راديو كافيه في الموصل صوت مسموع في مدينة منكوبة

تفاعل مباشر بين الجمهور والمسؤول دون الحاجة إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
الخميس 2019/03/21
أسلوب مبتكر

نجح راديو كافيه “وان أف.أم” بمدينة الموصل العراقية في جذب الاهتمام، وأصبح نموذجا استثنائيا لوسائل الإعلام التي تمول نفسها ذاتيا، بفضل جهود مجموعة من الشباب يريدون إيصال رسائل التعايش والتفاهم والمحبة وقبول الآخر إلى الجمهور بعد طرد تنظيم داعش من المدينة.

الموصل (العراق) - أنشأت مجموعة من الشباب إذاعة فريدة من نوعها في الموصل، تتخذ من مقهى بقلب المدينة مقرا لها، ونجحت في أن تكون صلة وصل بين المواطنين والمسؤولين من جهة ونموذجا جديدا من وسائل الإعلام، وقادرة على تمويل نفسها ذاتيا من جهة أخرى.

ويحاول أبناء الموصل الاستمتاع بكل ما من شأنه أن يشعرهم بأن الحياة طبيعية في مدينتهم، وذلك بتحويل مؤشر الإذاعة إلى استقبال رسائل أمل وتسامح تبثها إذاعة “وان أف.أم” غير التقليدية.

وداخل مبنى صغير مؤلف من غرفتين، وبمعدات وأجهزة فنية حديثة اشتراها الشباب على نفقتهم الخاصة، يبدو المكتب الصغير للراديو أشبه بخلية نحل ينهمك فيها الشباب بواجباتهم لتأمين بث متواصل للراديو على مدار الساعة، يتضمن نشرات أخبار وبرامج مختلفة في الثقافة والتوعية والترفيه، إلى جانب موقع إلكتروني يبث برامج الإذاعة بالصوت والصورة بشكل متواصل.

وغالبية العاملين في الإذاعة هم صحافيون شباب كانوا يعملون سابقا في مؤسسات إعلامية في الموصل قبل دخول تنظيم داعش إلى المدينة.

وكانت بداية انطلاق الإذاعة المستقلة في فبراير 2018، بفكر شبابي يسعى إلى إرساء مفاهيم السلام والتعايش السلمي بين كافة مكونات المجتمع، وإلى نبذ التطرف والعنف ودعم فئة الشباب عن طريق مجموعة من البرامج التي تبث عبر الأثير. ويتسنى لرواد المقهى في الكثير من الأحيان تقديم شكاواهم إلى المسؤولين أثناء إجراء مقابلات معهم في برامج إذاعية حية وذلك عبر نافذة زجاجية في المقهى.

تكلفة تشغيل إذاعة "وان أف.أم" بما في ذلك رواتب مقدمي البرامج والموظفين العاملين فيها تغطيها إيرادات المقهى

ويقول مؤسسو الإذاعة، التي تُعرف باسم راديو كافيه، إنه مع استمرار جهود إعادة بناء الموصل، حيث خصصت ميزانية الدولة عام 2019 مبلغ 560 مليون دولار لإعادة إعمار المدينة وفقا لما قاله اثنان من المشرعين، فإن محطة الإذاعة هدفها هو تمكين السكان من التعبير عن مخاوفهم بحرية.

ويوضح المؤسسون أن تكلفة إطلاق محطة الإذاعة بلغت سبعين ألف دولار وأن تكلفة تشغيلها بما في ذلك رواتب مقدمي البرامج والموظفين، تغطيها إيرادات المقهى.

وقال عبدالرحمن الخير، أحد مؤسسي الراديو “الفكرة منه (هدف الراديو كافيه) أولا، إن التمويل يكون ذاتيا، فالمقهى يمول الراديو من الرواتب، من خلال تقديم النارجيلة (الشيشة)، والعصائر، والشاي والطلبات الأخرى، وأرباحها كلها تحوّل إلى رواتب موظفي الإذاعة، والهدف الثاني هو استحداث أسلوب جديد في مجال الإعلام وهو الدمج ما بين الترفيه والإعلام”.

