رائد السينما الوثائقية اللبنانية: المحارب النبيل جان شمعون يترجل

رحل عن عالمنا الأربعاء المخرج السينمائي اللبناني جان شمعون بعد مسيرة مهنية تجاوزت الخمسين عاما، تاركا أفلاما تروي عن فنان لطالما اعتبر الكاميرا سلاحا وشاهد عيان في زمن الحروب التي تسعى بكل الوسائل للقضاء على ذواكر الناس والأمكنة.
الجمعة 2017/08/11
جان شمعون وشريكته في الحياة والفن مي المصري

انطفأ الأربعاء وهج المخرج اللبناني جان شمعون (مواليد البقاع، 1944) الذي دشّن مع مجايليه، أمثال برهان علوية ومارون بغدادي، مسارا مختلفا للسينما اللبنانية.

رحل شمعون الذي يعد الذاكرة المدونة للحرب الأهلية، والاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية عبر أفلامه الوثائقية التي وثق من خلالها التفاصيل الإنسانية والمؤثرة التي تأتيها الحروب على الطفل والمرأة والناس العاديين.

وسافر الراحل مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى فرنسا لدراسة السينما، واحتك بزمن يغلي بعد أحداث ثورة 1968، بعدها عاد جان شمعون إلى واقع تدمره الحرب اللبنانية، فكان شديد الاقتراب من قضايا زمنه، وخاصة القضية الفلسطينية، كما عرف بقربه الشديد من الناس ويومياتهم.

وهذا الاشتباك مع الواقع نجده من البدايات مع أول أفلامه التسجيلية “تل الزعتر” (1977)، حيث روى فيه مع شركائه مصطفى أبوعلي وبينو أدريانو واقع ذلك المخيم والصمود والتعاضد البطولي لأهله في وجه الحصار الخانق، كما يسير الفيلم ويضيء على إجابات متعددة عن سؤال رئيسي: لماذا تل الزعتر بالتحديد؟ وتابع شمعون انخراطه في المقاومة عبر كاميراته وقدم فيلمه الثاني “أنشودة الأحرار” (1978) موجها من خلاله تحية إلى حركات المقاومة في القارات الثلاث.

وبعد هذه التجربة سيتعرف شمعون على من ستصبح شريكته في الفن والحياة، المخرجة مي مصري، وتابع معها فصول سيرة سينمائية تتسم بالشجاعة وبصوابية المواقف الأخلاقية.

رحل شمعون الذي يعد الذاكرة المدونة للحرب الأهلية، والاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية عبر أفلامه الوثائقية التي وثق من خلالها التفاصيل الإنسانية والمؤثرة التي تأتيها الحروب

ومع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت لم يكن شمعون بعيدا عن ذلك الحدث الكبير؛ فقد صور مع شريكته في فيلم “تحت الأنقاض” (1982) من أعلى أسطح البنايات ومن تحت الأنقاض كل ما يمكن تصويره موثقين بطريقتهما الخاصة ذاكرة الاجتياح وويلاته، وهذه الشراكة الاستثنائية لفتت الأنظار إلى أهميتها وفرادتها مع فيلم “زهرة القندول” (1985) الذي عرّف بدور المرأة الجنوبية في مقاومة الاحتلال. ولاحقا، ستتطور ملامح الشراكة الفنية مع الحفاظ على الثوابت التي وسمت أعمال شمعون منذ البدايات، كما سيبقى الواقع المشتعل في قلب أعماله، وهذا ما تشير إليه بوضوح أعمال المرحلة اللاحقة مع أفلام “جيل الحرب” (1989)، و”أحلام معلقة” (1992) و”رهينة الانتظار” (1995).

أخرج شمعون وأنتج مع زوجته مي المصري 12 فيلما عرضت في أكثر من مئة بلد في العالم. كذلك، نال الراحل جائزة “لوكينو فيسكونتي” الإيطالية عن مجمل أعماله. ولم يخرج شمعون في حياته سوى عمل روائي، أنتج في عام 2000 بعنوان “طيف المدينة”، وفيه قدم شمعون شهادته التي صاغها بالكاميرا والدم عن الحروب التي شهدها بأم عينيه.

وجاء الفيلم مشددا على أهمية الحفاظ على الذاكرة اللبنانية وحمايتها من النسيان الذي من شأنه أن يؤسس لحرب أعنف، وفي أحد تصريحاته الصحافية يقول الراحل عن تجربته السينمائية “عبر تجربتي في السينما كنت على احتكاك مباشر بالواقع، وعايشت الشخصيات بأوهامها ومشاكلها وأحلامها المستحيلة، وراكمت التجارب”. واستمر المخرج الراحل على النهج نفسه، مع شريكته مي المصري، حتى عناوين أفلامهما الأخيرة، وهو ما يجده المتابع في “أرض النساء” (2003) الذي يعد أبرز أعماله، حيث يقدم فيه حكاية ثلاث مناضلات فلسطينيات (كفاح عفيفي وفدوى طوقان وسميحة الخليل)، وبعده أصدر فلما وثائقيا وهو “يوميات بيروت” (2006).

وتبدو حياة جان شمعون منذ دخوله إلى ساحة الحرب بالكاميرا حتى رحيله الأخير كأنها فيلم وثائقي يحكي عن بطل دخل المعتركات جميعها وخرج سالما، دون أن تغيره بشاعتها لحظة، وظل شمعون وفيا سلوكا وفكرا لجملة القضايا التي طالما أرقته وجعلته واحدا من أبرز المحاربين الأخلاقيين الأصلاء في أزماننا الرديئة.

16