راسل جاكوبي ورواية مختلفة لتاريخ العنف

الأحد 2014/03/02
راسل جاكوبي: العداوة تنشأ بين مجموعات بشرية قريبة من بعضها

تاريخ الإنسانية هو تاريخ العنف بامتياز، فهو منذ بدء الخليقة معمّد بالدم، ما من عصر إلا وله من دماء قتلاه ما يحوّل الوهاد بحيرات. مئات الملايين من البشر قضوا نحبهم على أيدي البشر، في نزاعات وغزوات وفتوحات وحروب ما فتئ الإنسان يطور أدواتها لإخضاع غيره وانتزاع ملكه واغتنام ثرواته. وخلافا للرأي القائل “إن مردّ العنف صدام بين حضارات تعادي بعضها البعض لأنها تجهل بعضها البعض”، يؤكد المفكر الأميركي راسل جاكوبي في كتابه “منطلقات العنف”، الذي صدرت ترجمته الشهر الماضي بباريس، أن مردّه ليس الخوف من الغريب، بل الخشية ممن يشبهنا، فوق ما يلزم أحيانا.

لم يخل عصر من العصور من العنف، حتى قيل إن العدوان متأصل في الإنسان، وإنه طبع من طبائعه القارة، ومكوّن أساس لنفسيته.

وقد شغل العنف الفلاسفة والمفكرين، قدماء ومحدثين، من أفلاطون وتوسيديدس Thucydide وتيت ليف إلى بريمو ليفي ورونيه جيرار دون أن يتفقوا على دوافعه ومنطلقاته، منهم من رأى فيه محركا اقتصاديا في الصراع بين الطبقات، مثل إنجلز، ومنهم من اعتبره آلية متحكمة في الشعور الإنساني، مثل فرويد، ومنهم من خصه بمؤلفات مثل هانا أرنت وجورج سوريل، دون أن يستقروا حوله على رأي، أو يجيبوا عن السؤال : “من أين يأتي العنف ؟”.

في هذا الكتاب، يستدعي المفكر الأميركي راسل جاكوبي التاريخ والفلسفة والأدب والتحليل النفسي ليطرح رأيا مخالفا للآراء السائدة، التي تكاد تجمع على أن سبب العنف هو الخوف من المختلف، من الآخر الغريب، ففي تصوره أن الدافع إلى العنف هو الخوف من الشبيه، من المماثل، من القريب الذي يشبهنا إلى حدّ بعيد، مع فارق بسيط لا نستطيع القبول به أو التسامح معه. ويبين أن فكرة العنف والحقد القائمة على الموقف من الغريب مضللة، فهي ناجمة عن التربية التي نتلقاها، إذ غالبا ما ننشأ على الخوف من الآخر، ممن لا نعرف، من الأجنبي البعيد الذي لا تربطنا به صلات، والحال أن من نعرف يشكل خطرا بالنسبة إلينا أكثر ممن لا نعرف.

في هذا الكتاب، يستدعي المفكر الأميركي راسل جاكوبي التاريخ والفلسفة والأدب والتحليل النفسي ليطرح رأيا مخالفا للآراء السائدة، التي تكاد تجمع على أن سبب العنف هو الخوف من المختلف

ويسوق أمثلة من التوراة ( قتل قابيل أخاه هابيل، والعداوة بين إسحاق وأخيه يعقوب) ومن العصر الإغريقي القديم (قتل أوديب أباه لايوس، الحرب بين إتيوكل وأخيه بولينيس ) ومن تاريخ الرومان ( مقتل ريموس بيد أخيه رومولوس، مصرع يوليوس قيصر بيد ابنه بروتوس) ليستخلص أن القرابة ولّدت من الحقد والعداوة والعنف أكثر مما ولّدت الغرابة، وأن الحروب الأخوية أو الأهلية كانت أشدّ فتكا وبطشا من الحروب ضدّ الأجانب، وأن عدد ضحاياها منذ خمسة آلاف عام يفوق عدد الذين سقطوا في نزاعات أخرى، من حروب الشيعة والسنة في العالم الإسلامي ومذبحة سان بارتيليمي في القرن السادس عشر، إلى حروب الكاثوليك والبروتستانت حتى مطلع عشرينات القرن الماضي، ومن الحرب الانفصالية في أواسط القرن التاسع عشر بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة، إلى حروب التصفية العرقية في العصر الحديث، كإبادة اليهود في ألمانيا، وإبادة المسلمين في البوسنة والهرسك، ومجازر كمبوديا ورواندا…

واليوم كما بالأمس، يشكل النزاع بين الجاليات المتجاورة داخل البلد الواحد أكثر مظاهر العنف انتشارا، مثلما يحصل في لبنان وسوريا والسودان وأفريقيا الوسطى، بل قد يكون العنف حاضرا حتى داخل الجالية الواحدة كما في الولايات المتحدة الآن، حيث يتقاتل السود في ما بينهم، بين عصابات المدن وعصابات الضواحي الفقيرة، وآخر الإحصائيات حول جرائم القتل المرتكبة بين عامي 2003 و2005 في نيويورك مثلا، تشير إلى أن ثلاثة أرباع المجرمين كانوا يعرفون ضحاياهم.

