راح زمن البلكون والترسو: السينما تتوارى خلف زحام الدراما

انحدر ذوق المنتجين السينمائيين وباتوا يضعون الربح المادي كأولوية تسبق جودة الإنتاج، فانسحب المصريون إلى الدراما باحثين بين عدد ضخم من المسلسلات عما يغني عن شراء تذكرة سينما مرتفعة الثمن لمشاهدة فيلم رديء.
الثلاثاء 2015/11/10
مسلسل"حارة اليهود" حظي وحده بمتابعة فاقت جميع الأفلام التي تم عرضها في السينما هذا العام

يعكف المصريون على متابعة القنوات الفضائية أكثر من أي وقت مضى منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، إذ باتت البرامج الإخبارية والحوارية تتناثر بين القنوات بشكل غير مسبوق.

لكن إلى جانب القنوات الإخبارية وتلك التي تهتم بالشأن العام ظهرت قنوات مخصصة لعرض مسلسلات الدراما دون توقف، ومعها تعلق المصريون بشاشة التلفزيون وتراجعت أعداد زائري دور السينما، في هذا البلد الذي كان يلقب في السابق بهوليوود الشرق.

واستفادت الدراما التلفزيونية في السنوات الأخيرة من تردي حال السينما لتحقق قفزات جماهيرية واضحة تعززت باتجاه أغلب نجوم الصف الأول السينمائي لبطولة مسلسلات تعرض غالبا خلال شهر رمضان.

وتجاوز الانحدار السينمائي الحاد والصعود المقابل للدراما في مصر الممثلين المعروفين، واجتاح قطاعا أكبر من صناع السينما في مصر، كالمخرجين والفنيين الذين باتوا يفضلون العمل في الدراما التلفزيونية استغلالا لضخامة استثماراتها، مقابل التراجع الكبير في الإنتاج السينمائي وسيطرة نمط معين من المنتجين عليه.

ويقول أحمد الجابري، الذي يمتلك شركة للإنتاج السينمائي، لـ”العرب” إن “الإعلانات تلعب دورا كبيرا في رواج الدراما التلفزيونية، ففي الوقت الذي لا يوجد فيه للسينما نوافذ دعم سوى شباك التذاكر، أدى تزايد عدد القنوات التلفزيونية الخاصة وظهور قنوات متخصصة في الدراما فقط، إلى اتساع قاعدة التسويق والتوزيع لها على المستوى المحلي والعربي”.

وشجع هذا الوضع الجديد منتجين مصريين على الإقبال على تقديم، على مدار العام، أعمال تلفزيونية متتابعة.

وفي المقابل ظلت دور السينما التي لا تمتد مدة عرض الفيلم فيها أكثر من أسبوعين أو شهر على أقصى الحدود، تعاني من الركود.

وأدى انتقال عناصر سينمائية للعمل التلفزيوني إلى تحسين تقنيات الصورة نتيجة استخدام معدات العمل السينمائي في إنتاج المسلسلات.

وزاد ذلك من حدة المنافسة بين الأعمال الدرامية المختلفة ومنحها أبعادا أكثر عمقا، بالتزامن مع تراجع كثير من المشروعات السينمائية المقدمة على الشاشات المصرية، خاصة مع انتشار أفلام العشوائيات التي يعتقد الكثيرون أنها تحتوي على قدر من الإسفاف.

أشرف توفيق: الدراما التلفزيونية قدمت نفسها كبديل مقبول للسينما في ظروف ثورة يناير

أزمة اقتصادية

قالت الناقدة ماجدة خيرالله لـ”العرب” إن السينما في مصر “لا تزال تقف في حيّز الرفاهية، حيث لا يمكن للفرد أن يذهب للسينما مرتين في الأسبوع، بسبب ارتفاع سعر تذكرة السينما مقارنة بالأحوال الاقتصادية لأغلب المشاهدين”. ورغم أن سعر تذكرة دخول السينما في مصر قد يكون مناسبا لتكلفة إنتاج الفيلم، لكنه ما زال يرهق ميزانية العديد من أبناء الطبقات المتوسطة الذين يجدون في التلفزيون ما يشبع رغباتهم مجانا.

