والاجتماعية من ناحية أخرى معظم محاور العمل.

ويطرح المسلسل أيضا سطوة بعض متنفّذي المؤسسة الدينية، الذين يتظاهرون بغير ما يبطنون، ليكون أبونادر (جسّد الدور سليم صبري) نموذجا للأب المتسلّط على أبنائه من ناحية وكل المحيطين به من ناحية أخرى، مستعملا سلطتي الدين والعاطفة للوصول إلى أهدافه غير المشروعة دائما. وهذه الشخصية البراغماتية الانتهازية، ظهرت على الشكل الذي لم تقدّمه الدراما السورية سابقا، والتي اكتفت في الغالب برسم الملامح الخارجية لها بشكلها الديني النمطي، متجنبة التعرّض لها بالنقد غالبا، لكن مسلسل “رائحة الروح” أظهرها بملامحها المُراوغة.

وفي توجه متفرّد في المسلسل بخطه الأدبي، قدّم شخصية ابن متعهد أعمال جمع القمامة الذي يرفض عمل والده وأقاربه، ويحثّهم على تغيير مهنتهم والبحث عن عمل أكثر أهمية وأكثر نظافة، الأمر الذي يجابه بالرفض، نتيجة اعتياد الأهل على العمل في هذا المجال، وكذلك عدم إمكانية امتلاك مورد رزق آخر، ليبقى هو في حالة تمرد ويبقون هم في رحى عملهم اليومي المليء بالألم والقهر.

وضمن هذا النسق تظهر شخصيات العمّال في المسلخ الذين يعانون ويلات قذارة المكان وضعف مردودية العمل على حياتهم بشكل عام. وبين الشريحتين: المخملية ذات السطوة والنفوذ والمال والفساد، والفقيرة المُعدمة التي تعمل في أدنى درجات المهن لكسب قوتها اليومي، تكمن الطبقة الوسطى التي يمثلها الموظف الشريف الذي أطرد من عمله بشكل تعسفي بتهمة فساد مفتعلة، وصار مع زوجته المقعدة، نهبا للزمن وتغيراته المفاجئة.

ومع كل هذه الصدمات، لم تتغير مبادئ الرجل الصادقة، وظل يكافح متغيرات الحياة، إلى أن وفّرت له جريدة محلية إمكانية العمل لديها كمحرر لبعض المواد الصحافية، وربما في ذلك إسقاط من كاتب المسلسل أيهم عرسان إلى أن هذه الطبقة ستتولى عملية تأريخ المشهدية الاجتماعية العنيفة التي تعيشها سوريا حاليا.

وبعيدا عن تجاذبات هذه الخطوط العنيفة، يظهر الأستاذ الأكاديمي في كلية الفنون (فراس إبراهيم) الذي يمتلك نزوعا خاصا تجاه النساء، يظهر من خلال نزواته العاطفية العديدة التي يعيشها، مرة مع طالبة له وأخرى مع خادمة، في ظل وضع مأزوم يجمعه مع زوجته الطبيبة (وفاء موصلي) التي تنشغل دائما عنه، وهو الأمر الذي سيجعلها متأكدة بعد حين أنها خسرت زوجها وحياتها المستقرة التي كانت تحياها معه، نتيجة انشغالاتها ونزواته.

مسلسل “رائحة الروح”، بالثيمات التي طرحها على امتداد حلقاته الثلاث والثلاثين، كان من خلالها جاذبا لشريحة من الناس التي تابعته باهتمام، رغبة منها في متابعة عمل اجتماعي بحت، يذهب بها بعيدا عن أجواء الحرب وتفاصيلها التي أتخمت الدراما السورية مشاهديها بها على امتداد سنوات الحرب، لتغدو بعض الأعمال التي تحلّق خارج السرب ملاذا لها لاقتناص بعض اللحظات التي تحكي يومياتهم بشكل مختلف.

13