راحيل شريف الجنرال الباكستاني يصعّد خطاب بلاده ويهدّد إيران

الأحد 2016/01/17
قائد جيش يعد السادس بين جيوش العالم والنووي الإسلامي الوحيد

بروكسل - لا شك أن الحدث الذي تدور رحاه في الشرق الأوسط يتردد صداه في أروقة صناعة السياسة في باكستان. هناك تسير ارتدادات الحدث العربي على مسارين الأول رسمي والثاني شعبي بحكم العمق الإسلامي الذي يمتد على غالبية الأراضي الباكستانية. فلا يمكن أن تغيب عن الذهن المسيرات التي اجتاحت باكستان انتصاراً لكثير من القضايا التي تمس العمق العربي.

الحالة السعودية تحمل في العقل الجمعي الباكستاني أبعاداً عديدة. وبمعزل عن الحالة الروحية والدينية، فإن الدولة السعودية لها دور كبير في الاستقرار الاقتصادي الذي تشهده المدن الباكستانية.

وإن كانت الأزمات السياسية المتلاحقة تفرض تعكراً في الأجواء من حولها، فإنها فرصة للحلفاء لاختبار نوايا بعضهم. هذا بالضبط ما ينطبق على حلفاء المملكة العربية السعودية خصوصاً في الفترة الماضية. حيث أدى التدخل الإيراني بالشأن الداخلي السعودي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وما رافق ذلك من تصعيد في المواقف على أكثر من مستوى محلي وإقليمي ودولي.

الحلف الوثيق

هنا يبرز الدور الباكستاني. فالدبلوماسية السعودية أدركت أن إسلام أباد تمثل عمقها البعيد الذي يستقر على أطراف الدائرة التي تشكل الرياض نقطة الارتكاز فيها. باكستان فيما تمثّله من قوة عسكرية وسياسية بارزة على مستوى العالم وطدت التواصل الدبلوماسي السعودي المتمثل بزيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الحادي عشر من يناير الجاري إلى إسلام أباد.

تلك الزيارة سبقتها زيارة عادل الجبير وزير الخارجية السعودي للقاء القادة الباكستانيين، أعقبت تلك الزيارات المكوكية بالإعلان عن وقوف إسلام أباد إلى جانب الرياض معتبرة أن أيّ تهديد للمملكة العربية السعودية هو تهديد مباشر لباكستان.

أبرز تلك التصريحات على المستوى العسكري كانت للفريق أول راحيل شريف قائد الجيش الذي هدّد طهران بشكل مباشر، معتبراً أنّ أيّ تهديد للمملكة العربية السعودية سيثير رداً قوياً من جهة باكستان.

الرجل العسكري، الذي يتزعم أكبر المؤسسات في باكستان وأكثرها تأثيراً وصناعة للقرار، جاء حديثه معبّرا عن فهم حقيقي للخطر الذي تحمله الطموحات الإيرانية بالسيطرة والتغلغل في دول الجوار لها والتي تمثل باكستان إحداها.

الأزمات السياسية المتلاحقة تفرض تعكرا في أجواء العالم الإسلامي وهي فرصة للحلفاء لاختبار نوايا بعضهم وهذا بالضبط ما ينطبق على حلفاء المملكة العربية السعودية ومن بينهم باكستان

الجيش يحمي ظهر السياسة

الفريق أول راحيل شريف هو القائد الخامس عشر للجيش الباكستاني حيث تولى قيادة الجيش خلفاً للفريق أول إشفاق برويز كياني الذي لعب دورا كبيرا في إرساء الاستقرار في الحياة السياسية بباكستان من خلال فصل الجيش عن السياسة في بلد اعتاد الانقلابات العسكرية كمحرّك للتغيير في تاريخه الحديث.

مراسم عسكرية بإجماع تام، انتقلت القيادة خلالها للجنرال الجديد الذي أمسك بعصا الجيش لأول مرة في مدينة روالبندي التي تمثل المركز الحقيقي للجيش الباكستاني قرب العاصمة إسلام أباد.

ولد راحيل شريف في العام 1959 في مدينة كويتا الباكستانية منحدراً من عائلة تمتد جذورها إلى ولاية البنجاب. نشأ في عائلة عسكرية، حيث والده الرائد رانا محمد شريف، وشقيقه الأكبر العقيد شبير شريف الذي حصل على نيشان الشجاعة العسكرية عقب الحرب الهندية الباكستانية.

تمر مراحله التعليمية الأولى في كويتا قبل أن ينتسب إلى الكلية الحكومية في لاهور. تلك الكلية التي كانت مدخله إلى الأكاديمية العسكرية الباكستانية حيث تلقّى العلوم العسكرية ليتخرّج فيها ضابطاً، وليخوض العديد من الدورات التدريبية المحلية والدولية ناهماً منها ما يطوّر مهاراته وقدراته التي رسّختها خلفيّته الاجتماعية حيث تربَّى في بيت عسكري ضمّ فيه الأب والأشقاء الضباط أيضاً في بلد يُعتبَر الجيش فيه سادساً في الترتيب على جيوش العالم.

