"رافعة الأطباق" لهارولد بنتر كناية تراجيدية عن سلطة بلا وجه

في قلب باريـس، فـي مسـرح الجيـب بمـونبـرنـاس، كـان لهـواة الفـن الرابـع لقـاء طـوال شهـر ينـايـر الماضي مـع “رافعـة الأطبـاق”، مسـرحيـة مـن بواكيـر البريطـاني هـارولـد بنتـر (1930 /2008)، كان فيها تأثره بصامويل بيكيت ومسرحه العبثي واضحا، حيث الفضاء المغلق والانتظار الممضّ والجوّ القابض والغموض الطاغي، مع عنصر جديد، وهو هنا؛ آلة تقوم مقام الشخصية المحورية.
الاثنين 2016/02/08
بطلان غائبان عن نفسيهما وعن العالم

مسرحية “رافعة الأطباق” للمخرج كريستوف غاند التي عرضت مؤخرا في مسرح الجيب بمونبرناس بباريس، تشدّ المتفرج منذ لحظاتها الأولى، كأفلام الرعب والجاسوسية، بطلاها رجلان يلفهما الغموض، لا نعرف شيئا عنهما إلاّ أن الأول يدعى بن والثاني يدعى غوس، ولا ندري هل هما حارسا دهليز، أم حارسان ليليّان أم قاتلان مأجوران.

ولا نستدل إلى المكان الذي يوجدان فيه، فهو فضاء مغلق به سريران بسيطان، قد يكون غرفة فندق متواضع لا يرتاده أحد، أو قاعة تابعة لمطعم تحت الأرض، يقبع فيه هذان الرجلان ليهرفا بكلام لا رابط ينظمه إلاّ لماما، عن أمور الحياة المعتادة، والثابت أنهما في حالة انتظار.

ويلحّ على المتفرج السؤال تلو السؤال: لمن يعملان؟ وهل هما مجرّد حلقتين في منظمة سرية؟ وفي أي جهة من القانون تتموقع تلك المنظمة؟ مع القانون أم ضّده؟ وماذا ينتظران؟ هل ينتظران شخصا لتصفيته أم لتلقي أمر بأداء مهمة؟ ثم ما هي تلك المهمة؟ ومن هو المستهدف؟

ولا جوابَ، من أول المسرحية حتى نهايتها، حيث يفلح المؤلف في خلق جوّ مشحون بالترقب، على غرار مسرح بيكيت، ولكن دون القوة التراجيدية والميتافيزيقية التي تطبع مسرحية “في انتظار غودو”. الوقت في المسرحية أيضا يمضي، ولكن حركة الرجلين تبدو معلّقة في معنى لا يتحقق، فلا مكان هنا لغوصٍ في نفسية هذا الفرد أو ذاك لسبر أبعادها وتعقد شخصيتها، إذ يكتفي بنْتر بخلق جو ضبابي ملؤه الضجر والفراغ.

الممثلان يشكلان ثنائيا فعالا يكون فيه كل طرف مقلدا ومتفردا، ويتقمصان بكيفية مضحكة قيافة البطلين

فالبطلان هنا متشظيان، متأرجحان، غائبان عن نفسيهما وعن العالم، عاجزان على مواجهة خطر لا يدركان كنهه، متمثلا في آلة تروح وتجيء لتلقي أوامر لا يتبيّنانها. فيكتفيان بالتنقل في فزع من سرير إلى آخر، ومن عمق القاعة إلى رافعة الأطباق في فضاء على صورتهما، فضاء عار، تافه، لا وجود فيه لعلامة حضور مميز.

وتتخلل العلاقة بينهما لحظات صمت طويلة تنتأ أثناءها مواقف متناقضة بين تصادم وتقارب وتوادد، كعلامات تسمح لهما بمقاومة عبثية الوضع الذي يعيشانه والذي يحسان غريزيّا بخطورته.