وأكدت الناقدة السينمائية أن “الإعلانات عامل محفز لزيادة الإنتاج التلفزيوني، بخلاف السينما التي من الممكن استخدام نفس العنصر بها في صورة تتفق مع المحتوى المقدم، إلا أن ذلك لا يحدث في الغالب”.

ومؤخرا، اتجه العديد من الممثلين المعروفين بإنتاجهم السينمائي الغزير للعمل في الدراما التلفزيونية بعدما ارتفعت أجور المسلسلات كي تضاهي الأفلام السينمائية.

ومن بين هؤلاء النجوم أحمد السقا ومصطفى شعبان ومحمد سعد الذين قدموا أعمالا شهدت رواجا كبيرا خلال شهر رمضان الماضي.

وقالت ماجدة خيرالله “يشعر بعض النجوم بتراجع شعبيتهم السينمائية، ما يدفعهم إلى اللجوء للعمل في التلفزيون، لا سيما أنه يضمن لهم انتشارا جيدا وعوائد مالية قد لا يتيسر لأغلبهم تحقيقها في السينما، في ظل أحوالها الراهنة”.

وعرضت القنوات الفضائية المصرية في هذا العام ما يقرب من 50 عملا دراميا إلى الآن. ويقول منتقدون للظاهرة إن الإنتاج الكبير للتلفزيون لم يجعل تفوقه نوعيا بل عدديا فقط، ومن بين هذا العدد الهائل من المسلسلات يمكن فقط اعتبار 4 أو 5 منها أعمالا جيدة.

وكمصر، وسعت تركيا أيضا من أعمالها الدرامية مؤخرا. وخضعت العديد من المسلسلات التلفزيونية التركية إلى الدبلجة باللغة العربية بلهجة شامية. ولم تتوقف سوريا عن إنتاج المسلسلات التلفزيونية رغم الحرب الدائرة هناك منذ ما يقرب من خمسة أعوام، إذ احتضنت عدة عواصم عربية، منها القاهرة، الممثلين السوريين الذين اعتادوا على العمل في الدراما أكثر من السينما.

وقال عمرو سمير عاطف أحد كتاب السيناريو الذين تفوقوا مؤخرا في الدراما التلفزيونية لـ”العرب” إن “كثافة الإنتاج الدرامي ظاهرة عالمية. نحن مثلا لدينا معرفة عظيمة بالدراما التركية والإيرانية لكننا لا نعرف شيئا عما تقدمه هذه البلدان في السينما، على الرغم من تطورها فيها، خصوصا إيران، كما أن عددا من أشهر مخرجي هوليوود مثل مارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبيرغ قدموا مسلسلات ناجحة وأصبح التلفزيون مثار جذب لهم، وبالتالي نستطيع القول بأننا نعيش عصر الجيل الذهبي للتلفزيون حاليا”.

الأفلام عالية الجودة باتت شحيحة

وقدم عمرو سمير عاطف مسلسلين طويلين هما “الصياد” و”رقم مجهول” إلى جانب مسلسلات كوميدية من طراز سيت كوم كـ”تامر وشوقية” و”العيادة” ومسلسل “راجل وست ستات” الذي قام ببطولته الممثل الكوميدي أشرف عبدالباقي وحقق نجاحا كبيرا، وعرضت منه ثمانية أجزاء.

وقبل ذلك كتب عاطف سيناريو فيلم “أولاد العم” قام ببطولته شريف منير الذي كان يقوم بدور ضابط في الموساد الإسرائيلي يلاحقه داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة مصطفى ضابط المخابرات المصرية الذي جسده كريم عبدالعزيز.

وقال عاطف “من واقع تجربتي الشخصية في مسلسل (رقم مجهول) فإن عمل السينمائيين في التلفزيون يضفي على المسلسلات قدرا كبيرا من الحرفية، ويضيف أجواء من الإثارة والتشويق”.

وأضاف “ساهم ذلك في نجاح الدراما التلفزيونية المصرية في الوقت الذي تشهد فيه السينما مشاكل متعددة، بداية من فلسفة الجهات الإنتاجية التي لا تشجع على تقديم تجارب مختلفة عن النمط التجاري السائد، وحصر العمل في سينما النجم الأوحد التي لا يمكن الاعتماد عليها”.