وأضاف الخير “الشيء الجميل في الراديو كافيه إننا نستضيف المسؤول داخل الاستديو، ويمكن للجمهور والزبائن والمواطنين الموجودين بالمقهى أن يطرحوا مشاكلهم على شكل قصاصات تُجمع من قبل الكابتن (المضيف) وتُنقل مباشرة على الهواء أمام أنظار المسؤول. وهذا ما يساعد على حل جزء من المشاكل”.

ويتراوح راتب مقدم البرامج في هذه الإذاعة بين 250 و300 دولار شهريا.

وقالت شام عماد، وهي مقدمة برامج سورية الأصل “يأتي الزبائن إلى المقهى، ويجلسون ويستمعون لبرامجنا، يمكنهم سماع أغان أو أي شيء آخر يريدونه. لكن بالنسبة لي هذه التجربة جميلة وأنا سعيدة بعملي هنا، وهذه الخطوة جيدة جدا في مدينة الموصل بعد الأزمة التي مرت بها والنكبة التي خلفها تنظيم داعش”.

وعبرت إحدى المترددات على المقهى عن سعادتها بوجود إذاعة في داخل المقهى، وقالت نور ميسر “هذا أول مكان من نوعه يتم إنشاؤه في الموصل، مقهى للشباب والعائلات، كلهم يستطيعون الجلوس سويا، شيء جميل أن يكون بداخله استوديو إذاعي”.

وكان زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أبوبكر البغدادي قد أعلن عام 2014 الخلافة، في شمال العراق وشرق سوريا، من الجامع الكبير في الموصل. وحظر تنظيم داعش المتشدد، إبان سيطرته على الموصل، جميع أشكال الفن والموسيقى، كما منع السكان من الاستماع لمحطات الإذاعة.

وكانت إذاعة واحدة تبث من الموصل وتقتصر برامجها على أناشيد متطرفة ودعاية عسكرية. أما اليوم، فإن موجات الأثير في المدينة العراقية الشمالية تبدلت جذريا بيد صحافيين شبان. ويوجد في المدينة حاليا خمس محطات إذاعية، على الأقل، تبث من داخلها. وقال غدير أحمد المدير التنفيذي لمشروع الإذاعة، “عملت معنا مجموعة من الشباب الإعلاميين بصورة تطوعية وبأجور رمزية، دعما منهم وإيمانا بأهداف الإذاعة، وبعد مرور عام تقريبا، بدأنا في التفكير بإيجاد تمويل خاص، بهدف ديمومة واستمرارية العمل والحفاظ على استقلاليتنا”.

غالبية العاملين في الإذاعة هم صحافيون شباب كانوا يعملون سابقا في مؤسسات إعلامية في الموصل قبل دخول تنظيم داعش إلى المدينة

من جهته أشار أحمد جفال أحد مقدمي البرامج في الراديو إلى أن ثلاث سنوات من حكم تنظيم الدولة الإسلامية “خلقت فراغات في المجتمع، نعمل من خلال البرامج على ملئها بأفكار التعايش والتفاهم والمحبة وقبول الآخر”.

ورغم أن الإذاعة الجديدة تسعى إلى التثقيف، لكن الترفيه من ضمن مهماتها أيضا، وهو ما تقوم به كل الإذاعات التي أسست مؤخرا، على غرار إذاعة “الغد” و”ستارت أف.أم” في أربيل، وإذاعة “الموصل أف.أم” التي بدأت بثها التجريبي من دهوك المجاورة.

وكانت في مدينة الموصل وعموم محافظة نينوى إذاعتان حكوميتان فقط قبل سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، وتبثان برامج كلاسيكية موجهة تعكس سياسة الحكومة.

وقبل اجتياح الجهاديين للموصل، كان تنظيم القاعدة يسيطر على مناطق في محافظة نينوى، وكان يستهدف وسائل الإعلام والصحافيين، وخصوصا أولئك الذين يروجون لبرامج ترفيهية.

في هذا السياق، قال الباحث الاجتماعي محمد سالم إن “زيادة انتشار وسائل الإعلام بمختلف أجنساها في محافظة نينوى وخاصة بعد تحريرها من سيطرة تنظيم داعش يستلزم بالضرورة أن تكون تحت رقابة ورعاية جهات حكومية تنظم عملها وفق القانون، حتى لا يمكن استغلالها سياسيا أو دينيا.. خصوصا وأن تمويل ودعم بعضها مجهول مصدرهما”.

18