راشيل هاوك سينوغرافية الأزمنة الحديثة المدهشة

الاثنين 2015/01/05
في أعمال هاوك تواشج عميق بين الضوء والمكان

في تجارب راشيل هاوك المدهشة ثمة فاصلة ما، فاصلة ظلت تلفت أنظار النقاد في برودواي، فاصلة تتعلق بالواقعي والخيالي وهي الإشكالية التي طالما شغلتها على طول مسارها الممتدّ لعدة عقود، منذ أن اكتشفت ذلك السحر الذي تنطوي عليه الواقعية.

تجارب هاوك تعنى بفاصلة تقيم جسورا بين الواقعي والافتراضي والحلمي وحتى السريالي الذي طالما شغلها في مجمل منجزها وتاريخها الذي أتحف مسارح برودواي ولا يزال بإبداع متجدد.

بالنسبة لراشيل ظلت أحلام الطفولة في ولاية أوهايو والصور التي التقطتها في الغابات والمزارع ملهما كبيرا لها، ولهذا ليس مستغربا أن تقول أن هنالك حياة مخبّأة بين تلك الأشجار وكذلك أصوات تنبعث من تلك الطبيعة، الأمر الذي ظل يشغلها طويلا في مجمل الأعمال التي أنجزتها.

فالإنسان في فضائها التعبيري السينوغرافي يمتلك مساحة عريضة، يمكنه من خلالها أن يطلق صوته وأن يعبّر عن نفسه، فالفضاء متسع بسعة الطبيعة البكر التي تتحدث عنها هي وتلهمها، وهو ما عبّرت عنه من خلال العديد من المقابلات. عالم متكامل يسميه البعض فقدانا للذات، بينما تعدّه هي كينونة أخرى في الفضاء الحلمي الذي تصنعه من تواشج عميق بين الضوء والمكان.

راشيل تعنى من جهة أخرى بالمعطى المكاني، وتجدها مأخوذة للمعالجات المكانية المختلفة

من بين تلك الأعمال التي تحكي سيرة الأنثى مسرحية “فيدرا” لماريان كار، هذا العمل الذي نال مساحة مهمة من تغطيات صحافة برودواي، السينوغرافيا هنا ليست إلاّ معبرا صافيا لعزلة الأنثى وبحثها عن ذاتها وسط تداعيات متواصلة تتلاحق من حولها، عالم يصلنا بالإغريق، فيدرا زوجة ثيسوس التي تقع في غرام شخص آخر، لتتصاعد الدراما وتذهب حياتها سدى، لكنها قبل ذلك وهي تعيش أزماتها الراهنة تسقط أزمات معاصرة، تتم صناعتها سينوغرافيا هذه المرة.

وإذا ذهبنا بعيدا في عوالم راشيل السينوغرافية، فلا شك أننا سنحلق في فضاء الشاعرية الفريدة التي تتفاعل فيها مكونات المكان مع الصور الشعرية، وخاصة في أحد أشهر أعمال الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا، وهو منزل “بيرناردا ألبا” الذي يعتبر امتدادا لأعماله ذائعة الصيت “يارما” و”عرس الدم”.

على هذه الخلفية الشعرية الثرية تصنع راشيل سينوغرافيا تحت إدارة المخرجة ليسا بيرسون، وكلاهما تتألقان في صنع دراما-تراجيديا شعرية فريدة ومتأنقة: بوفاة الزوج وإغلاق الأبواب على نفسها لثماني سنين، وحجر بناتها حتى لا يدخل هواء الطريق، الذات الأنثوية المتشظية بين الأم وبناتها والإرث الذي وجدن أنفسهن في مواجهته، يتمّ إعادة بنائه بصريا في تكوين مذهل تتقنه راشيل في واحد من أجمل أعمالها وأكثرها شاعرية.

هذا الواقع الذي تتداخل فيه أهواء الشخصيات، هو تأكيد لذلك الذي أسسته راشيل مسبقا ما بين الخيالي والواقعي، وهذه المرة في وجهه الشعري، وتعنى راشيل من جهة أخرى بالمعطى المكاني، وتجدها مأخوذة للمعالجات المكانية المختلفة، فمثلا في عرض “فلسطين-مكسيكو الجديدة” للمخرجة ليسا بيرسون أيضا، هنالك تجاور مكاني افتراضي بين مكانين أحدهما في أقصى الشرق والآخر في أقصى الغرب.

فما بين أرض قاحلة مع مرتفعات وصخور، وبين أرض فلسطين ثمة مساحة تجسرها راشيل في هذا العمل، رغم أن الواقعية تطغى والحوار المألوف يظل طاغيا على كل شيء، إلاّ أن راشيل لم تفقد نزعتها المتمرّدة على سكون الأشياء.

الإنسان في فضاء هاوك التعبيري السينوغرافي يمتلك مساحة عريضة، يمكنه من خلالها أن يعبر عن نفسه

ولهذا خرجت من هذا العمل بمعطيات مختلفة تماما عن أسر المكان ومحدوديته، إلى شكل جمالي وتعبيري مختلف، فالحوار التقليدي بين الشخصيات (المجندة وزميلها)، تخرج به راشيل عن إطار اليوميات تماما، وتحاول كسر حدّة الواقع بمعطيات مكانية عمقها الضوء.

ولعل ما يلفت النظر من الجهة الأخرى في أعمال راشيل، علاوة على توظيف الأسطورة اليونانية والصور الشعرية والواقع السياسي، وصولا إلى ما يعرف بحكايات الكاباريه السياسي، هو نزعتها الملحوظة في تحدّي الشكل الكلاسيكي الذي تفرضه الدراما ذاتها وقوانينها وما تراكم منها في الأذهان في شكل قصص لا تقبل تأطيرا مختلفا، ومن ذلك على سبيل المثال أعمال شكسبير، وخاصة في معالجتها للعمل المسرحي الشهير “هنري الثالث” الذي شكل علامة فارقة أخرى في تمرّدها على الشكل والعرض الكلاسيكيين، باتجاه إعطاء مساحات تعبيرية أعمق وأكثر دلالة، وباتجاه إزاحات في الشكل والمساحة أعطت أفقا أوسع ودلالات أعمق. ومنحتها في ذات الوقت معطيات في الشكل غير مألوفة، بعدما درج الشكسبيريون على نمطية محددة في تقديم الشخصيات.

“هنري الثالث” من إخراج ليبي أبيل وضمن مهرجان شكسبير في ولاية أوريغون الأميركية، قدّم معالجة فريدة لفتت الأنظار وأكدت قدرات راشيل في إعادة صياغة الأشياء والعناصر في كل عمل تعبيري يبعث على الدهشة.

16