رافاييل نادال ملك الملاعب الترابية وظاهرة رولان غاروس

السبت 2017/06/24
رافاييل نادال ماتادور إسباني يهيمن على خصمه بكلتا يديه

برلين- إذا ما أجريت استطلاعاً للرأي في الشارع الرياضي الإسباني حول أي من النجمين الأكثر تألقاً ميسي أو رونالدو؟ ستجد بلا أدنى شك فئة تدعم هذا وتنتقد ذاك. وقيل أن إجماع الرياضيين على شخصية بعينها يعتبر ضرباً من الخيال، إلا أن إنجاز أسطورة التنس الإسبانية رافاييل نادال وتربعه للمرة العاشرة على عرش بطولة رولان غاروس جعل كل محبي الرياضة في الشارع الإسباني وربما العالم يتفقون على أن رافا ملك الملاعب الترابية هو الأسطورة الحية غير القابلة للجدال والتي لم تشهدها ملاعب الكرة الصفراء من قبل.

في جزيرة مايوركا الإسبانية ولد رافاييل نادال أو كما يحب أن يلقبه عشاقه اختصارا “رافا” في الثالث من شهر يونيو 1986، وميول رافا الرياضية لم ترسم بيد والديه كما جرت العادة في سير وقصص النجوم.

رافا الطفل ودراغون بول

والده سباستيان نادال بيريرا كان يمتلك شركة تأمين وشركة تصنيع زجاج ومطعماً خاصاً، ووالدته آنا ماريا كانت متفرغة لتربية رافاييل وشقيقته الصغيرة ماريا. طريق نادال نحو عالم الرياضة مرّ عبر أشقاء والده وتحديداً عبر ميغيل أنخيل نادال اللاعب السابق لناديي ريال مايوركا وبرشلونة والمنتخب الإسباني، وعمه الآخر توني نادال لاعب التنس السابق.

كان كلا الطرفين يحاول التأثير على ميوله بطريقتهما الخاصة، ميغيل كان يصطحبه معه إلى ملاعب كرة القدم وتحديداً إلى برشلونة وكان يمنّي نفسه أن يسير على خطاه يوماً لكنه لم ينجح في مسعاه حتى أن رافاييل أصبح يميل إلى النادي الملكي، بينما كان عمّه توني يدرّبه و يصطحبه إلى ملاعب التنس لتدريبه ويشتري له المضارب والكرات ولشدة تعلق رافاييل بالمسلسل الكرتوني “دراغون بول” كان يشبّه له كرة التنس بكرة التنين في المسلسل الكرتوني الشهير حتى يزيد من محبته للتنس، وعندما بلغ رافاييل العاشرة من عمره قرر الشقيقان ومعهما والده سباستيان تخييره بين ممارسة كرة القدم أو التنس فقرر رافاييل ممارسة التنس وبخاصة بعد أن حصل عندما كان في الثامنة من عمره على بطولة محلية للتنس للأطفال دون سن الـ12 متفوقاً على الكثير من اللاعبين الذين يكبرونه سناً.

ازداد إصرار توني نادال على تكثيف الحصص التدريبية لرافا ونصحه باستخدام اليد اليسرى كميزة إضافية في الإرسال الخلفي وكسب الوقت في لعبة يجب التفكير فيها بأجزاء من الثانية، وبالفعل كانت هذه الميزة سبباً أساسياً في حصوله على المزيد من الألقاب لكن المفارقة التي أدهشت الجمهور في إحدى المقابلات الصحافية أن رافا صاحب اليد اليسرى القوية والدقيقة في لعبة التنس لا يجيد استخدامها أبداً في وظائف أخرى، حتى أنه كتب اسمه على ورقة بكلتا اليدين ليبرهن ذلك.

موهبة قادمة من مايوركا

نادال أصبح ملك الملاعب الترابية وظاهرة ملاعب التنس

واصل رافاييل حصد الألقاب في إسبانيا وخارجها إلى أن أصبح في سن 14عاماً حينما قدم الاتحاد الإسباني للتنس فرصة لنادال للانتقال إلى برشلونة وصقل موهبته في أكاديمية للتنس هناك. لكن والداه منعاه من ذلك حرصاً على إكمال دراسته وأقنعه آنذاك عمه توني الذي قال له “لا أريد أن تؤمن بأن عليك الذهاب إلى أميركا أو برشلونة أو أماكن أخرى لتصبح لاعباً جيداً، يمكنك أن تفعل ذلك من منزلك”، ووعده إذا ما بقى إلى جانب عائلته فإن والده سيتكفل بتعويض نفقاته المادية التي كان سيحصل عليها من اتحاد التنس الإسباني.

