"رافيل" لجان إشنوز آخر عشر سنوات من عمر موسيقي

رغم إعلان موت الرواية منذ ثمانينات القرن الماضي نظرا إلى الاعتقاد الذي ساد بأن هذا الجنس الأدبي قد استوفى كل شروط تجدده ووصل إلى طريق مسدود، فقد تمكن كتاب كثيرون من الحفر في مناطق أخرى أعطت للرواية نفسا جديدا ساهم في أن تكون لها السيادة والريادة الأدبيتان.
الخميس 2016/03/31
الكتاب يتطرق إلى أثر الأدوية والاعتلال على روح الفنان القوية والطامحة

أبوظبي - رواية “رافيل” هي واحدة من ثلاثة كتب للكاتب الفرنسي جان إشنوز، وقد صاغ فيها الكاتب بلغة الرواية وإجراءاتها سير ثلاثة من أعلام العصر الحديث؛ المؤلف الموسيقي الفرنسي موريس رافيل بعنوان “رافيل”، والعداء التشيكي إميل زاتوبيك بعنوان “عدو”، والمخترع ومهندس الكهرباء الصربي- الأميركي نيكولا تسْلا “بروق”. ويقدم مشروع “كلمة” هذه الكتب بصورة متزامنة.

عندما أصدر جان إشنوز روايته الأولى “توقيت غرينيتش” في 1979، كانت الساحة الأدبية الفرنسية تعيش تساؤلات حادّة عن “نهاية” فن الرواية. وأمام الباب شبه المسدود الذي انتهت إليه الكتابة الروائية بعد مغامرة “الرواية الجديدة”، انخرط إشنوز، هو وباقي روائيي ثمانينات القرن العشرين وسابقيهم المباشرين من أمثال لوكلوزيو وموديانو، في مغامرة العودة إلى الرواية بمعناها الأصلي، مكتوبة بوسائل جديدة، وسعوا إلى رد الاعتبار للتخييل والسرد.

هذه العودة تجد تجسيدها في هذه الثلاثية السردية، ونصها الأول رواية “رافيل” الصادرة أخيرا عن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وترجمها إلى العربية وليد السويركي. وتأتي هذه الرواية ضمن سلسلة ترجمات الأدب الفرنسي التي يصدرها مشروع “كلمة” ويشرف عليها ويراجعها الشاعر والأكاديمي العراقي المقيم بباريس كاظم جهاد.

والثلاثية السردية لجان إشنوز تُقرأ كتبُها منفصلة ولكل منها استقلاله الخاص، ينطلق فيه الكاتب من سير بعض الأعلام، ويضع لهم روايات سيرة أو سيرا روائية تختلف عن تلك التي يضعها كتاب السير بمعناها الاصطلاحي، والتي تظل قريبة من عمل المؤرخين. فالخيال الأدبي يأتي هنا ليزيد إضاءة بعض التفاصيل والسمات والأحداث، ويعتم على بعض آخر منها بهدف إصباغ شيء من الدلالة وروح السرد الفني الذي لا يشابه نظيره التأريخي.

أمّا كتابه هذا فيشكل أنموذجا دالا على أسلوبه المتقشف والباروكي في آن معا، ففيه يستحضر الروائي بصورة مكثفة تجربة المؤّلف الموسيقيّ الفرنسيّ الشّهير موريس رافيل (1875-1937)، مركزا على السنوات العشر الأخيرة من حياته.

من هذه الحياة المجيدة، على وجازتها النسبية، آثر إشنوز معالجة السنوات العشر الأخيرة، لأنّها بالفعل حافلة بكلّ تناقضات حياة الجسد والروح. والهشاشة التي تتخفى وراء العبقرية وتغذيها، ولحظات الوجود العادي وما يتخللها من سأم متسلط. حادث السير الذي طبع بالثقل سنواته الأخيرة وتضافر مع آلام سابقة ليمنع المؤلف الموسيقي الكبير من إيجاد شكل لحدوسه الفنية، ما جعلها تبقى على هيئة مشاريع وسوانح وأطياف تداعب خياله وتؤرقه.

ويتطرق الكتاب إلى أثر الأدوية والاعتلال على روح الفنان القوية والطامحة، كما يبين صبره على تلاعب بعض العازفين بموسيقاه، ويقينه من أن عمله منذور للأجيال القادمة وأنه، في جوهره، لا يمس. كما يصور إشنوز بمهارة محنة الذاكرة واضطراب حركات الفنان الجسدية، هذا كله يسهب الكاتب في وصفه ببراعة وإلماح، في حين يقدم لنا موتَ الفنّان في سطور ختامية قليلة، متسارعة، تضعنا في مواجهة وقعه الصاعق ومفاجأته، موت مبكر، واعتلال لا راد له.

في الرواية ثمة إحاطة بأجواء الفترة التاريخية بكل تفاصيلها، بوجوهها الفنية وبواخرها وقطاراتها ومقاهيها، وطقوس الوداع وتناقضات المزاج الفني. وهناك أيضا وصف للحظة الإبداعية وسر البراعة ولغز النجاح، يأتي من حيث لا يتوقع الفنان نفسه.

ونلفت إلى أن جان إشنوز هو من أبرز الروائيين الفرنسيين الذين بزغ نجمهم في ثمانينات القرن العشرين، والذين ردوا الاعتبار للسّرد التقليديّ، مستفيدين في الآن ذاته من منجزات الرّواية الحديثة. ولد الكاتب في السادس والعشرين من ديسمبر 1947 في مدينة أورانج في الجنوب الشرقي من فرنسا، لأب طبيب نفسي وأم رسامة. وعند إنهائه الدراسة الثانوية، بدأ بدراسة الكيمياء، ثم انعطف إلى علم الاجتماع، فالموسيقى، ثم عقد العزم على ممارسة الكتابة الأدبية. فنشر حتى الآن ثماني عشرة رواية، وكتب للسّينما عددا من السيناريوهات. فاز في 1983 بجائزة مديسيس عن روايته “شيروكي”، وفي 1999 بجائزة غونكور عن روايته “أنا راحل”.

أمّا مترجم الكتاب، وليد السويركي، فهو شاعر ومترجم أردني من أصل فلسطيني، من مواليد 1967، عمل مدرسا للأدب الفرنسي في جامعة اليرموك (الأردن) من 1996 إلى 2008. صدر له عدد من الترجمات الفكرية والأدبية، منها “اللانظام العالميّ الجديد” لتزفيتان تودوروف، دار أزمنة عمّان 2005، و”بعيدا عن البشر” لباسكال ديسان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، 2007.

15