رائحة العيد تفوح من الأسواق والحارات الدمشقية

أسواق العاصمة السورية دمشق تشهد في هذه الأيام نشاطا من قبل المواطنين الذين يترددون على مراكز التسوق والمحال التجارية استعدادا لعيد الفطر.
الاثنين 2018/06/11
الحركة نشيطة في سوق البزورية

دمشق – تشهد أسواق العاصمة دمشق في هذه الأيام نشاطا من قبل المواطنين الذين يترددون على مراكز التسوق والمحال التجارية استعدادا لعيد الفطر، حيث يبدأ الزحام في هذه الأسواق تدريجيا من ساعات الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل.

وخلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان تبدأ ربات البيوت بشراء مستلزمات صناعة الحلويات في تقليد موروث والتفنن في صناعة الأنواع المختلفة منها.

وفي سوق البزورية الذي مازال محافظا على خصائصه ببيع البهارات والتوابل ومستلزمات العيد، يفرد أصحاب المحال التجارية بضاعتهم التي تسحر الناظرين وتدفع العابرين للسوق للتمتع بالمعروضات حتى ولو لم يرغبوا بالشراء، فالمنظر بحد ذاته يشكل دافعا قويا للتجول في السوق.

 

السوريون يحسنون هزيمة الحزن والأيام الصعبة من خلال استغلال كل المواسم والأعياد لبعث البهجة في الأسرة والشارع، وحده الفرح يهزم الحرب، ففي عيد الفطر تستغل الدمشقيات الأسبوع الأخير من رمضان للتسوق وشراء لوازم العيد وإعداد الحلويات الشامية يودعن بها رمضان ويستقبلن بها فصلا آخر من الحياة.

وتشتهر دمشق بصناعة الحلويات التي ازدهرت في القرن التاسع عشر حيث اشتهر صانعوها المعروفون باسم “البغجاتية” بالتفنن في صناعة الأنواع المختلفة منها كالبقلاوة والمبرومة والكنافة والوربات.

ويشهد سوق البزورية تزاحما واكتظاظا كبيرين من طرف النسوة لشراء الكاكاو والسكر واللوز والجوز والفستق والطحين والبهارات.

أم حسن من خان دنون تقول لوكالة الأنباء السورية “سانا”، إنها تريد شراء “بهارات وعجوة وحلوى مجففة وبكنبودر (الخميرة) والشمرة والحبة السوداء والسمسم”، مشيرة إلى أنها دوما تأتي إلى سوق البزورية لأنه يحتوي على أفضل وأجود المنتجات من المواد الأولية لصناعة الحلويات وبأسعار مميزة.

وعن مدى تمسك السوريين بحلويات العيد، تقول أم محمد إنه تقليد يستحيل على عائلتها الاستغناء عنه.

ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة فإن حلويات العيد لها بهجة خاصة لذا تحرص الأسر على توفير المال لتحضير المعمول قبل العيد بأيام، هذا ما قالته أم خليل، موضحة أن موائد الحلويات التي تصنعها السيدات تختلف من أسرة إلى أخرى حيث تقوم بعض الأسر بصناعة الحلويات في المنزل وبعضها يقوم بشرائها من السوق والبعض الآخر يجمع بين الشراء من السوق وصنعها في المنزل.

ومن جانبه، قال ماجد خليل من الغوطة الشرقية، إن الأسرة في الأيام الأخيرة من رمضان تتكاتف وتتعاون من أجل تحضير حلوى عيد الفطر في ما بينها في جو يميزه التسامر والفرح، لافتا إلى أن هذه العادة تلاشت في السنوات السبع الماضية بسبب ظروف الحرب والحزن التي خيمت على السوريين حيث فقد العيد نكهته، لكن الآن بدأت عودة هذه الظاهرة الجميلة تدريجيا.

عدد من أصحاب المحال التجارية أكدوا أن محلات بيع لوازم الحلويات تشهد حركة نشطة في أواخر رمضان، حيث بيّن محمد المدني صاحب محل لبيع أدوات صناعة الحلويات المطبعة والقوالب، أن الإقبال هذا العام يختلف عن الأعوام السابقة حيث أن أغلب الأسر عادت تصنع الحلويات في منازلها، مشيرا إلى أن للقوالب أشكالا مختلفة مصنوعة من خشب الزان أو العضم.