وبالفعل آمن رافا بقدرته وموهبته وسعى جاهداً إلى انتهاز الفرص المتاحة ليظهر لعشاق الكرة الصفراء أن الموهبة القادمة من مايوركا ينتظرها مستقبل عظيم، لم ينتظر رافا طويلاً ليبهر الجميع بتغلبه على البطل السويسري بات كاش البطل السابق لبطولات الغراند سلام في مباراة استعراضية جمعتهما في مايو 2001.

في العام التالي بدأ رافا رسمياً موسمه كلاعب تنس محترف وكان تصنيفه آنذاك على مستوى العالم 762، وشارك في بطولة ويمبلدون للفتيان ووصل إلى نصف النهائي وقاد إسبانيا لهزيمة الولايات المتحدة في كأس ديفيز للتنس للناشئين والتي تتصدر الولايات المتحدة سجلها التاريخي ليقفز إلى المركز 50 على سلم لاعبي التنس المحترفين.

لا أحد يقهر الماتادور

عام 2003 حصل الماتادور الإسباني على لقب أفضل لاعب صاعد من رابطة اللاعبين المحترفين للتنس بعد أن حطم الرقم القياسي الأول له في مسيرته كأصغر لاعب يصل إلى الدور الثالث من بطولة ويمبلدون، الرقم الذي لم يجرؤ شاب على تحطيمه منذ تسجيله باسم الألماني بورس بيكر عام 1984.

واصل نادال تألقه في الموسم التالي وبلغ الدور الثالث لبطولة أستراليا المفتوحة للتنس قبل أن يخرج أمام الأسترالي ليتوت هيويت، لكن رافا سجل مفاجأة العام بتغلبه على المصنف الأول عالمياً آنذاك السويسري روجيه فيدرر ليعلن التحدي مبكراً مع من يرغب بالصعود على سلم التصنيف العالمي.

عاد نادال من جديد بعد غيابه عن بطولة فرنسا المفتوحة بسبب تعرضه لإصابة في كاحله، لقد كانت عودة نادال موفقة رغم أنه عجز عن تجاوز اللاعب الأسترالي ليتوت هيويت في الدور الرابع وخسارته بصعوبة أمام السويسري فيدرر في نهائي بطولة ميامي إلا أنه تمكن من تحطيم رقم قياسي جديد بتحقيقه 24 انتصاراً متتالياً محطماً رقم العملاق أندريه أغاسي وهزم الأرجنتيني غييرو كوريا في مناسبتين في بطولة فرنسا المفتوحة وبطولة روما ليصبح قبل أن يكمل عامه التاسع عشر المصنف الخامس عالمياً.

بات بعدها الباب مفتوحاً أمامه للعب في بطولة فرنسا المفتوحة واستطاع الثأر من فيدرر مجدداً في الدور نصف النهائي ليواجه الأرجنتيني ماريا بورتا ونال لقبه الذي وضع في السجل الذهبي كثاني لاعب ينال اللقب في أول ظهور له في تلك البطولة بعد السويسري ماتس ويلاندز حامل لقب موسم 1983، وأصبح أصغر لاعب يفوز ببطولات الغراند سلام بعد الأميركي ذي الأصول اليونانية بيت سامبراس حامل لقب ميامي ماسترز عام 2000.

الماتادور الإسباني لم يتوقف عن حصد الألقاب

في العام ذاته واصل نادال جولته العالمية وجال أرجاء المعمورة شرقاً وغرباً، في أميركا وأوروبا وآسيا بحثاً عن الألقاب، في الصين هزم كوريا ونال لقب بطولة الصين المفتوحة للتنس وفاز ضد إيطاليا في كأس ديفيز للتنس، حقق في ذلك الموسم تسعة ألقاب فردية على الملاعب الصلبة وفاز بـ79 مباراة قادته للفوز بجائزة رابطة محترفي التنس عن فئة اللاعبين الأكثر تحسناً بعدما أصبح أفضل اللاعبين الإسبان تصنيفاً ورفع رصيده من النقاط ليحتل المركز الثاني على سلم التصنيف.

استقبل رافا موسم 2006 بإصابة غيبته عن بطولة أستراليا المفتوحة للتنس لكنه عاد بسرعة إلى منصات التتويج في الملاعب الترابية حيث أثبت علو كعبه وهذه المرة كانت أيضاً بطعم خاص على حساب السويسري فيدرر في نهائي مونتي كارلو والإسباني تومي روبريدو في نهائي سابادي المفتوحة في برشلونة، وحطم الرقم القياسي المسجل على الملاعب الترابية باسم الأرجنتيني جيليرو فيلاس بـ53 فوزاً متتالياً على الملاعب الترابية، ثم التقى مجدداً بقدره الدائم السويسري فيدرر في بطولة فرنسا المفتوحة لينال اللقب الثاني على حسابه ويصبح أول لاعب يهزم فيدرر في بطولات الغراند سلام وأنهى كذلك الموسم برقم قياسي جديد كأول لاعب يحافظ على تصنيفه في المركز الثاني بعد أندريه أغاسي موسمي 1994-1995.