لكن إلى جانب كل المعوقات أمام نموها، وقعت صناعة السينما في مصر مؤخرا ضحية القرصنة، إذ كانت الأفلام تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حتى أثناء عرضها في دور السينما.

ورغم رداءة جودة الفيلم، راجت الأفلام المقرصنة وأنشئت لها خصيصا مواقع إلكترونية وباتت تحظى بنسب مشاهدة عالية.

وقال عاطف إن “قرصنة الأعمال السينمائية أحد العوامل التي ضربت الصناعة أيضا مع عدم وجود إجراءات منصفة تساهم في حل الأزمة. لكني مازلت متمسكا بقناعاتي بأن السينما لا يمكن أن تنطفئ أنوارها مع كل ما تعيشه من أزمات، والدليل أن المسرح والإذاعة لم ينتهيا في العالم”.

ثورة يناير والدراما

منذ احتجاجات 25 يناير 2011 التي شهدت نزول الملايين إلى شوارع القاهرة ومدن مصرية أخرى مطالبة بإسقاط نظام مبارك، اجتهد كتاب سيناريو ومنتجون في تجسيد هذه اللحظة التاريخية في أعمال درامية، كان آخرها مسلسل “أستاذ ورئيس قسم” الذي قام ببطولته عادل إمام وعرض في شهر رمضان هذا العام.

عمرو عاطف: تفوق الدراما التلفزيونية ظاهرة إقليمية تشهدها أيضا تركيا وإيران

وحاول المسلسل، الذي كتبه يوسف معاطي وأخرجه وائل إحسان، تجسيد اعتصامات ميدان التحرير ولحظات الفرح العارمة التي صاحبت الإعلان عن تنحي مبارك، ثم انتقل بعد ذلك إلى حكم المجلس العسكري والإخوان المسلمين قبل الإطاحة بنظامهــم على يد الجيش في أول يوليو 2013.

وشارك عادل إمام بطولة المسلسل، الذي أثار لاحقا الكثير من الجدل، أحمد بدير ونجوى إبراهيم وعبدالرحمن أبوزهرة ورشوان توفيق.

ويقول أشرف توفيق، أستاذ النقد السينمائي والتلفزيوني بأكاديمية الفنون المصرية، إن ثورة يناير “أعطت حافزا لصناع الدراما لتقديم الأفضل وسط منافسة درامية لكثير من البلدان الأخرى في السنوات الماضية”.

وأضاف “قدمت الدراما التلفزيونية نفسها كبديل مقبول للسينما في السنوات التي تلت الثورة وشهدت عزوفا واضحا من الجماهير عن الذهاب إلى دور العرض السينمائي، بسبب الحالة الأمنية التي لم تكن مستقرة في ذلك الوقت، وهو ما كانت له تأثيرات كبيرة على الإنتاج الذي تضاءل، وانســحب منه العـديد من المنتجين الجـادين”.

وقال توفيق لـ”العرب” إن “العنصر الاقتصادي كان له تأثيره هو الآخر، فمن ناحية تركت السينما في يد نمط معين من المنتجين الذين يملكون المال والجرأة لإنتاج أفلام تخاطب فئات بعينها من الحرفيين الذين يستطيعون دفع ثمن تذكرة السينما، فظهرت أفلام تعكس المستوى الثقافي المترنح للمجتمع، وتعزف الطبقات الأعلى عن مشاهدتها”.

ووسط الاختناق الاقتصادي لشركات الإنتاج السينمائي تجاوزت ميزانية العديد من المسلسلات التلفزيونية هذا العام 50 مليون جنيه مصري (7 ملايين دولار)، وهي ميزانية تفوق ضعف ما يحتاجه إنتاج فيلم سينمائي جيد.

لكن المكاسب الكبيرة من الإنتاج التلفزيوني دفعت شركات الإنتاج السينمائي للدخول بدورها في شراكة مع قنوات فضائية لإنتاج دراما تلفزيونية، فضلا عن دخول سوق الدراما الكثير من العناصر السينمائية التي منحت بريقا لصورة العمل اعتمادا على تقنيات أكثر تطورا.

13