رائدة سعادة فنانة تطارد هويتها عن طريق الألغاز

أعمال سعادة لا تنتمي إلى الفن "الثوري" الفلسطيني، فهي متمردة بطريقتها الخاصة لها لغتها التي تعتقد أنها من خلالها يمكنها أن تكشف عن الحقيقة وهي ما لم تتمكن البيانات الثورية من الوصول إليها.
الأحد 2019/09/15
الحكاية الفلسطينية كما يجب أن تُروى

 حلت الفكرة محل الجمال في ممارسات الفنانين المعاصرين التي فتحت الباب على تفاعل ثقافي ركن الذائقة الجمالية جانبا وصار يتبع الألماني جوزيف بويز في دعوته لقيام فن اجتماعي، فيه قدر لافت من الاحتجاج السياسي.

تلك واحدة من الأزمات التي تعصف بمصير الفنون في زماننا.

غير أن الحاجة إلى تلك الأزمة تبدو متطابقة مع طريقة عيش لا تحبذ العزلة وتفضل التفكير الجمعي. الفن صار واجهة لقضايا قد يحل الغد ولا نجدها شاخصة أمامنا. لقد حل المؤقت والعابر محل الخالد والأبدي.

شيء من هذا القبيل يمكن أن يدفع بفنانة من نوع رائدة سعادة إلى أن توسع من نظرتها إلى جرحها الشخصي المباشر. بالنسبة لها فإن الصور والأفكار والحركات تتخذ طابعا رمزيا.

موهبة تكمن في الخلاصات

سعادة توسع من نظرتها إلى جرحها الشخصي المباشر
سعادة توسع من نظرتها إلى جرحها الشخصي المباشر

يمكنها أن تؤدي دورها بصمت ما دامت قد صنعت مشهدا يرقى إلى مستوى ما تفكر فيه. عن طريق الفن وحيله تخرج من فلسطينها المفقودة إلى العالم. ما نجحت فيه يمكن اختصاره بـ”محو الالتباس المحلي” بالرغم من أنها ظهرت في واحدة من صورها باعتبارها موناليزا فلسطينية.

تصطدم بالواقع ولا تريد التشبه به أو اتخاذه مثلا. إنها تحتج في إطار المعنى الإنساني. لذلك تبحث في “الفراغ” عن أصل الحكاية. وهي حكاية اجتهد الفلسطينيون في تفكيك أبنيتها وإعادة بنائها بما ينسجم مع التاريخ الحقيقي.

بالنسبة لرائدة سعادة فإن تلك الحكاية تتخذ طابعا شخصيا. وهو ما يحررها من التاريخ العام وفي الوقت نفسه يسمح لها بأن تخترق برسالتها الحدود التي تفصلها عن المزاج العالمي. فهي تتحدث بلغة معاصرة عن واقع استفهامي يتعلق بالمصير.

موهبة هذه الفنانة تكمن في الخلاصات التي توصلت إليها بالرغم من أن عددا من أفلامها قد وقعت في شرك الإطالة بما يسبب الملل. كما في الأفلام القطبية وبالأخص “حظ. مفيش حظ”.

كانت الصورة الأخيرة معبرة لكنها تفقد قيمتها بعد نصف ساعة من النظر. أما حكاية “سندريلا” فقد كانت على قدر هائل من التبسيط. وهو ما يمكن أن يُحسب فشلا، لولا أن الفنانة قد عوضته من خلال فوزها بجائزة أحد الملتقيات الفنية. سعادة هي ابنة جيل فني فلسطيني لا نعرفه. وهو جيل يقاوم بطريقة مختلفة عما ألفناها. ذلك لأنه تعلم في الحوار لغة لم نتعلمها.

ولدت سعادة عام 1977 في قرية أم الفحم بفلسطين.

درست الفن في أكاديمية بتسلئيل بالقدس وحصلت على شهادة الماجستير. عام 2000 فازت بجائزة الفنان الشاب التي نظمتها مؤسسة عبدالمحسن القطان بلندن. 

حكايات شخصية معولمة

سعادة تخرج من فلسطينها المفقودة إلى العالم
سعادة تخرج من فلسطينها المفقودة إلى العالم

توزع اهتمامها الفني بين فن التجهيز والإنشاء والأداء الجسدي وصناعة أفلام الفيديو والفوتوغراف. وهو ما أغنى تجربتها في النظر إلى العالم الخارجي من جهة القدرة على تحويله إلى مفاهيم عبر مزيج متنوع من التقنيات. فهي تمزج على سبيل المثال بين الأداء الجسدي وفن الفيديو حين تكون بطلة أفلامها وهي أيضا تمزج بين الفوتوغراف والأداء الجسدي حين تكون موديلا لصورها التي غالبا ما استعارت رؤى الآخرين لتجري عليها عمليات إزاحة تكون بمثابة تأويل شخصي معاصر.

في سلسلة “حكايات الحوريات” على سبيل المثال، قامت سعادة عام 2012 بالاستفادة من تجربة الأميركية سيندي شيرمان حين استعارت نماذج نسائية من الفن والأدب العالميين لتروي من خلالها حكايتها الشخصية. فكانت بينلوب التي تنتظر عودة زوجها عوليس كما ورد في الإلياذة. وكانت بائعة الحليب التي رسمها الهولندي فيرمير في عصر الباروك، وكانت موناليزا فلسطينية معاصرة.

