راجي بطحيش: لا دور يذكر للمثقفين في مأساة غزة

الثلاثاء 2014/08/05
بطحيش: القارئ الملتزم الذي يحتكر الحقيقة هو أول من يتوجب علينا حشره في الزاوية

الناصرة - تحضر أطياف الكونت لوتريامون في نصوص راجي بطحيش، إذ نقف أمام عالم جديد، يتحدّى فيه الشاعر الفلسطيني العنف الرمزي الذي يفرضه الكون على حساسيته تجاه الظواهر، راجي بطحيش من مواليد الناصرة عام 1970 أقام عددا من الورشات للكتابة الإبداعية، وصدرت له عدة دواوين شعرية منها “الظل والصدى”، “العري وقصائد أخرى”، وعدد من المجموعات القصصية منها “ملح كثير..أرض أقل”. كان لـ"العرب" اللقاء التالي معه في حديث عن الكتابة وأغوارها وعلاقات الجسد والنص والسلطة.

كتب بطحيش الشعر والقصة والنثر وحتى المسرح، لكننا نلمس دلالة رمزية لعبوره للأجناس الأدبية في نصوصه “، كحالة كتابه “بر- حيرة- بحر” المجنس بـ”بورتريه منثور”. إلا أن بطحيش يرى نفسه بأنه لا يكتب المسرح بالمعنى الفعلي، ولا يعرف حتى كيف يكتب غيره المسرح، ولا يمتلك تقنيات الكتابة المسرحية، لكنه يرى أن هنالك نصوصا نثرية فنية تتطلب منه مسرحتها أو إعادة صياغتها ضمن عمل راقص أو فيديو آرت وما إلى ذلك.


تداخل الأجناس

يعتبر الشاعر نفسه فنانا أكثر من كاتب، فالكاتب، في رأيه، فنان، لكن الناس، وخاصة في أوساطنا الثقافية، لا يدركون ذلك أو أنهم لا يريدون الاعتراف بذلك، لذا نجده يتصرف كفنان، ينتقل بخفة بين النثر والشعر والسرد، وأحيانا ضمن نص واحد فيما يعرف بالتداخل النصي.

ما يهمه هو العمل النهائي وليس تعريف الجنس الأدبي، إذ يرى نفسه ضمن كل التعريفات وحدودها، سواء شخصيا أو مهنيا وفنيا، وأبرز مثال على ذلك كتابه “بر- حيرة – بحر”، الذي يأسف لانشغال النقاد في حيرة تصنيفه أكثر من اهتمامهم بالعمل نفسه.

أمّا في ما يكتبه بطحيش فهو اقتحام للكون، ومحاولة لتأسيس حضور جديد، وتكوين علاقات جديدة بين عناصر هذا الكون، فالشاعر يرى أنه يحاول في نصوصه -ولا ينجح دائما في اعتقاده- تكسير علاقات القوة التي يفرضها المنتصر على المهزوم، حيث يعتبر أن المهزوم أو الضعيف ليس له إمكانية اختيار شكل آخر من العلاقات التي فرضت عليه، فتغدو بذلك علاقات مقدسة وعضوية ولدنا معها، وهي مفهومة ضمنا ولا يمكن تفكيكها.

ينبع ذلك، في رأي الشاعر، من نظم المعرفة التي يتحكم فيها القوي كي يمعن في قوته. ويؤكد قائلا: "إن النص الأدبي يمكنه تقديم اقتراحات جمالية لانتهاك نظم العلاقات المفهومة ضمنيا بين الأشياء، وخاصة النظم الأخلاقية التي يضعها القوي الطاغية وفق هواه، ووفق ما يخدمه ويخدم بقاءه وبقاء فكرته".

بعد 67 سنة ما زال الإسرائيلي يشعر بأنه غريب في المنطقة، وهو يغار من أصلانية الفلسطيني و"شاميته"


العلاقة بالاحتلال

عن علاقته مع الآخر الإسرائيلي جسدا ونصا، يشير بطحيش إلى أن العلاقة بين الإسرائيلي والفلسطيني في مناطق 48، خلافا للضفة الغربية وغزة، متداخلة للغاية، في العمل والجامعة والدوائر الرسمية. لكن العلاقات عادة ما تجري على أرضية هائجة من التوتر والكراهية الصافية أحيانا، والرغبة في الهيمنة التي تحمل سمات استشراقية واضحة من قبل الإسرائيلي، ومقاومة ذلك من قبل الفلسطيني.

يضيف الشاعر قائلا: "بعد 67 سنة ما زال الإسرائيلي يشعر بأنه غريب في المنطقة، وهو يغار من أصلانية الفلسطيني و”شاميته”، لذلك يحاول زعزعة هذا الانتماء الحضاري بواسطة الادعاء بكونه (أي الإسرائيلي) المتحضر الوحيد في الشرق الأوسط، وهو مجتمع غربي جلب معه الحضارة والحرية والرقي للشرق المتوحش الصحراوي، لذا علينا أن نشكره على احتلالنا".