مناصب عديدة تولاها الضابط الشاب حينها بدأت مع لواء المشاة في جيلجيت قبل أن يستلم زمام القيادة فيه. لينتقل ما بين مناصب متنوعة وصولاً بعد ذلك إلى تعيينه كمعاون لقائد الأكاديمية العسكرية التي تخرج فيها. ومن ثم أصبح سكرتيراً عسكرياً إلى أن حطت به المناصب رئيساً لأركان الجيش ومن هذا المنصب العسكري الرفيع إلى قيادة المؤسسة العسكرية.

الجيش الضامن للاستقرار في باكستان

الأمن القومي الباكستاني

عبر تمركزاته العسكرية في رحلته ضمن تشكيلات الجيش الباكستاني، أيقن الجنرال أن لا سبيل إلا التطور والتقدم من خلال الحفاظ على العقيدة القتالية، ورؤية المؤسسة العسكرية في مواجهة التحديات والمخاطر التي تتمثل في الإرهاب والتطرف وأعمال العنف والتمرد في الثغور المحاذية لإيران. فضلاً عن الحرب الباردة التي تشهدها حدود البلاد مع الهند والأنباء التي تشير عن عزم إسلام أباد إعلان الانسحاب من القوات الدولية “إيساف” المتمركزة في أفغانستان العام المقبل.

على الجانب الداخلي يدرك القائد الجديد أن مهمته في الحفاظ على المنطقة الآمنة بين الجيش والسياسة هي الضمان الوحيد للاستقرار بعد تجربة الانقلابات الناجحة والفاشلة التي مرّت بها باكستان، والتي يُقسَم الاسم فيها إلى شقَّين، فهي “باك” و”ستان” وتعني بالعربية أرض الأطهار.

إسلام أباد التي مرّت في تاريخها الطويل بالعديد من الحروب، انتبهت إلى أهمية القوات العسكرية ودورها في المنطق العالمي الذي يحكُم الكرة الأرضية اليوم. فاتجهت نحو بناء مؤسسة عسكرية استطاعت في أزمات كثيرة العبور بالبلاد نحو ضفة الاستقرار.

اليوم يدرك قادة باكستان، السياسيون منهم والعسكريون، الخطر الإيراني الذي يداهم المنطقة ككل. فكان من الطبيعي أن يتجهوا نحو تعزيز أمنهم القومي، من خلال دعم عاصفة الحزم التي قادها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لإعادة الشرعية في اليمن بعد الانقلاب الذي نفّذه الحوثيون بدعم جليّ من طهران.

وعلى ذات العزيمة أوضحت إسلام أباد أهمية التحالف الإسلامي الذي أعلنت عنه الرياض مؤخراً، وضرورة إنجاز مراحل إقامته سريعاً، ليكون درعاً لأعضائه ضد الأخطار المحدقة بهم. هذه الخطوات كان من اللازم أيضاً أن تتكلل بموقف لا يقبل المساومة مع طهران كما قال قائد الجيش الجنرال راحيل شريف، القائد الجديد الذي أدركَ حقيقة المرامي الإيرانية في بلاده. فبعد أن عجزت طهران عن خلق فتنة مذهبية في باكستان، اتجهت نحو عدو إسلام أباد التقليدي، فكانت الهند بوصلتها التي لا تخطئ لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى من خلال خلق أرضية صلبة تضمن للإيرانيين التمدد في المنطقة التي أغلق بابها قادة باكستان أمامهم.

العلاقات الهندية الإيرانية قد أصابتها تطورات هامة خلال السنوات الأخيرة الماضية. كانت لبِنة التحولات مع توقيع إعلان نيودلهي في مطلع العام 2003 والذي أتبعته طهران بخريطة طريق للتعاون الاستراتيجي والعديد من الاتفاقات الأخرى التي أرست أرضية صلبة سار بها الإيراني نحو الحدود الباكستانية من أطراف عدة بمظلة هندية.

الجنرال شريف يدرك أن لا سبيل سوى الحفاظ على العقيدة القتالية للجيش الباكستاني ورؤية المؤسسة العسكرية في مواجهة التحديات والمخاطر التي تتمثل في الإرهاب والتطرف وأعمال العنف والتمرد في الثغور المحاذية لإيران

إيران والجيش الباكستاني

باكستان النووية حاولت إيران إحكام الحصار الوهمي عليها لإجبارها على الاتجاه نحوها، إلا أن هذا الخيال لم يتحقق فقد سارع قادة الحكم في إسلام أباد للتوجه نحو الرياض والتنسيق مع حكومة المملكة العربية السعودية كمعادل موضوعي ومعنوي وضمان للاستقرار فيها، فالمملكة كما تراها باكستان هي صمّام الأمان لمنطقة الشرق الأوسط ككل.