ومن جانبه أكد صاحب محل مكسرات أن الطلب على المكسرات والشوكولا والحلوى المجففة يتزايد بصفة كبيرة خلال هذه الأيام معبرا عن فرحته بقدوم العيد.

بائع آخر بيّن أن أسعار المواد الأساسية للحلويات هذا العام تختلف عن العام الماضي وتتناسب مع مختلف الشرائح.

أجواء إعداد حلويات العيد تضيف إلى السهرات الرمضانية الدمشقية أجواء بهيجة، لكن هناك من العائلات من تفضل شراء الحلويات بدل إعدادها في البيت.

وتشهد هذه الأسواق وخاصة سوق الجزماتية في حي الميدان العريق والذي يعد من أكثر الأسواق جذبا لكل متسوق، ازدحاما حتى ساعات متأخرة من الليل.

وتتركز مطابخ الحلويات في حي الميدان وساحة المرجة منذ العشرات من السنين وقد طور مصنعو الحلويات هذه الصناعة ووسعوها لتصل شهرتها إلى كل أنحاء العالم.

وفي الماضي كانت صناعة الحلويات في دمشق تقسم بحسب المنطقة والعائلة؛ حيث كانت عائلات مهنا وعلوان وسمان تسيطر على صناعة الحلويات في منطقة المرجة، وعائلة داوود في حي الميدان، وكانت عائلة قصقص في السنجقدار تشتهر بالمبرومة والبلورية، أما عائلة أبوحرب فكانت الأشهر في صناعة البقلاوة والآسية في منطقة باب البريد.

محمود حلاق أحد حرفيي وبائعي الحلويات، يقول “إن الدمشقيين قديما كانوا يجهزون حلويات العيد في صوان كبيرة حيث كانت الهريسة وكرابيج الفستق تشوى على الفحم أو أفران الحطب قبل دخول أفران الغاز والكهرباء، وكان أغلب الدمشقيين يأتون بالمواد اللازمة ويعطونها إلى الحلواني حتى يحضرها لهم ثم يأخذونها في صوان كبيرة، وقبل العيد بقليل تزدحم الحارات القديمة بمرور الناس الذين يرفعون صواني حلوياتهم المليئة بالهريسة وكرابيج الفستق أو أقراص العجوة والبرازق”.

ويتابع “في الأربعينات بدأت تتطور صناعة الحلويات السورية ودخلت أنواع أخرى مثل الآسية والبلورية وكول وشكور وأصناف أخرى، لكنها لم تدخل ضمن أصناف حلويات العيد في الأربعينات وفي تلك الحقبة الزمنية كانت الحلويات تعبأ في علب من المعدن وبعد عدة عقود أصبحت تعبأ في علب خشبية، ولكنها اليوم أصبحت تقدم في علب كرتونية مغلفة آليا وتصطف الحلويات داخلها بشكل مميز لأن أقراص الحلويات أصبحت قطعا صغيرة بعد أن كانت قديما كبيرة ولكن طعمها ورائحتها الذكية يشدان المارة لشرائها. وقديما كانت الأحياء الدمشقية القديمة ضيقة تطل على بعضها وقبل العيد تعبق الحارات برائحة حلويات العيد التي كانت تصنع يدويا دون تدخل الآلة في صناعتها”.

وأضاف حلاق أنه يفضل الصناعة اليدوية بالنسبة للحلويات عن الآلية رغم أنها توفر الوقت والجهد، ولكن الحلوى المتميزة هي التي تصنع يدويا فهي تعكس بصمة الأجداد بيد الأحفاد. وتشهد أسعار الحلويات حاليا ارتفاعا منقطع النظير من جراء ارتفاع أسعار المواد الأولية الداخلة في صناعتها عالميا كالسمن والفستق الذي تضاعف ثمنه أكثر من ثلاثة أضعاف ولتزايد الإقبال العالمي على استهلاك المكسرات. وتترافق زيادة أسعار الحلويات مع زيادة كبيرة أيضا في أسعار السلع الأخرى وقد أرهقت هذه الأسعار كاهل رب الأسرة خاصة أنها تتزامن مع شهر رمضان المبارك.

ويبقى سكان دمشق مصرين على المحافظة على عاداتهم وتقاليدهم حتى البسيطة منها وتحدي الظروف الصعبة واستعادة مظاهر حياتهم الطبيعية وأجواء الفرح.

20