"راجل وست ستات".. المسلسل الأطول في تاريخ الكوميديا المصرية

كتاب عشقوا شخصياتهم فأحبها المشاهد على مدى 12 عاما، والمسلسل كوميديا راقية بلا تعقيدات صالحة لأي مكان وزمان.
الخميس 2018/12/06
أداء بعيد عن التكلف

أخفقت الكثير من الأعمال الدرامية التي قدّمت مؤخرا بأجزائها المتعددة في جذب المشاهدين، وأصبحت المسلسلات التي تتجاوز الثلاثة أجزاء مملّة ورتيبة، لأنها ظلت مصحوبة بأسلوب تمطيط أفقدها رونقها الأول، لذلك تخلى الكثير من المخرجين عن ذلك، كما أن سوق الإنتاج لم يعد مهيّأ للمزيد من هذا النوع.

القاهرة - يقف مسلسل “راجل وست ستات” في جزئه العاشر استثناء بين الأعمال الطويلة، لأنه امتداد لعمل كوميدي بسيط الثيمة، تدور أحداثه حول “عادل” صاحب “بازار” يعيش مع ست سيدات، هنّ: زوجته المتفلسفة وشقيقته العانس وابنته التي كبرت وصارت شابة وأمه المنحازة له دائما وحماته الطيّبة وأخت زوجته المطلقة وطفلها الصغير المُشاغب، فضلا عن ابن عمه رمزي الذي يواصل في الحلقات الجديدة سلسلة المشاكل التي يتسبب فيها دون قصد لعادل.

هذه هي القصة الرئيسية للعمل على امتداد أجزائه التي قدمت، ومن المتوقع تصوير أجزاء جديدة منه في ظل حالة النجاح التي يحظى بها، لا سيما الجزء العاشر الذي يعرض على قناة “أم.بي.سي مصر”، ويحقق نسب مشاهدة تلفزيونية عالية ومشاهدات أكبر على الإنترنت.

حبكات درامية

قصة لا تعقيدات أو حبكات درامية قوية فيها تصلح لأي مكان وزمان، ولا ترتبط إلاّ بفكرة التعايش بين المختلفين في العمر والطباع والسلوكيات والثقافات وتقبل الاختلافات البشرية، وتحمل ما تفرزه من مشاكل أو تشاحن في بعض المواقف أو ما  ينتج عنها من إيجابيات مثل التلاحم في الأوقات الصعبة.

فكرة رسمها منذ البداية المؤلف عمرو سمير عاطف، بشغف واضح للشخصيات التي جاءت متقنة ومقنعة وطبيعية لدرجة جعلت من الصعب فصل الممثلين الأساسيين فيها عن الشخصيات التي يؤدونها، وكأنهم انصهروا داخلها فلم يعد المشاهد يفرّق بين الفنان أشرف عبدالباقي “عادل”، طيب القلب الذي يحتوي الجميع، أو بين الفنان سامح حسين في دور “رمزي” الساذج.

العمل تحول إلى حياة درامية متكاملة يتعايش معها المشاهدون بشغف، وكأن أفراد هذه العائلة صاروا أصدقاء لهم

أما المؤلف ولاء شريف فقد أكسب الجزء التاسع والعاشر وهجا كوميديا مميزا، أعاد حالة الارتباط الجماهيري القوي بالمسلسل، والذي تعرض لتراجع محدود في متابعة بعض أجزائه بعد انسحاب سامح حسين من العمل، عقب الجزء الخامس، بحثا عن دور للبطولة الفردية.

ولاء ومعه مجموعة من الكتاب الموهوبين، مثل سمير السمري، باسم حسين، أحمد ناصف، أيمن عكاشة، صالح سعيد، وليد عبدالسلام ومحمد عبدالعظيم، استطاعوا منح الموضوعات الهزلية الساخرة زخما كبيرا، بفضل قدرتهم على اختلاق مواقف ضاحكة بصورة راقية، بعيدة كل البعد عن الابتذال.

ومن هذه المواقف التي تناولتها الحلقات عض الكلب لرمزي وإصابته في حلقة أخرى بالعمى نتيجة تناول دواء للكحة ثم عمله بالمخابرات في حلقة تالية، ووجود شبح في “البازار”، والتعامل بالمقايضة بعد إلغاء العملة، ورانيا (الفنانة لقاء الخميسي) زوجة عادل واشتراكها بمسابقة ملكة جمال مصر، ومساعدة لص على التوبة.. وغيرها الكثير من المفارقات الهزلية التي تنطلق من خلالها كوميديا الموقف المرتبكة التي منحت العمل حيوية تعكس حماس كتاب تعاملوا وكأنهم يقدمون أولى أجزاء العمل.

ولم يجد مخرج العمل، أسد فولادكار، مهربا منذ بداية عمله بالمسلسل من محبة شخصياته، التي انحاز لها وهي تتحرك على الورق بكل خفة ولطافة، فحولها إلى شخوص من لحم ودم على الشاشة منذ الجزء الأول، وتدفقت الأحداث في حياة هذه الشخصيات على مدى 12 عاما، هي عمر المسلسل الكوميدي الأطول في تاريخ الكوميديا المصرية، من حيث أجزائه وحلقاته.

