"راحوا" دراما لبنانية تسلط الضوء على ضحايا العمليات الإرهابية

الفكرة الرئيسية للمسلسل تحمل إسقاطا سياسيا واجتماعيا في سعيها لتلمس الحدود بين الخير والشر.
الأربعاء 2021/04/21
محاكاة للواقع اللبناني المأزوم

استبقت محطة “إم.تي.في” اللبنانية السباق الرمضاني بعرضها المُبكّر للمسلسل اللبناني “راحوا” قبل بدء شهر الصيام بأيام قليلة فقط. وكان المسلسل الذي تم الانتهاء من تصويره قبل عام تقريبا يتوقّع له أن يُعرض في موسم الخريف الماضي، إلاّ أن الشركة المنتجة له تراجعت عن قرارها وفضلت عرضه في شهر رمضان هذه السنة.

يخوض المسلسل اللبناني “راحوا” السباق الرمضاني هذا العام مع عدد قليل من الأعمال اللبنانية، إذ يبدو أن الأزمات المتلاحقة التي تعرّض لها لبنان بما فيها أزمة وباء كورونا كان لها تأثيرها الواضح على حركة الإنتاج الدرامي بالبلد، فالأعمال المشاركة في هذا السباق ومن بينها الأعمال المشتركة لا تتجاوز السبعة أعمال، وهو رقم هزيل إذا ما قورن بالأعوام السابقة بلا شك.

و”راحوا” من إخراج نديم مهنا وكتبت له السيناريو كلوديا مرشليان. وما يلفت هنا أن العمل يضم نخبة كبيرة من نجوم الصف الأول في لبنان تتصدرهم النجمة كارين رزق الله إلى جانب النجم بديع أبوشقرا. ومن الجدير بالذكر أن النجمة رزق الله تخوض السباق الرمضاني هذا العام بعمل آخر هو “350 غرام” الذي تتشارك في بطولته مع النجم السوري عابد فهد.

ومن النجوم المشاركين في هذا العمل أيضا تبرز أسماء لامعة مثل نيكولا مزهر وجوزيف بونصار ونهلا داوود وأليكو داوود وبريجيت ياغي ومجدي مشموشي وأنطوانيت عقيقي وماري أبي جرجس وبرناديت حديب ورنده كعدي وميشال حوراني وجان دكاش وغيرهم من النجوم الصاعدة. وهي تشكيلة كفيلة بإنجاح أي عمل، فكلهم نجوم متمرسون ومقتدرون، وهو ما بدا بالفعل على الأداء العام للعمل والذي مثل مباراة شيقة في الأداء التمثيلي.

والفكرة الرئيسية للمسلسل تحمل إسقاطا سياسيا واجتماعيا في سعيها لتلمس الحدود بين الخير والشر، والازدواجية التي تسم سلوك الأفراد والمجتمعات بما فيها السلطة أيضا، فبطل العمل بديع أبوشقرا الذي يؤدّي هنا دور عماد، هو رجل من أسرة ميسورة الحال يمتلك العديد من المشاريع التجارية في بيروت.

لكنه يتعاون في الخفاء مع إحدى المنظمات الإرهابية التي تتولى القيام بأعمال تخريبية لأهداف تبدو غامضة، وهو في الوقت  نفسه يبدي جانبا عطوفا وإنسانيا تجاه المُحيطين به، حيث يمثل جانب الأخيار في نظر الكثيرين ممّن لا يدركون أنه السبب في معاناتهم.

من رحم الحادثة الإرهابية المؤلمة تتكشف العديد من المشكلات الاجتماعية والسياسية ومعضلة الفوارق الطبقية

وكان المسلسل قد اجتذب انتباه الجمهور منذ الحلقة الأولى له بما انطوت عليه أحداثه من تطوّرات درامية، إذ ما تلبث أحداث الحلقة الأولى منه أن تنتهي بحادث إرهابي مروّع بإقدام أحد الشباب على إطلاق نار عشوائي داخل أحد الملاهي الليلية، فيسقط رواده بين قتيل وجريح وهم يحتفلون بليلة رأس السنة.

من وسط هذه الحادثة المؤلمة والآثار التي خلفتها يسلط المسلسل الضوء على العديد من القصص الإنسانية، والتي تمسّ الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والفوارق الطبقية، فخلف كل ضحية من الضحايا مأساة ما تلبث أن تتكشّف تفاصيلها مع تصاعد الأحداث.