فالعداوة حسب الكاتب عادة ما تنشأ بين مجموعات قريبة من بعضها البعض تاريخيا أو ثقافيا، ولكنها تختلف في فروق صغرى تصير بفعل ذلك التشابه والتماثل أكثر إثارة للغضب والحقد والكراهية من الفروق الكبرى. وهو في هذا يلتقي مع فرويد الذي تحدث عن “نرجسية الفروق الصغرى”، وبيّن أنها تخلق كوارث كبرى.

العداوة حسب جاكوبي تنشأ بين مجموعات قريبة من بعضها البعض

إن انتشار بؤر التوتر في العالم، وتفجر الأوضاع في هذه البقعة أو تلك، واحتدام العنف في شكل اغتيالات وقمع وحروب أهلية لا تعزى إلى “صدام حضارات” يكون دافعها الخوف من الآخر المختلف في العرق والدين والثقافة، كما ادّعى صامويل هنتنغتون، بل هي وليدة التشابه والتماثل، يقول الكاتب، وهو في هذا يستفيد إلى حدّ بعيد من رونيه جيرار في كتابه “العنف والمقدس″، حيث فسر تلك الظاهرة بـ”فرضية التخلقية” hypothèse mimétique ( والتخلقية في الأصل هي شبَهٌ تأخذه بعض الكائنات الحية إما مع البيئة التي تعيش فيها وإما مع الأجناس الأفضل حماية أو الأجناس التي تعيش عالة عليها).

هذه الفرضية تقول إن تقاتل البشر لا ينجم عن اختلافهم بعضهم عن بعض بقدر ما ينجم عن نزوعهم إلى التشبه ببعضهم البعض، كاتّباعهم سيرة السابقين في الغزو والاحتلال والبحث عن المجد والغنائم وسائر أسباب المجد والعظمة.

ولكن إذا كان مفهوم ” كراهية الأجنبي” متداولا حتى صار مألوفا ومعتادا، فإن كراهية “الداخلي” insider هو مفهوم يثير الحيرة والاضطراب، “ذلك لأنه يخالف تأويلنا المعتاد للنزاعات العالمية، التي لا نزال نعتقد أنها مرتبطة بخلافات عميقة في نمط العيش داخل المجتمع″. يجيب الكاتب، وإلا فكيف نفسّر المجازر التي ارتكبها الفرنسيون ضد إخوانهم عقب ثورة كانت “الأخوّة” شعارا من شعاراتها؟ فالجمهوريون وسكان مقاطعة “فنديه” متشابهون في الدين والعرق واللغة والتاريخ، ولكن الثوار قاموا بـ”شيطنة” خصومهم للقضاء عليهم، بعد أن لمسوا فيهم عناصر أخرى تفرّقهم.

ومن بين مظاهر العنف في المجتمع الواحد، توقف الكاتب عند العنف الذي يواجه به الرجل المرأة، والحال أنهما آدميان، من طينة واحدة، وبيّن من خلال الأساطير الميثولوجية وتحاليل فرويد أن الرجل ينجذب إلى المرأة، ولكنه يخاف أن يموت أو يضيع إذا ما اتصل بها، فهي لديه حميمة وغريبة في الوقت نفسه.

“منطلقات العنف” كتاب ممتع، ثريّ بالمراجع التاريخية والأدبية، ولكن ما يطرحه يبقى مجرد فرضية، قد تصح في حالات كالحروب الدينية في أوروبا وفي العالم الإسلامي، والحروب القبلية كحرب البسوس وداحس والغبراء، وحروب التصفية العرقية والأيديولوجية في المعسكر الشرقي، ولكنها لا يمكن أن تصح في حالات العنف الأخرى التي عرفتها البشرية كالغزوات الاستعمارية الأوروبية لأفريقيا وجنوبي آسيا وإبادة الأسبان لشعوب العالم الجديد بشماله وجنوبه ووسطه، ثم إبادة الوافدين من شتى أصقاع أوروبا إلى شمال القارة الأميركية لسكانها الأصليين أي الهنود الحمر، فضلا عن الحروب الطاحنة التي بلغت ذروة فظائعها وجنونها في القرن العشرين.

فالعنف كامنٌ في الإنسان كُمونَ النار في الحجر، إذا قدحتَه أورى، كما تقول العرب، يجمح به ويدفعه إلى العدوان على أخيه الإنسان، غريبا كان أم قريبا، بمناسبة ومن دون مناسبة.

13