راشد الغنوشي سياسي بامتياز.. فلماذا الغضب إذا؟

ماء الحكم وحده سيكشف إن كان الغنوشي يجيد السباحة في بحر السياسة، أم هو مبتدئ سيجرفه تيارها.
السبت 2019/11/16
راشد الغنوشي يخرج للعلن بعد السنوات من الحكم وراء الستار

أثبت راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، أنه سياسي بامتياز، ومع ذلك أثار انتخابه رئيسا للبرلمان غضب الكثير من التونسيين.

كل ما عمله الغنوشي أنه التزم بقواعد اللعبة، ليست فقط السياسية، بل واللعبة الديمقراطية أيضا. هل هناك في عالم السياسة من لا يتفق مع القول “في السياسة لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم”؟ بالتأكيد لا يوجد، لسبب بسيط، لأن من يقتنع بعكس ذلك لن يجد له مكانا في عالم قائم على تصيد الفرص.

قد تكون قصة التحكيم بين علي ومعاوية، وخلع أبي موسى الأشعري لصاحبه علي، وتثبيت عمرو بن العاص صاحبه معاوية، بعد أن اتفق الاثنان على ترك الأمر للشورى، مشكوكا فيها، إلا أنها تؤسس لقاعدة هامة في علم السياسة، تنسب إلى ميكافيلي. وكان الأصوب لو أنها نسبت إلى معاوية.

الغاية تبرر الوسيلة… وغاية أي سياسي أن يحكم. أما الوسيلة فيمكن دائما أن يأتي ما يبررها.

وسيلة الحكم في تونس ديمقراطية، تمر عبر صناديق الاقتراع، وبما أن الخلافات والآراء في تونس لا يمكن حصرها، أو تصنيفها ضمن تيارين أو ثلاثة أو أربعة، فقد تعددت الأحزاب، وتعدد الساعون للحكم.

صناديق الاقتراع منحت النهضة 52 مقعدا، أي أقل من ربع مجموع النواب الـ217، ما دفعها إلى الدخول في مشاورات مع باقي الأحزاب، لكي تتمكن من تشكيل الحكومة.

إجراء مفهوم، له ما يبرره. المفاجأة كانت دخول النهضة في مفاوضات مع حزب “قلب تونس”، الذي يرأسه رجل الأعمال نبيل القروي، الأمر الذي اعتبر تحولا في موقف حركة النهضة، التي أعلنت في وقت سابق، وفي أكثر من مناسبة، أنها استثنت خصمها الليبرالي، إلى جانب الحزب الدستوري الحر، من الحكومة الجديدة.

وكان القروي، مؤسس حزب “قلب تونس” رفض في تصريحات سابقة، إمكانية التحالف مع النهضة، بل إنه اتهمها بالوقوف وراء سجنه، بتهم غسل أموال وتهرب ضريبي خلال الحملة الانتخابية للرئاسية التي ترشح لها.

واشترط القروي، الذي تمكن من الحصول على 38 مقعدا في البرلمان، ترشيح شخصية بخلفية اقتصادية لرئاسة الحكومة القادمة.

“توافق اللحظات الأخيرة” أعاد إلى الأذهان سياسة التوافق التي انتهجها حزب “نداء تونس” والنهضة منذ عام 2014. وكان الغنوشي قد واجه بسببها العديد من الانتقادات من داخل حزبه، وصلت إلى حد المطالبة بتنحيته ودعوته إلى مغادرة الحياة السياسية، من قبل قيادات حمّلته مسؤولية “فشل” سياسة التوافق في الحكم.

ولكن هناك من ينظر للغنوشي، الذي عاد إلى تونس من منفاه في 30 يناير 2011، حيث وجد آلافا من الأنصار في استقباله في مطار تونس قرطاج، بوصفه رجل وفاق بين حزبه الصاعد حديثا وبين باقي الأحزاب العلمانية، وأبرزها تحالفه مع خصمه الرئيس السابق، الباجي قائد السبسي، زعيم حزب حركة نداء تونس.

كما يحسب للغنوشي نجاحه في تحييد الجناح المحافظ داخل حركة النهضة، ومحاولته إدخال إصلاحات للفصل بين الجانب الدعوي والسياسي والحد من صلات الحزب بالتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين. وكلها قرارات يرى فيها تونسيون علمانيون تكتيكا مؤقتا، يخفي استراتيجية تتعاطف مع القوى السلفية المتشددة، خصوصا بعدما أدلى بتصريح صحافي في 2012 قال فيه إن “معظم السلفيين يبشرون بثقافة ولا يهددون الأمن”، قبل أن يعلن لاحقا أن “هؤلاء الناس يمثلون خطرا، ليس على النهضة فقط، بل على الحريات العامة”.

تهم ينفيها الغنوشي، ولا يستطيع خصومه تقديم ما يثبتها، خاصة وأن النهضة أعلنت بتشجيع منه تبنيها خيار المدنية، في مؤتمرها العام في 2016، وتمّت إعادة انتخابه رئيسا لها، رغم معارضة عدد من القيادات. وقبلت الحركة أيضا عدم التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور التونسي، الذي تم إقراره في عام 2014.

راشد الغنوشي شخصية محيرة، ولكنها شخصية ذكية وميكافيلية، تفرض الاحترام حتى على الخصوم، وقد نجح في الفترة الماضية في تلافي كل السهام الموجهة إليه، ببساطة لأنه اختار تحريك خيوط اللعبة من وراء الستار.

اليوم اختار أن يقف أمام الستار، وأن يشارك مباشرة في إدارة المشهد السياسي… وهذا من حقه، ومن حق تونس عليه. التونسيون اختاروه ليحكم، وهذا ما يجب أن يفعله.

الأمر الآن أصبح حساب أرباح وخسائر، بورقة وقلم… ماء الحكم وحده سيكشف إن كان الغنوشي يجيد السباحة في بحر السياسة، أم هو مبتدئ سيجرفه تيارها.

9