رافع الناصري يترجل.. والعراق مايزال على الصليب

الثلاثاء 2013/12/10
رافع الناصري .. رسام حررنا من كثافة وجودنا الأرضي

كان رافع الناصري، الرسام العراقي الذي رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة يؤكد دائما أن التجربة الفنية لن تكتمل إلا بوفاة الفنان. وإذا ما كانت تجربة الناصري نفسه قد تشكلت في سياق يغلب عليه الطابع التجريبي، فإن نضوج علاقة الفنان بمصادر إلهامه يجعلنا نقف في مواجهة مراحل فنية متلاحقة، هي في حقيقتها مجموعة من التجارب الفنية المكتملة التي كان بعضها يمهد للبعض الآخر.

الرسام الذي درس الرسم بشكل أساسي في الصين (بعد أن أجرى دراساته الأولية في معهد الفنون الجميلة ببغداد) كان قد اهتدى بتأثير من التربية الفنية الصينية إلى الطبيعة، باعتبارها مختبرا لإلهامه الجمالي. والطبيعة هنا لا تنحصر في ما يُرى منها بالعين المباشرة، بل يتخطى ذلك إلى تجلياتها التي غالبا ما تتخذ طابعا إشراقيا، كما لو أن المرء يرى من خلال عينين حالمتين. هو شيء أشبه بالشعر.


واقعية مثالية


لقد وجد الناصري (المولود في تكريت غرب العراق عام 1940) في سنوات دراسته الصينية ما بين عامي 1959 و1963، الطريق أمامه سالكة لتعلم التقنيات التي تقوم الطبيعة عن طريقها بإظهار جمالها، مجموعة من الحيل التقنية التي تقبض الأشكال الطبيعية من خلالها على نضارتها. وهكذا فقد تعلم الناصري أن ينظر بعينين شرقيتين إلى عالم، سيكون في ما بعد الوسادة التي يضع رأسه عليها كلما رغب في أن يمتلئ رأسه بأحلام جديدة.

كانت علاقة الناصري الإلهامية بالطبيعة هي ما دفع به إلى اعتماد طريقة تجريدية في النظر إلى العالم. وهو ما جعله ينتقل بيسر إلى تفحص جماليات الحرف العربي انطلاقا من ليونة شكلية، ستكون بمثابة المعبر الذي يصل ما بين الطابع الموسيقي الحركي الذي يتأنق من خلاله الحرف وبين الدلالات النفسية التي تنطوي عليها قوة المعاني في جمل قد لا تكتمل.

كان الناصري وهو الذي انهمك في دراسة فن الحفر الطباعي (الكرافيك) وتدريسه (كان قد أسس فرع الكرافيك في معهد الفنون الجميلة وأشرف عليه بدءا من أواسط ستينات القرن الماضي)، لا يختصر العالم بين لونين أحاديين. كان غنى رسومه اللوني يهب عالمه ملامح ترف موسيقي، سيظل بمثابة العلامة السحرية التي تميز الناصري عن سواه من الرسامين التجريديين العرب. كانت الموسيقى هي العامل الحاسم الذي نجح الناصري في تركيب واقعه على سلم الطبيعة ليدوزن هناك رؤاه. ربما سيكون علينا أن نتحدث عن واقعية مثالية. الرسام التجريدي يلهم الواقع شيئا من أصول مهنته، التي لن تكون سوى ذريعة. فهذا الرسام ليس له سوى هدف واحد: الجمال مثلما هو، في الحيز الذي توحي به فكرته المتخيلة.

وهي فكرة تمتزج فيها تقنيات الوعي بحيل المواد المستعملة، من أجل ابتكار شكل لصورتها النهائية. تلك الصورة لن تكون إلا نوعا من الوشاية بعالم هو بمثابة الوجه الآخر لعالمنا.

كان الناصري يقف على الضفة الأخرى. هناك حيث تقف القلة الملهَمة من الناجين. ولكن كفاحه يسبق كفاح تلك القلة، من جهة ثقته بنبل مسعاه الروحي. كان الرسام رائيا لمصير لم تعد البشرية تكترث به. ولأنه لا يرى في الرسم نوعا من الرثاء فقد اتخذ من الصبر وسيلة لتفكيك ما يرى وإعادته إلى أصوله التجريدية. تكون الحياة صالحة للعيش بالقدر الذي تبرر به وجودها من خلال الفن.

رسوم الناصري تعين الحياة على تعديل مسارها وتصحيح طريقتها في النظر إلى معانيها المضطربة. ما لا تفصح عنه سياقات العيش المباشر يتكهن به الجمال. هناك دائما لحظة فالتة. لحظة هي بمثابة الخزانة التي تلجأ إليها الأرواح الهائمة.

الناصري رسام للمعاني التي لا يمكن أن ندركها


بغدادي الهوى


شغفَ الناصري بالمدن التي ارتحل إليها مغتربا، غير أن مدينة واحدة كانت قد حظيت بأدعيته هي بغداد. كل المدن التي سكن فيها أو مرّ بها كانت بالنسبة إليه أبوابا، يضع يده عليها ولا يدفعها خشية أن لا يجد شيئا وراءها. كان العالم يغنيه بعده الماورائي ما دامت بغداد بعيدة.

وبسبب الغربة (عاش الناصري في عمّان/ الأردن منذ بداية التسعينات إلى يوم وفاته)، بكل ما تعنيه من شعور بالضجر الوجودي تغير فعل النظر لديه. صار الفن هو الاحتمال البصري الوحيد. سيكون عليه أن يقول أن الحياة كانت شيئا مختلفا. كان الفن يومها هو الآخر شيئا آخر. غير أن هذا الرسام لم يكن معنيا يوما ما بالمرثيات. فرشاته لا تتذكر بقدر ما كانت تحلم، حدثني عن النهر وكان يحلم بصباه، لا تمشي الأشباح على سطح المياه؛ النهر مادة نموذجية لتدريس النسيان.

كانت ضربة رافع الناصري على سطح اللوحة أشبه بالموجة التي تمحو ما قبلها. ومع ذلك فقد كان هناك شيء من الطبيعة -التي محاها- يتثائب بين يديه. لقد تعلمت فرشاته دروسا من السفر في الزمن. تنسى لتتذكر وتتذكر لتنسى. تجريدياته تشف عن طبيعة يخالها المرء قد ذهبت بعيدا، غير أن الناصري إذ يستحضرها لا يكترث كثيرا بصورتها، بل يهمه أن يقبض على خيالها الذي لا يزال ينعم عليه بلذائذ ومسرات روحية. ولأنه لم يؤنسن الطبيعة فقد حفظ لها كرامتها البرية. هي ذي الأم التي يسقي حليبها ينابيع الرؤيا. أخلص رافع الناصري للرسم، بالقوة نفسها فقد كان مخلصا للطبيعة، لا لشيء إلا لأن الطبيعة كانت بالنسبة إليه نوعا من الرسم. في كل لحظة تأمل، هناك شيء من الرسم يقع، لكي يكون لما نفعله معنى.

كان رافع الناصري رساما للمعاني التي لا يمكن أن ندركها، إلا بعد تحررنا من قيود وجودنا الأرضي.

16