راجل

وتحوّل العمل إلى حياة درامية متكاملة يتعايش معها المشاهدون بشغف، وكأن أفراد هذه العائلة الكوميدية صاروا أصدقاء لهم، وهذه قمة النجاح لأي مسلسل مهما كان نوعه، حيث يشعر متابعوه وكأنهم في صداقة مع شخصياته، وهذا ما يحول أي عمل إلى مسلسل متدفق الأحداث والأجزاء بكل انسيابية.

وكانت بداية فولادكار مع هذا المسلسل الذي صنع اسمه وتلاه بالكثير من الأعمال المتميزة، مثل “الزناتي مجاهد”، و“عفاريت محرز” و“جوز ماما”، وسيعرض له في بداية العام المقبل فيلم “قرمط بيتقرمط” بطولة الفنان أحمد آدم، ويبقى “راجل وست ستات” من أهم أعماله الذي يتفانى في الإضافة إليه مع كل جزء.

وجميع أدواته كمخرج كانت مسخرة لوضع لمسات من البهجة والحيوية للعمل، فالديكورات لوحة تشكيلية معبرة، في بيت عادل أو في “البازار” أو في المقهى التي يجلس فيها عادل ورمزي، والإضاءة مريحة للعين والإكسسوارات تمثل قطعا فنية، إلى جانب الملابس الأنيقة  لكل المشاركين في العمل، سواء في الأدوار الرئيسية أو الثانوية.

وساهمت هذه العوامل في التغلب على معضلة قلة الأماكن التي يتحرك داخلها الأبطال والتي لا تتجاوز أربعة أماكن بشكل ثابت، فرغم محدودية حركة الشخصيات داخل أماكن قليلة، إلاّ أن فولادكار لم يقع بالعمل في براثن الملل والرتابة حيث استخدم كل التفاصيل المتاحة لمنح لقطاته حيوية تنبع من الأداء وكل العناصر المساعدة له.

راجل

منطقة النفوذ الفني

منذ بداية العمل والممثلون لم يدخلوا في منطقة نفوذ المخرج كمسؤول أول عن العمل، رغم صغر سنه وقلة خبرته، لا سيما في الأجزاء الأولى، وهذا الاحترام لمكانته منحه ثقة في نجومه الذين قدموا أدوارهم بكل راحة.

وهنا نجد أشرف عبدالباقي، الذي كان نموذجا للامتثال والالتزام الفني، وهو يعد الامتداد العصري لمدرسة “المدبوليزم” في الكوميديا والتي تنسب إلى الكوميدي المصري الراحل عبدالمنعم مدبولي، تلك المدرسة التي أجادت في الارتجال من داخل النص، الذي يضيف للعمل دون أن يفقده اتزانه أو احترامه، إنما يكسبه روحا أخف عن طريق ضحكات لا تذبل مع السنوات بل تظل معطّرة بالكوميديا الراقية التي جعلته مدرسة في مجاله.

وعاد سامح حسين بعد سنوات من الخبرة، وهو متلبس شخصية رمزي تماما، وظهر ذلك في أدائه المتمكن لشخصية الشاب محدود الذكاء، وتعد عودة سامح للدور الثاني بعد عدد من البطولات السينمائية والتلفزيونية التي اختلفت نسب نجاحها، نقلة إلى الأمام في مسيرته وليست عودة إلى الخلف.

والتمسك بالأدوار الأولى، في ظل أزمة الإنتاج الدرامي والسينمائي، يعني التوقف وهو المصير الذي عانى منه الكثير من ممثلي الأدوار الثانية الذين انتقلوا إلى أدوار البطولة ورفضوا التراجع خطوة لضمان الاستمرار والحضور.

راجل

وهي خطوة اتخذها سامح نفسه وتحسب له وتمنحه مساحات متعددة للظهور في الأدوار الأولى أو الثانية، لأن التصنيف الأهم لأي ممثل هو الإجادة في الدور، وهو ما تمكن منه سامح في دور رمزي بعد العودة في الجزأين التاسع والعاشر.

وامتلكت لقاء الخميسي في دور رانيا زوجة عادل، طريقة أداء خاصة، ولم تقحم بها نفسها في دوائر التصنيف ككوميدية، بل كممثلة مجتهدة لدورها في عمل كوميدي أضافت إليه من روحها، وهس التي تملك رشاقة وخفة ظل وطلة تجعلها واحدة من أهم النجمات تألقا في مجالها.

وبعيدا عن الجوانب الفنية في المسلسل هناك لفتة إنسانية رائعة تحسب لمخرج وبطل العمل، وهي مشاركة الممثل الشاب هشام شرف (ابن الممثل الكوميدي الراحل محمد شرف)، كنوع من الدعم المادي والمعنوي لوالده خلال رحلته مع المرض والتي استمرت سنوات، وقد أثبت هشام أنه جدير بالفرصة التي أتيحت له في دور صبي المقهى.

16