والتوتر يبلغ ذروته بظهور رافعة أطباق، كشخصية ثالثة خطرة وبلا وجه، وإذا سلطة لا مرئية ممثلة في هذه الآلة التي تبعث إليهما بطلبات أطعمة لا حدّ لها، عبر هاتف داخلي، فيضطربان لأنهما لا يعرفان من وراءها، ويحاولان تهدئة الجوّ بتلبية طلبات زبائن مجهولين، إذ يتنازل غوس الشره عن كل مدّخراته من الشاي والبسكويت والشوكولاته، دون أن تتوقف الطلبات. وفي غياب تفسير منطقي لما يحدث، ينفد صبر الرجلين ويستبد بهما غيظ وحنق وبارانويا ويعتزمان القضاء على هذا الذي يأمرهما من عليائه أيّا من يكن، ولكنهما لا يسيطران على شيء.

والممثلان هنا يشكّلان ثنائيّا فعّالا يكون فيه كل طرف مقلِّدا ومتفردا، ويتقمصان بكيفية مضحكة قِيافة البطلين، في لغتهما الساذجة وتفكيرهما البسيط ودورهما كفردين لم ينالا حظا من المعرفة والتربية ليحوزا حريتهما وينعتقا من الطاعة الخانعة، والتسلط الآلي.

العلاقة بين البطلين تتخللها لحظات صمت طويلة تنتأ أثناءها مواقف متناقضة بين تصادم وتقارب وتوادد

نجح جاك بوديه ومكسيم لومبار في نقل ملامح هذه الفئة من الناس التي تبث الرعب في النفوس: فهي محدودة الذكاء، محرومة من الشك الوجودي، لا تملك إلاّ طبعا فظا، يحتدّ عند أول إحساس بالاعتراض على ما تقترح، ولو في أمور تافهة، ولكنها يمكن أن تكون خطرة إذا ما جُعلت لخدمة أيديولوجيا أو قضية إجرامية أو إرهابية.

ويبقى السؤال: ماذا يحرس ذانك الرجلان، وماذا يمثل ذلك الفضاء المغلق الذي يشغلانه؟ وعن أي نظام أو فوضى يدافعان؟ نحن هنا أمام عبثية وضعية لا تنفك تتأزم عبر مواقف هزلية وأخرى سوريالية، ويزداد التوتر حدّة بظهور رافعة الأطباق المفاجئ وصوت الهاتف الداخلي الذي يصدر أوامر غامضة، كناية تراجيدية عن سلطة بلا وجه.

يحسب للنص مزاوجته بين نزعة الهيمنة والألفة، بين المواقف السوريالية والمواقف الناضحة بروح هزلية، مثلما يحسب للإخراج نجاحه في خلق فضاء مغلق مطبوع بسوداوية ضاغطة، واعتماده كما في أفلام التشويق على موسيقى تصويرية متوترة، تتابع ما يشبه حوار صمّ بين رجلين تافهين يزجيان الوقت كل على طريقته في انتظار شيء أو شخص لا يأتي، قبل أن يفاجئنا بنهاية يحتاج المتفرج فيها أن يعود إلى الوراء لفك الخيوط وفهم خطابات بن وغوس التي بدت تافهة، وأوامر الشخصية الثالثة، رافعة الأطباق، عبر الهاتف الداخلي.

يقول المخرج كريستوف غاند “النفوذ في قلب الحدث: قائد لا يرى، يعطي أوامر غريبة يرمز لها برافعة أطباق، تبدو ذات سلطة لا تناقش، هذه الشخصية الثالثة غير المنتظرة تكسر قواعد صحبتهم، فتبدو مهمتهما، وهي غاية وجودها في ذلك الفضاء المغلق، تقودهما نحو نهاية يجهلانها، رغم أنها في نظرهما محتومة، المسرحية في رأيي رمز غير زمني لنزع الطابع الإنساني عن السلطة”.

16