أما في نصوصه فعلاقة بطحيش مع الإسرائيلي قد تغيرت مع العمر ومع تخمر الوعي، وتحولت من الإعجاب والتبعية إلى الخوف، ثم الكراهية الممزوجة بالشعور بالذنب، إلى التجاهل والإيمان بالتفوق الحضاري والأخلاقي النابع من أصلانيته، ومن انتمائه إلى مجتمع أسس للثقافة الحضارية في شرق المتوسط.


نصوص الجسد

وصف البعض نصوص بطحيش بأنها تثير الإزعاج بالنسبة للقارئ الملتزم، عن التابوهات التي يحاول كسرها فيما يكتبه، وعن المسافة التي يأخذها من المواضيع التي يتناولها، يقول الشاعر: "بداية أنا لا أعرف ما معنى القارئ الملتزم، ملتزم بماذا بالضبط؟ لا توجد تابوهات أحاول كسرها، وإذا كانت هنالك تابوهات، فبالتأكيد هنالك من كسرها قبلي. كتبت عن المثلية، وكنت قرأت مؤخرا عددا كبيرا من الروايات العربية التي تحوي مواقف مثلية مفصلة وبغاية السلاسة، وآخرها كانت رواية “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” لخالد خليفة. أما نصوص الجسد التي كتبتها فهي أجمل ما يمكن كتابته وأكثرها متعة للكاتب، فالقرب البصري بين الوعي والجسد لا يمكن تجاهله. لا يمكن تجاهل هذه الكتلة المادية العجيبة. أما بالنسبة لمسألة القارئ الملتزم الذي يحتكر الحقيقة فهو أول من يتوجب علينا حشره في الزاوية".

نصوص الشاعر الفلسطيني توصف بأنها تثير إزعاج القارئ الملتزم

هناك فجاجة وقسوة في نصوص بطحيش، وتغن بالقذارة في محاولة لاستدراج شعريتها، فهو يعتقد أن هناك سعيا منا كبشر إلى إيهام أنفسنا بأننا نسير على مسطحات معقمة نسيطر عليها، ولكننا في الحقيقة نعيش، ونمشي على أكوام فعلية ومجازية من الجراثيم والقذارة، كما أن هنالك قذارة كبيرة في داخلنا. فالإنسان، في رأيه، مستعد أن يلقي بقنبلة على مدرسة، ويعود إلى بيته بنبل شديد يلاعب أطفاله، ولكنه غير مستعد لمشاهدة صور أشلاء الأطفال في الليل عبر التلفاز، لأنها تؤذي حسه المرهف، علينا فضح هذه الثنائية من النفاق عبر مواجهة القذارة.

كما تتسم نصوص الشاعر بتعريّة لما هو قائم، في محاولة لفضح ما هو خفي وشبقي، إذ يتخذ موقف النزق من الكون وعلاقاته، ويعود ذلك في نظره إلى أن العدو الأكبر للإنسان هو إيمانه بأن ما هو قائم هو الأفضل له والأنسب لحياته، وأنه أصلا لا يستحق أكثر مما هو عليه. يقول بطحيش: "هنالك طبقات أعمق ومنافذ أخرى للخلاص، ومن وظيفة أمثالي كشفها، مع أنني أعترف بأني في حياتي اليومية أتواطأ كثيرا مع ما هو قائم لخدمة مصالحي المادية بالأساس، فنحن لا نستطيع أن نكون مبدئيين حتى النهاية، وهنا تكمن المفارقة ولكني أحاول على الأقل في مستوى النص".


دور المثقف

تشهد غزة الآن عدوانا وتسلطا لآلة القتل، فعن دور المثقفين والكتاب أمام ما يحدث، وعن سطوة الكلمة أمام قوة الرصاص، يعقب بطحيش "للأسف وباختصار وصلت إلى نتيجة في خضم العدوان الحاصل على غزة، أنه لا دور يذكر للمثقفين في هذه الحالة، ما يحدث أقوى من أي كاتب أو مثقف، فالكل يسعى إلى تحقيق مخططه بأكبر عدد من التحالفات السياسية القذرة، وللأسف المثقف يقاوم قهره على خلفية صور الأشلاء وجثث الأطفال بإطلاق ستاتويات الفيسبوك".

ويرى الشاعر أن بعض الكتابات المرحلية سيئة، وسرعان ما تنسى وتمحى من رصيد الكاتب، فالكاتب يحاول اللحاق بالحدث للإمساك به عبثا. ويعتبر الأزمات في منطقتنا، وتحديدا في فلسطين وسوريا والعراق، تجري وفق سيناريوهات نحاول أن نظهر أننا نفهمها، ولذلك ترانا نقع في فخ الابتذال بدل أن نناضل للدفاع عن وجودنا، وعن حضارتنا، ولغتنا، وثقافتنا، وحريتنا الشخصية والجنسية، وعن حضورنا في الحيز العام.

15