باكستان التي أعلنت مراراً أن المملكة العربية السعودية حليف استراتيجي هام لها، لن تقبل بأيّ تهديد يطال الرياض، هكذا عبّر قادتها على خلفية التوترات التي شابت العلاقات السعودية الإيرانية مؤخرا. هذا الكلام الذي لا يحمل المعاني المتعددة ولا يقبل اللغة حمّالة الأوجه، تدعمه قوة عسكرية تجعل من القائل قادراً إذا أراد على الفعل وقلب كل المعادلات المفترضة.

الجنرال راحيل شريف الذي يقود اليوم سادس أكبر جيوش العالم، يدرك تماماً أن بلاده في ذات الخندق مع السعودية ضد أي تهديد ينال منها أو من وحدتها، وهذا تصوّر ترافقه قدرة حقيقية على الفعل، تتمثل في الجيش الذي تأسس في العام 1947 عقب الاستقلال مباشرة. ويضم بين جنباته فيالق عديدة تتوزع فيها أنواع القطاعات العسكرية وتخصصاتها كافة، تلك القوات التي تمتلك الرؤوس النووية، تقوم اليوم بصنع غالبية أسلحتها لضمان أمنها القومي، الداخلي والإقليمي والخارجي.

تعتبر باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، ويضم عتاد الجيش الباكستاني أسلحة ثقيلة ومتوسطة وصغيرة متنوعة. دبابات من طراز “خالد” و”ضرار” وغيرهما، وصواريخ مختلفة من نوع “حتف”، من بينها “حتف5” أو “غوري 2” الذي يحمل رؤوسا تقليدية ويمكن أن يحمل رؤوسا نووية.

القدرة الصاروخية للجيش الباكستاني تتسع لصواريخ من طراز “غوري 3” عابرة للقارات. والتي يبلغ مداها أربعة آلاف كيلومتر، فضلا عن صواريخ “شاهين1 و2 و3” وصواريخ “باير”.

الأمير محمد بن سلمان يختار قاعدة نور خان الجوية لتكون محطة اساسية في لقاءاته مع القادة الباكاستانيين في رسالة حملت دلالات

حصلت إسلام أباد في العام 1979 من واشنطن على مساعدات عسكرية تقدر بأربعمئة مليون دولار. وفي العام 1981 حصلت على دعم عسكري أميركي جديد قدر بنحو مليار ونصف مليار دولار، كان من ضمنه طائرات مقاتلة ودبابات وصواريخ مضادة للدبابات.

موقع “غلوبال فاير باور” المتخصص في الشؤون العسكرية كان قد نشر في 27 مارس من العام 2014 بيانات تقدّر عدد الذين يبلغون سن التجنيد سنويا في باكستان بما يتجاوز أربعة ملايين مواطن.

كما القوات البحرية الباكستانية تشتمل على 8 غواصات و11 بارجة حربية مقاتلة، إلى جانب سفن بحرية وكاسحات ألغام. وسلاح المدرعات الباكستاني يضم عدداً كبيراً من الدبابات يصل إلى 3124 دبابة. وعدد الآليات المدرعة يتجاوز 3187 عربة. بينما يصل عدد طائراته ومروحياته العسكرية إلى 847 طائرة.

رسائل الجنرال

الجنرال راحيل شريف من خلال تصريحاته الأخيرة مرّر رسائل كثيرة إلى من يهمه الأمر. أهم تلك الرسائل تقوم على أن علاقة الرياض بإسلام أباد متجذرة في الأصالة والثوابت. وأنها لا يمكن أن تخضع لثقافة الابتزاز التي تعصف بالمنطقة ككل.

التصريحات جاءت لتأكيد أواصر العلاقات التاريخية في ظروف استثنائية تشهدها منطقة الشرق الأوسط التي تحيط بها أخطار عديدة تبدأ بالإرهاب ولا تتوقف عند الخطر الإيراني الذي يهدد هوية المنطقة ككل مروراً بثورات الربيع العربي.

هكذا يسعى الجنرال راحيل شريف إلى الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، لتكون إسلام أباد حليفاً أساسياً للرياض بعيداً عن الخطر الإيراني الذي يخوض حروباً عديدة على جبهات كثيرة ومستويات متنوعة.

التماهي في المواقف بين الساسة والعسكر في باكستان تجاه المملكة العربية السعودية مؤشر واضح على إرادة إسلام أباد الكاملة في أن تكون درعاً ضد المخاطر التي قد تنشأ في المستقبل، أي بعد التوترات العديدة التي شهدتها علاقات الرياض بطهران، تلك التوترات التي سارت في اتجاهات عديدة لم يكن الملف السوري إلا تفصيلاً فيها، ولن تنتهي عند محاولات التدخل الإيراني المفضوح في الشأن الداخلي للمملكة.

7