رائية الحرف العربي

الجمعة 2017/05/26

يعود الحديث عن الفرضية العلمية لوجود الأكوان المتوازية إلى الظهور بشكل غير مسبوق على الساحة العلمية، ومن المعلوم أن مبدأ وجود أكوان متعددة قد شغل العديد من العلماء والفنانين لا سيما هؤلاء الذين اتخذوا الفن الديجيتالي والتجهيز والفيديو آرت والفن التفاعلي منطلقا واستمرارية لمسيرتهم الفنية، هذا إذا لم نذكر هؤلاء الفنانين المنغمسين في حقول “الهايبر ريالتي” و”السايبرسبيس” الافتراضية.

كما أشعلت فكرة الأكوان البديلة والاحتمالات الأخرى أو الأبعاد غير المرئية للكون الذي نعيش فيه مخيلة السينمائيين والفنانين التشكيليين المعاصرين الغربيين، لتنتشر الأفلام السينمائية وألعاب الفيديو والأعمال الفنية المصنفة بـ”الهايبر ريالية” التي تصور ما يشبه أبوابا أو نوافذ هي مداخل إلى عوالم موازية أو مخارج من رتابة أو بشاعة العالم الذي نحيا فيه إلى أكوان مُحتملة.

وإذا كانت هذه النظرية هي فعلا حقيقة علمية، وكم يتمنى الكثير منا ذلك، فهذا يعني بحسب العلماء أن تلك “العوالم تقف مرتجفة الواحدة خلف الأخرى”، وكأن هذه الكلمات التي ترشّح صورا خيالية غنية ومؤثرة لا تكفي حتى يضيف العلماء أن تلك العوالم، في حال حدث أي تلامس مهما كان طفيفا بينها، فسيسيل منها إلى عالمنا ما هو قليل ولكنّه كاف ليحدّث عن وجود عوالم حقيقية أخرى غير هذه التي نعيش فيها.

تأخذنا هذه الأفكار إلى ما نُسب يوما ما إلى ألبرت أينشتاين وما نسب إليه من أقاويل بالغة الأثر في النفس تنتمي إلى ذبذبات البصيرة الفنية قدر الانتماء إلى المنطق العلمي البحت، ويبدو أينشتاين بكلامه التالي وكأنه يصف وصفا دقيقا وشعريا لما يُسمى بفن الحروفية الإسلامية المعاصرة.

افترض أينشتاين أن “العالم عبارة عن كتاب مكوّن من عدة صفحات وكل صفحة عبارة عن عالم ‘كون’ مستقل بذاته، فلو أن عالمنا مدون بالحبر فالعالم الآخر في الصفحة الثانية مدوّن بالحبر السري أو غيره، وبهذا فإننا لا نراه لأنه مختلف عنا بمواد تكوينه”!.

كم يشبه هذا الكلام أعدادا لا تحصى من الأعمال الفنية الشرق أوسطية والمعاصرة الرائعة والرائية التي تتخذ الحروف العربية كإشارات بصرية منفلتة من قانون الجاذبية.

إشارات تشّف على صفحات أو طبقات متعددة من اللوحة لتتخذ لها مقرا في آن واحد في أكثر من صفحة وأكثر من هيئة، تسرح وتتقلب وتتعاكس وتطوف وتتمدد وتتحجّم وتشفّ وتتكثف وتستحيل إلى صدى وإلى خيالات وما من شيء يحدّ من سباحتها في اتساع يتسع دون توقف.

لا، بل كم ينطبق وصف كلام أينشتاين على الأعمال الشرق أوسطية المعاصرة التي تتخذ الحروف كصهوات لأحصنة سوداء عربية جامحة تحسن التنقل كسرعة البرق والمداد والترويس والتوين في أبعاد الألوان التراجيدية.

نقول تراجيدية، لأن تلك الأعمال غالبا ما تزخر بتجريدية “مفرطة” تتشكل أمام أعين الناظرين بكل جماليتها، ولكنها في الآن ذاته هي جمالية ممتنعة، ومتمنعة يستحيل لمسها، أي لمس كنهها وإدراك مواقع ومنابع روعتها لمجرد أنها حاضنة لرسائل تومض ومضا وهي من عالم آخر يواكبنا ويحاذينا وهو مختلف تماما عن هذا الذي نعيش فيه.

ففي حين احتاج الفن الغربي المأخوذ تاريخيا وحتى اليوم، وإن بأشكال أخرى، لما تقدمه الصور من تمثيل مشابه للعالم الظاهري ليجيء تعبيره عن اللامرئي في صور مألوفة كالأبواب المفتوحة على عوالم أخرى، فإن الحروف العربية ليست بحاجة إلى وسيط وهي بحد ذاتها طاقات إلى النور وإلى ما يكمن خلف المرئي وخلف العادي الخانق.

في عزّ الكلام عن العوالم الافتراضية وعن الاحتمالية الهائلة والمُقلقة للبعض في أن يكون العالم الذي اعتدناه ونعيش فيه هو ليس “الحقيقي”، نُقر من جديد برائية فن الحروفية والزخرفة العربية.

فن رائد وسيظل كذلك في عالم أراد الكثير من سكانه تصنيفه على أنه مجرد نتاج حرفيّ جميل، وكفى.

ناقدة لبنانية

17