عام 2008 كان عاماً استثنائياً في مسيرة الإسباني الشاب، ففي هذا العام سحق نادال غريمه التقليدي السويسري فيدرر في ثلاثة نهائيات وحافظ على لقبه في بطولة فرنسا المفتوحة للتنس للموسم الرابع على التوالي، لقد كان على موعد مع خطوته الأولى في التاريخ ليسجل اسمه لأول مرة على سلم صدارة محترفي التنس، كانت تفصله عن تلك اللحظات مباراة واحدة وكان كالعادة السويسري روجيه فيدرر قدره المحتوم.

الطريق نحو العاشرة

خاض نادال مباراة تاريخية في نهائي ويمبلدون، كانت الأطول والأعظم في تاريخ البطولة حسبما صنفها النقاد وسجلات الإحصائيات، استمرت تلك المباراة رغم حلول الظلام بين المتادور الإسباني ومنافسه العملاق متصدر التصنيف العالمي ليكسب رافا المباراة بنتيجة تسعة أشواط لسبعة ويتربّع على عرش صدارة التصنيف العالمي لأول مرة في تاريخه لينهي بذلك حقبة احتكار العملاق السويسري روجيه فيدرر التي استمرت أربعة أعوام.

بعد ليلة ويمبلدون التاريخية واجه نادال نكبة أبعدته عن منصات التتويج حتى منتصف العام 2010. تعرض حينها لسلسلة من الإصابات المتكررة وأعقبتها انتكاسة في العلاقة الأسرية بين والديه كادت تنهي حياتهما الأسرية، وانتقلت عناوين الصحف العالمية من الحيرة في وصف إنجازات الماتادور الإسباني إلى عناوين أقرب ما تكون إلى تعزية عشاقه بانتهاء قصة جميلة عرفتها ملاعب التنس وأن الثور الإسباني الهائج قد جمح وبات أليفا لا يخيف أحداً وبات فريسة سهلة ليس فقط لمحترفي التنس. وقد ارتاحت أخيراً الكؤوس من أنياب رافا الذي اعتاد أن يلتقط الصور معها وهو يعضها بعد كل لقب يحققه.

نادال أًصبح أول لاعب تنس في عصر الاحتراف يفوز بعشرة ألقاب

كل ذلك كان في النصف الأول من العام 2010 ولم يكن أحد يدري ما تحمله الأشهر المتبقية والتي تمكّن فيها توني نادال مدرب الماتادور من ترويضه مرة أخرى وقيادته إلى منصات التتويج ليستعيد لقب ويمبلدون مرة أخرى وأضاف كذلك إلى سجله التاريخي لقب بطولة أميركا المفتوحة للتنس لأول مرة في تاريخه.

منذ ذلك الحين لم يتوقف الماتادور الإسباني عن حصد الألقاب. فحصد حتى تاريخ كتابة هذه السطور خمسة عشر لقباً في البطولات الأربع الكبرى؛ ويمبلدون مرتين أعوام 2008 و2010، وأميركا المفتوحة للتنس مرتين أعوام 2010 و2013 وأستراليا المفتوحة في 2009، ثم أصبح ملك الملاعب الترابية وظاهرة ملاعب التنس بعد أن أضاف اللقب العاشر إلى سجله في بطولة فرنسا المفتوحة للتنس “رولان غاروس” على حساب السويسري فافرينكا وأًصبح أول لاعب تنس في عصر الاحتراف يفوز بعشرة ألقاب في بطولة واحدة من البطولات الأربع الكبرى. الأمر الذي جعل اللجنة المنظمة تحفر اسمه واسم عمّه توني على كأس الفرسان تكريماً لسجله الذهبي.

لحظات لم ينس فيها نادال توجيه الشكر لعمّه ومدرّبه منذ أن كان في الثالثة من عمره قائلا ”شكراً لأنك كنت معي منذ أن كنت في الثالثة من عمري، لم أكن لأفوز بالعاشرة هنا من دونك”.

يمتاز نادال بطريقته الخاصة التي تعتمد على التمركز خلف الخط الدفاعي والإرسال المعاكس مستغلاً إجادته للعب بكلتا يديه وقلما يتقدم خلف الشباك حيث يقوم عادة بانتظار اللحظة التي يختل فيها توازن الخصم ليرسل ضربته القاضية.

قبل عشرة أعوام أنشأ نادال مؤسسته الخيرية التي تديرها والدته ويعمل فيها والده نائباً للرئيس، يحب ممارسة الغولف في أوقات فراغه، أسطورته في كرة القدم هو صديقه إيكار كاسياس الذي يشاركه المباريات الخيرية بعض الأحيان.

14