رائد مسرحي عربي يترجل في باريس

الاثنين 2016/07/18
مدرسة مسرحية

وُصف بـ”الأب الروحي للمسرح اللبناني”، و”أبوالمسرح الحديث”، أو مؤسسه في لبنان، و”رائد المسرح الطليعي”، و”مؤسس المسرح الاختباري”، و”رائد المسرح الفقير” و”مسرح المنابع”، ذلك هو المخرج المسرحي اللبناني منير أبودبس، الذي وافته المنية الجمعة الماضي في باريس عن عمر 84 عاما.

كان الراحل أبودبس مدرسة مسرحية بكل ما للكلمة من معنى، تخرّج على يديه عدد كبير من المخرجين والممثلين الذين أسهموا في تأسيس حركة المسرح اللبناني الحديث في القرن الماضي، منهم: أنطوان كرباج، ريمون جبارة، رضا خوري، أنطوان ملتقى، ميراي معلوف، ميشال نبعة، ليلى الحاج، وغيرهم. وقد سار كل منهم في طريقه الخاص وتبنّى رؤية مختلفة، ما ساهم في إحياء المسرح اللبناني وإغنائه.

يُعدّ الراحل الشخصية المسرحية العربية الثالثة، بعد الرائدين المصريين يعقوب صنوع وجورج أبيض. سافر إلى باريس عام 1952، وهو في سن العشرين، لدراسة الرسم، لكنه انجذب إلى المسرح، أخذه إحساس غريب ممزوج بالوعي والدهشة إلى هذا الفن، فالتحق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وأمضى 8 سنوات في الدراسة والعمل، عقب انضمامه إلى محترف روجيه غايّار المسرحي للتمثيل. كما انضم أبودبس إلى فرقة المسرح الإغريقي لجامعة السوربون، وشارك في مسرحيات لأسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس، ومثّل دور الملكة في مسرحية “الفرس” لأسخيلوس لأن الفرقة لم ترد إدخال الفتيات في تمثيل المسرحيات الإغريقية، حرصا منها على التقاليد الأصلية للمسرح اليوناني القديم، التي كانت تسند أدوار الفتيات للرجال، وتستخدم أقنعة وكورالا وموسيقى قديمة.

بدأ منير أبودبس بالمسرح الشامل الجامع بين المسافة والممثل والإضاءة، ولم يتغير حتى آخر تجاربه، لأنه اعتبر دائما أن الفعل المسرحي ليس للاستعراض، بل هو لقاء صعب التفسير، غريب، بين الممثل والمسافة والكلمة والضوء.

وإذا كان بعض النقاد قد رأى تقاربا بينه وبين غروتوفسكي ومسرحه الفقير، فإنه أكد على وجود فروقات بينهما. فغروتوفسكي من المسرحيين الذين عاشوا حياتهم كما عاشوا مسرحهم، لم يفصلوا بين الاثنين، وركز كثيرا على إمكانية الجسم، على الممثل البدني الإسبرطي، بينما اهتم أبودبس في تمارينه بالرؤية قبل أي شيء آخر، حيث كل شيء يتبع عنده الرؤية والتنفس. وبذلك كان قريبا، كما يقول، من المذاهب الشرقية.

نهل أبودبس من ينابيع مسرحية أوروبية عديدة، كما تقول خالدة سعيد في كتابها “منير أبودبس والحركة المسرحية في لبنان 1960– 1975”، فقد تأثر برمزية إدوارد غوردون كريغ، الذي جعل المسرح ساحة للظلال والفضاء والحركة. وتأثّر بطقسية أدولف أبيّا، الذي وجد في الصالة المسرحية “كاتدرائية المستقبل”. ونهل كذلك من المذهب الطبيعي الذي نظّر له ستانسلافسكي. ووصفت سعيد رؤيته المسرحية بالمتكاملة، بدءا من مفهوم المسرحة وعلاقة الخشبة والمشهد المسرحي بالعالم، وصولا إلى علاقة النص بالعرض المسرحي والسينوغرافيا، ودور الممثل في العملية المسرحية، ومنهج إعداد الممثل.

تميّز أبودبس، في مرحلة النضج، بأسلوبه الإخراجي الخاص جدا، وطبع به كل الأعمال التي قدمها، من شكسبير إلى آرابال إلى غوته إلى الإيرلندي سيمج ودورنمات وبريشت وكامو؛ ذلك الأسلوب الذي يعتمد كثيرا على مرونة الممثل وعفوية جسده، ويتخذ صيغة الاحتفال الطقسي، الصوفي، الديني، وتقديس السحر، والحركات التعبيرية المجنونة في فضاء صغير ذي جدران سود، يحتوي على عدة مقاعد خشبية، يتعانق فيه الجمهور مع الممثل القريب، في جو شبه معتم أو ذي إضاءة خافتة، وفي غياب للديكور التقليدي والأزياء المزركشة ذات الطابع التاريخي.

من أعمال أبودبس الأخرى باللغة العربية “أنتيغونا”، “ماكبث”، “يسوع ابن الإنسان”، “الذباب”، “قيصر وكليوباترا”، و”النبي والظلال”. وباللغة الفرنسية “وجه عشتار”، “حورية أونتيورش”، “العرس”، و”شواطئ الخسوف”. ولم يقتصر عمله على المسرح فقط، بل أخرج مجموعة من الأفلام السينمائية والتلفزيونية زاد عددها عن عشرين فيلما.

15