بين هؤلاء الحضور مثلا تبرز بطلة العمل رزق الله في دور لونا، وهي فنانة تمارس النحت وتسعى لشق طريقها بصعوبة وسط عراقيل الحياة الاجتماعية والأزمة الاقتصادية الخانقة، وفي حين يتضرّر الكثير من أصدقاء لونا بهذا الحادث تخرج هي سليمة بدنيا، غير أن الآثار النفسية للحادث تظل تلاحقها، فهي تشعر بالذنب كونها صاحبة الدعوة لهذا الاحتفال، ويدفعها الشعور بالمسؤولية تجاه الضحايا إلى محاولة التخفيف عن آلامهم طوال الوقت.

وتلعب المصادفة دورها في لقاء لونا بالشاب عماد ( أبوشقرا) الذي حضر إلى مقر الملهى بعد الحادث للبحث عن أخيه. وتتوطّد علاقة عماد بلونا مع الوقت ويرتبطان عاطفيا.

أما المفاجأة التي تبدأ في التكشّف أمام الجمهور ابتداء من الحلقة الثانية حول علاقة عماد بهذا التفجير، فتضفي على الأحداث اللاحقة المزيد من الإثارة والترقب، ولعل الحيرة إزاء هذه الشخصيات المركبة والمتناقضة التي يؤدّيها أبوشقرا ووالدته (رندا كعدي) زادت من التشويق الذي ينطوي عليه العمل بما صاحبه من تكهنات حول العلاقة بين بطليه: رزق الله وأبوشقرا والرمزية التي يمثلانها.

ومن الخيوط الدرامية الهامة في المسلسل تلك المتعلقة بأسرة منفذ العملية الإرهابية، فوالده (مجدي مشموشي) رجل فقير غير مبال بمعاناة أفراد عائلته واحتياجاتهم العائلية، غير أن حياته تنقلب رأسا على عقب بعد هذا الحادث، إذ يجد نفسه فجأة متهما برعاية أحد الإرهابيين، كما يتعرّض للنبذ من قبل جيرانه والمحيطين به ويضطر إلى الانتقال بأسرته إلى مكان آخر والبحث عن عمل والتفكير في الوقت نفسه في الأسباب التي دفعت ابنه الشاب لارتكاب هذا الجرم.

وعلى الرغم من مقتل مرتكب الحادث إلاّ أن ما خلفه وراءه من مآس لا تتوقف عند حدود ضحايا الملهى وحدهم، إذ تنعكس على حياة والديه، وعلى حياة حبيبته لاما وهي شابة صغيرة لا يتخطى عمرها الثمانية عشر عاما وتؤدّي دورها الفنانة الصاعدة مايسي عبود.

تجد لاما نفسها فجأة متورّطة في حادث إرهابي، ليس هذا فقط، بل تكتشف كذلك أنها تحمل جنينا في أحشائها من هذا الإرهابي، فتضطر الشابة بمساعدة والديها للبحث عن وسيلة للتستر على الفضيحة بالبحث عن زوج، ولا ينقذهم من هذه الورطة سوى أحد رجال الحي الذي يتعامل معه الجميع كمخبول.

ولا تقل بقية الخيوط الدرامية في المسلسل إثارة، فلكل ضحية من الضحايا قصتها الخاصة التي تغيّرت بعد هذا الحادث، ولا شك أن الحلقات القادمة ستحمل معها الكثير من المفاجآت غير المتوقعة.

ومن الواضح أن مسلسل “راحوا” يسلط الضوء على الحكايات المخفية وراء ضحايا العمليات الإرهابية، ففي حين تُسلط أضواء الإعلام عادة على الضحايا ومعاناتهم سرعان ما تتوارى أخبار هؤلاء مع الوقت ويتركون لمواجهة الحياة ومصائرهم بمفردهم.

ويتتبّع العمل قصص هؤلاء والكيفية التي يتكيفون بها مع مآسيهم عبر معالجة درامية ذكية، وضعتها الكاتبة كلوديا مرشليان وصاغها ببراعة مخرج العمل نديم مهنا الذي قدمّ لنا من قبل العديد من الأعمال الناجحة.

وأتت شارة المسلسل بصوت الفنانة نانسي عجرم، وهي أغنية “ما تحكم عا حدا” قد حظيت بنجاح لافت، إذ سرعان ما تم تداولها بكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع الإشادة بكلماتها التي وضعها الشاعر منير بوعساف.

وأخيرا فالمسلسل الذي حظي باهتمام بالغ إعلاميا وفنيا على الصعيد اللبناني لا يسرد وقائع بعينها كما يذهب البعض، فعلى الرغم من ربط الكثيرين بينه وبين أحد الحوادث الإرهابية المشابهة، إلاّ أن الكاتبة مرشليان قد نفت هذا الأمر عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مؤكّدة أن العمل يطرح فكرة الإرهاب على نحو عام وأن شخصياته لا تمت للواقع بصلة.

15