ما فعلته الفنانة لا يخرج عن نطاق تقليد صار متبعا من قبل فناني ما بعد الحداثة. وهو أمر قد يستغرب وقوعه النقد الفني التقليدي. ذلك لأن الفنانين صاروا يستعيرون، بعضهم من البعض الآخر طرقا في التعبير، كانت إلى وقت قريب تعتبر من الممتلكات الخاصة.

غير أن ذلك الأسلوب في المحاكاة لا ينفي كون سعادة قد امتلكت طريقتها الخاصة في التعبير عن قضيتها. وهي طريقة تستند بشكل أساس على التأويل، بحيث تكمن قوة التأثير في معنى خفي لا يظهر في العمل الفني. ولهذا تتعدد سبل الرؤية وتكون لكل متلق فكرته.

في عملها “صحف” المستلهم من أشعار اللبنانية نادية تويني تؤكد سعادة اشتباكها بقضايا عصرها من خلال الصحف التي غطت بها جسدها الطالع لتوه من إحدى لوحات مانيه. جماليات مزدوجة اعتمدتها الفنانة للتعبير عن مزاج عصر لم يعد فيه الأسلوب الشخصي قادرا على أن يشبع نزعة التمرد لدى الفرد. فالأخبار الزائفة تلغي حقيقة ما يفكر فيه الفرد ويشعر به ويعيشه. وهي النزعة التي تعبر عنها الفنانة بطريقة عدمية من خلال فيلمها بتقنية الفيديو “فراغ” حيث تقوم فيه بعمل عبثي حين تستعمل المكنسة الكهربائية في تنظيف إحدى الهضاب الشاسعة. ذلك الفيلم الذي قوبل بصدى طيب في الملتقيات الفنية العالمية ونال الجائزة الثالثة في بينالي إحدى المدن الإيطالية، يمزج بين السخرية والألم. وهي معادلة تجيب من خلالها الفنانة على مقولة استعمارية “أرض من غير شعب لشعب من غير أرض”. وهي فكرة صهيونية انطوت على الكثير من الزيف الذي يسخر من الحقيقة التاريخية.

سعادة هي ابنة تلك الحقيقة التي سعت الفكرة الصهيونية إلى تدميرها. وكما أرى أنها في “فراغ” نجحت في أن تصل إلى جذر تلك الفكرة لتصل إلى المعنى الكاذب الذي تسعى الصهيونية إلى إحلاله محل الحقيقة. فحين تقوم الفنانة بتنظيف مكان خلوي فإنها كمَن يسخر من نفسه. إنها عن طريق ذلك الفيلم تطرح سؤالا سرعان ما يتبناه المشاهد “ما الذي يعكسه الفعل الذي تؤديه الفنانة على المستوى الإنساني؟”.

سعادة  امتلكت طريقتها الخاصة في التعبير عن قضيتها
سعادة  امتلكت طريقتها الخاصة في التعبير عن قضيتها

هي ربما لا تفكر في حل سحري. غير أنها تحارب أفكارا طارئة تسمم بخبثها تاريخا من الحكايات. فما لن تقتلعه المكنسة الكهربائية هو ما يُسمى بـ”هوية المكان” التي تتشكل عناصرها من أصوات وأحلام وأفكار وذكريات وصور لا تزال هائمة، تحلق بأجنحتها كما لو أنها كائنات حية.

أعود إلى عملها “صحف”. إنها تستدرج من خلاله الواقع إلى أن يعلن عن خيانته للحقيقة. وهي خيانة مزدوجة. يخون الواقع واقعيته باعتبارها مفهوما وفي الوقت نفسه فإنه يخون المؤمنين به باعتباره حلا مؤقتا لمشكلاتهم.

تفكيك لغة المحتل

في عملها “ملتقى طرق” الذي يعود إلى عام 2003 تطرح  سعادة إشكالية الاقتلاع والانتماء بطريقة صادمة. فالمرأة التي هيأت حقيبتها للسفر تركت باب بيتها مفتوحا فيما انغرست إحدى قدميها بحجر وهو ما يحول بينها وبين الحركة. فكرتان تتصادمان. السفر والبقاء. وإذا ما كان البقاء قد ارتبط بالحجر الذي هو إشارة رمزية إلى الحجز من خلال جدران الفصل العنصري فإنه يشير إلى وضع إنساني يشبه المنفى الإجباري. أنت باق في أرضك لأنك مقيد بحجر.

لا تنتمي أعمال سعادة إلى الفن “الثوري” الفلسطيني. فهي متمردة بطريقتها الخاصة. لها لغتها التي تعتقد أنها من خلالها يمكنها أن تكشف عن الحقيقة وهي ما لم تتمكن البيانات الثورية من الوصول إليها. فالفنانة هي أبنة الحياة الحقة في ظل الاحتلال. لا لأنها تتكلم لغة المحتل فحسب بل أيضا لأنها تعرف ما الذي يفكر فيه المحتل.

9